
مَا هُوَ الفِكْرُ الحُسَيْنِيُّ الكًرْبَلائِيُّ
كلما هممتُ بكتابة بحثٍ له صلة بأحد أئمتنا المعصومين(ع) أوقفتْني يدٌ غيبية كيلا أكون مقصّراً في البيان، ودَعَتْني إلى التفكر أكثر والتأمل أطول لأن أئمتنا(ع) بحور زاخرة لا يُدرك أولها ولا يُعلم آخرها ولا يُنال أعلاها ولا يُبلغ منتهاها.
فالكلام عنهم(ع) بأية جهة من جهاتهم وأي كلام يتّصل بهم ويتعلق بشأنهم هو بالدرجة الأولى مسؤولية عقائدية شرعية، وإنسانية ووجدانية بالدرجة نفسها، وهو أيضاً مهمة يجب القيام بها ووظيفة يجب تأديتها بالدرجة الثانية.
ولكن البعض منّا لا يُدركون حجم هذه المسؤولية، ولا يفقهون واقع هذه المهمة، ولا يفكرون في عواقبها على مستوى الدنيا بالدرجة الثانية، وعلى مستوى الآخرة بالدرجة الأولى، فهمُّهم الوحيد إصدار المؤلفات ونشرها بين الناس من دون أن يعطوا اهتماماً لما كُتب بين الدفتين.
همهم الوحيد هو أن يصبح إسمهم لامعاً في عالَم التأليف، وإن كان ذلك على حساب معتقداتهم، بل وإن كان الثمن لذلك آخرتهم.
فلو فكروا قليلاً في فظاعة هذا الأمر وخطورة هذا الموقف وجلل هذا المشهد لتأملوا في المضمون وأعطوا النتائج الصحيحة عبر البراهين الصريحة، ولتخلَّوا عن تعصبهم الأعمى مرةً وعن جهلهم المطبق مرة أخرى.
فهل فكَّر هؤلاء الذين يريدون اكتساب الشهرة والمال عن طريق الكذب والإفتراء وعدم المبالاة بشؤون العقيدة وعظمائها أن لهم وقفة في يوم الحساب بين يدي الله تعالى الذي سوف يسألهم عن كل كلمة قالوها أو كتبوها حول تواريخ عظمائهم وأحداثهم ومواقفهم، فهل أنهم كانوا يمتلكون الأدلة على صحة ما كتبوه وروّجوا له ونشروه في الأسواق، فلو فكّروا قليلاً وتأملوا ملياً لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عمياء والآذان صماء والنفوس شحيحة والأهواء كثيرة والأهداف خطيرة.
وعظنا الكبارُ فلم نسمع، وأرشدونا للحق فلم نقنع، ووجّهوا لنا سيرنا وسلوكنا فانحرفنا عن جادة الحق مستهترين بما يجب الإهتمام به والتفكر فيه قبل إصداره والتأمل بمضمونه قبل إقراره.
ونحن بدورنا تعلّمنا من كبار علمائنا كيف ننظر إلى الأعماق ونتأمل في الأبعاد لنصل إلى النتائج الواضحة وندرك المطلوب دون الوقوع في المحذور.
فمن رأى نفسه في نفسه أنه أكبر منهم أو أنه يعلم ما لا يعلمون فقد خضع بذلك لجانب من جوانب الوسوسة الشيطانية التي من شأنها أن تدمّر الإنسان عن طريق التعجب والتكبر كما دُمر الشيطان من قبل بهذه الطريقة.
ونحن عندما نتناول موضوعاً يختص بسيرة أو موقف أحد المعصومين(ع) فينبغي علينا أن نضع أمامنا فكرة هامة تُشكِّل أساساً في إدراك الواقع والوصول إلى المطلوب والخلوص إلى النتائج المرضية والحقائق الواقعية الصحيحة دون زيادة مُهلِكة أو نقصان قاتل.
