
التخيير بين الحياة والموت
ولو خُيّر الإنسان بين الحياة والموت من دون ملاحظة كون الموت عزيزاً والحياة ذليلة أو العكس فإنه لا شك سوف يختار الحياة كيلا يلقي بنفسه إلى التهلكة، فإذا كان الموت رخيصاً أو لم يكن له معنى كانت الحياة حينئذ أفضل.
التخيير بين الموت العزيز والموت الذليل
عندما وضع يزيد بن معاوية الإمام الحسين(ع) في وضع حرج وخيّره بين أمرين كان أحلاهما مراً، فلم يكن أمام الإمام الحسين المعصوم إلا أن يفعل الصواب كعادته لأنه يدرك عواقب الأمور من دون أي تكلّف أو عناء لأن الأمر حاضر عنده.
والتخيير الذي أعلنه يزيد ابن معاوية ظاهره أنه تخيير بين الحياة والموت، إلا أن معناه الحقيقي في نظر الإمام الحسين(ع) هو تخيير بين موت عزيز تعقبه حياة كريمة له وللأمة والدين، وبين موت رخيص يضع الأمة في مأزق عميق وخطير لن يُكتب لها التخلص منه بعد ذلك.
فلقد أعلن يزيد على الملأ أنه خيّر الحسين بين الموت أو البيعة، والحسين هو الذي اختار الموت لنفسه عندما امتنع عن البيعة.
وقد حكم الناس على الإمام الحسين قبل أن يقرؤوا الخلفيات وينظروا إلى النوايا المبيّتة عند يزيد من خلال وضع الإمام الحسين في تلك الزاوية الضيقة، فبعضهم استنكر على الإمام امتناعه عن البيعة خوفاً على حياته، والبعض الآخر استنكروا ذلك دعماً منهم لموقف يزيد.
لقد أراد يزيد من خلال هذا التخيير اللعين أن يضع الإمام في حالة من الحرج الشديد وهو يعلم ردّه المسبق، ولكنه أراد أن يبرر جريمته عبر هذا التخيير الحاقد الذي كان الجواب عليه معلوماً قبل طرحه.
ولعل الذين تسرعوا في الحكم على الإمام لم يدركوا عواقب الأمر ولم يلحظوا فحوى تلك المؤامرة الشيطانية التي كان لها خلفية سيئة.
ولعل كثيراً من الذين تسرعوا في الحكم على الإمام لم يلحظوا في قرارة أنفسهم أنه الإمام المعصوم والخليفة المنصوب من قبل الله تعالى وأن تصرفاته تختلف كثيراً عن تصرفات الناس العاديين، فمبايعة الأمة كلها ليزيد في كفة، ومبايعة الإمام له في كفة راجحة.
وهؤلاء سألوا الإمام عن امتناعه ذلك، ولكنهم لم يسألوا يزيداً عن سبب طرحه لهذا الطلب، وهذا ظلم منهم للإمام(ع).
والمفروض هو أن نسأل المبادر أولاً ثم نعاود السؤال على الطرف الآخر، لأن المبادر يملك الجواب حيث لا يمكن له أن يبادر بشيء إلا بعد دراسة ذلك الشيء.
وهناك العديد من التساؤلات تُطرح حول هذا الموضوع، ولكن لكي نفهم الجواب الشافي كان لا بد من طرح مجموعة من العناوين الخاصة بهذا الشأن ونصل بعدها إلى الجواب.
الشيخ علي فقيه