وهذه الفكرة هي أن المقصود بكلامنا ليس شخصاً وإن دار البحث حوله، بل إن المقصود به هو نهجٌ وهّاج ومسيرة طويلة ورسالة ربانية يجب الوقوف على تفاصيلها والإستفادة منها قدر الإمكان لأنها الوسيلة التي تربط العبد بخالقها وتوصله إلى مبتغاه الشريف.
فإذا حصل الإلتفات منا إلى شخص كشخص، أو حصرنا الفكرة في جهة خاصة، أو وضعنا البحث في زاوية ضيقة فقد ارتكبنا خطئاً كبيراً قد نصل بسببه إلى نتيجة غير مرضية لنا على الإطلاق لأننا بذلك سوف نفوِّت على أنفسنا كثيراً من الفوائد التي كنا وما نزال بأمس الحاجة إليها، وخصوصاً في هذا الزمن الخطير الذي انتشرت فيه الأفكار المعادية لنهج الحق وأهله، وجُنِّدَت فيه المجموعات المتخصصة في صياغة الأباطيل وصناعة الأكاذيب واختلاق الفتن بصور مختلفة وطُرقٍ موهمة.
لأجل ذلك لا ينبغي أن نوقع أنفسنا في تلك الحُفَر القاتلة ونشدَّ الحبال النارية حول أعناقنا بممارسة هذا السلوك المرفوض أصلاً في الموازين العقلية قبل أن يكون مرفوضاً في الموازين الدينية والعلمية.
ونلاحظ بأن الذين سلكوا هذه الطريقة في تحصيل المعارف واكتساب العلوم كيف أنهم واجهوا الكثير من المشاكل العلمية والعقائدية والتاريخية، ولم يستطيعوا أن يدفعوا الشبهات عن أفكارهم أو يردوا السهام المصوَّبة نحوهم، فلقد سجّلهم التاريخ جهلاء ضعفاء محدودي العقلانية ومنغلقين على أنفسهم في حين أن الفرص مفتوحة أمامهم للتعرف أكثر على ما تنبغي معرفته.
وإنهم رغم الإهتمام الكبير منهم في الحفاظ على عقائدهم وأفكارهم، ورغم التكاليف الباهظة التي يتكبدونها في سبيل المحافظة على مناهجهم عبر قرون من الزمن نجد بأنهم ما زالوا فيما قبل البداية، في حين أن أهل الوعي والحكمة قد عبروا البحار العلمية منذ زمن بعيد ووصلوا إلى أهدافهم قبل غيرهم بأزمان.
ولهذا أقول: إن الله سبحانه وتعالى قد مَنَّ على البشرية بوجود رجال كانوا نماذج خاصة في هذه الحياة، حيث جعلهم أدلة عليه وداعين إليه وحَفَظةً لدينه ومحامين عن نهجه ومترجِمين لتعاليمه وملتزمين بأحكامه لم تأخذهم في الله لومة لائم، ولن يثنهم الباطل عن قول الحق وفعله وحفظ الإسلام وأهله رغم الظروف القاسية التي أحاطت بهم، والتي لو أحاط بعضها بغيرهم لتخلى عن مسؤولياته والتزم بيته متذرعاً بما أحاط به من ظروف قاسية وأوضاع مريرة.
وأمام هذا الوضع القائم بيننا كمسلمين خاص، وغير مسلمين بوجه عام أن ندخل إلى أعماق تلك الثلّة الكريمة ونستنير بأنوارهم ونهتدي بهديهم ونأخذ عنهم الحق ونتعرف من خلالهم على حقائق الأمور وخفايا المسائل لأنهم أعرف الخلق وأعلمهم وأورعهم وأتقاهم وأحوطهم على هذا الدين وأهله.
فلا بد من أن ننظر إلى أرواح هؤلاء الكرام لنبصر جوهرهم ونتعرف على الهدف من إيجادهم بيننا في حقبات زمنية مختلفة، وأن ندقق في تلك الطرق التي رسموها لنا والتي تهدينا إلى الصلاح ومن بعده إلى النجاح والفلاح.
ينبغي علينا كعقلاء أن ننظر إلى تلك التعاليم التي احتوتها صدورهم ونتأمل في مصادرها ونتفكر في منابعها وسوف نجد بانها تنبع مما نزل به الوحي على أشخاص اصطفاهم رب العالمين ليكونوا أدلاء عليه ومبشرين ومنذرين وداعين إلى الله وأسرجة منيرة ومصابيح وهّاجة.
فلا ينبغي أن يلهينا المنظر عن المِخبَر، ولا يجوز أن يُبعدنا المَظهر عن الجوهر، ولا يليق بنا أن يُشغلنا الظاهر عن الباطن، فإن ظاهرهم كان جميلاً ولكن بواطنهم كانت أجمل حيث يكمن الجمال الحقيقي في القلب ويتعشعش في الروج وينجبل مع المشاعر والأحاسيس وينخرط في المعتقدات.
لا ينبغي أن ننظر إلى نسب الشخص وعشيرته أو طوله وعَرضه أو لبسه وأكله وشربه أو إلى أي شيء خارجي لا يمكن أن يكون دليلاً على الباطن وحاكياً عن السريرة.
فلو أننا أمعنا النظر قليلاً في نظرات الشعوب السابقة إلى أنبيائهم لوجدنا أن المظهر كان يلهيهم عن الجوهر سوى قلة من الواعين الذين نظروا إلى الرسالات التي جاؤوا بها وإلى التعاليم التي حملوها، فالناجح الرابح هو الذي نظر إلى الأنبياء على أنهم حَمَلَةُ رسالات السماء، والخاسر هو صاحب النظرة الأخرى.
والنظر إلى الجوهر له أكثر من هدف وغاية:
فمنهم من نظر إلى الجوهر ليعرف الحق فيؤمن ويعمل صالحاً، وهؤلاء مثّلوا القلة القليلة في المجتمع البشري منذ ظهوره.
ومنهم من تأمل في الجوهر ليعرف كيف يواجه الرسالات السماوية بطرق شيطانية.
ونحن كموالين لخاتم الأنبياء(ص) وآله الأطهار(ع) نظَرْنا إلى ما اشتملت عليه صدورهم وما كان كائناً في ضمائرهم ومسيطراً على جوارحهم لنتعلّم منهم الإيمان وما يفرضه الإيمان من التزامات تجاه الخالق والمخلوق.
نأتي الآن إلى نظرتنا للإمام الحسين بن علي(ع) تلك النظرة التي جعلتنا نفهم الكثير مما هو فيه ومما صدر عنه قبل الثورة وعند الثورة وإلى آخر رمق له في هذه الحياة، فلو أن نظرتنا إليه(ع) كانت محصورة في شخصه الخاص لانتفت هذه النظرة عند قَطْع رأسه الشريف على أرض الطف في ذلك اليوم المشهور.
ولكن بما أننا تعاطينا مع الحسين النهج والحسين الفكر والحسين الرسالة والحسين الثورة فقد بقي موجوداً فينا بروحه وتعاليمه وأهدافه فلم يفرّق الموت بيننا وبينه، ولم يُبعدنا عنه بُعد الزمان ودَفْنُ الجسد الطاهر لأن روحه ما زالت متماشية مع أرواحنا يوماً بيوم ولحظة بلحظة، وقد خرج العامل الزمني بيننا وبينه عن المألوف حيث أن الزمن كفيل بنسيان الأحداث وإهمال العديد من الأمور حيث كان البُعد الزمني بيننا وبينه من أهم العوامل المساعدة على التمسك بنهجه أكثر لأننا نشعر في كل يوم أننا بأمس الحاجة إلى فكره وروحه وطريقته في التعاطي مع الأحداث.
ولأجل هذا كان تمسكنا بروحه ونهجه وكأنه(ع) يعيش بيننا بروحه وجسده، وهذا هو عين الإيمان والعقلانية والتفكير الصحيح والمعتقَد السليم.
إننا كعقلاء بالدرجة الأولى ندرك بأن وجود الجسد أو فناءه لا يقدِّم ولا يؤخِّر في ميزان العقيدة ومنشئها ومحل استقرارها.
وأود هنا أن أعبِّر عن هذا الواقع بكلمة موجزة ومعبِّرة عما هو كائن بداخلنا تجاه أهل البيت(ع) بشكل عام، وأتمنى على الجميع أن يدركوا معنى هذه الكلمة ويتفكروا فيها قبل أن يصدروا أي حكم عليها إيجابياً كان أو سلبياً، فإن وجداني وضميري وقلبي وفكري وعقيدتي يقولون: لقد خرجت روح الإمام الحسين(ع) من جسده وتوزعت بقدرة الله تعالى على أرواحنا وكأنها تلبَّست كل روح من أرواح المؤمنين بنهجه القويم فراحوا يفكرون بما كان يفكّر، ويقولون كما كان يقول، ويفعلون ما كان يفعل حيث زرع فينا روح الإيمان الذي هو السبب الأكبر في الإستمرار والتطور على مختلف الأصعدة.
وأتمنى هنا أن نركّز سوياً في معنى ما أقول، لأن ما سوف أقوله هنا قد يفسّره البعض بأنه نوع من أنواع الغلوّ أو بأنه خروج عن الطريق الصحيح والأسس الثابتة، ولكنني أو المحاربين لمبدأ الغلو الذي يقتل صاحبه قبل أن يقتل غيره.
لهذا أقول: إن موت الإمام الحسين(ع) كان موتاً مميَّزاً بالنسبة لنا وبالنسبة للعقيدة التي نحملها، فمن مات انتقلت روحه من مرحلة الدنيا إلى مرحلة البرزخ، أما روح الإمام الحسين(ع)(وهذا تشبيه أكثر مما هو حقيقة) فإنها لم تنتقل إلى البعيد لأن برزخ الإمام الحسين(ع) هو قلوب محبيه وجوارح المؤمنين به وبثورته المجيدة وإن كان حكم البرزخ شاملاً له أيضاً، غير أن لأهل البيت(ع) وضعاً خاصاً عند الله سبحانه وتعالى في جميع الأمور، فلا أستطيع أن أجزم بأن حكمهم عند الله تعالى كحكم غيرهم، ومن معتقداتنا بهم بعد رحيلهم هو أن الله عز وجل يُطلعهم على أحوال أهل الدنيا وإن كانت أجسامهم بعيدة عنا لأن الجسد كما قلت ليس له أثر على المعتقَد ولا على المعتقِد.
والفكر الحسيني العظيم هو عبارة عن مجموعة من المعتقدات وجملة من المواقف والظروف والأحداث تُشكِّل بمجموعها جوهر الإسلام الحنيف الذي جعله الله تعالى الدين الأوحد في هذا الوجود، وهذا الفكر الذي أسميناه بالفكر الحسيني هو الدين الذي جاء به آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكل نبي أرسله الله إلى البشر، ولذا يجب أن يكون هناك تلازمٌ خاصٌ بين الإسلام ونهج الإمام الحسين(ع)، وإننا كلما ذكَرْنا الإسلام فقد ذكرنا معه هذا الرجل العظيم، وكذا العكس لأن هذا الإمام الكريم كان الأداة التي حُفظ بها الدين في تلك المرحلة الزمنية الخطيرة على الإسلام وأهله، ولأن ما صنعه الإمام(ع) في كربلاء إنما كان تثبيتاً للعقيدة وإرساءاً لقواعد هذا الدين الذي لولاه لكانت الحياة لغواً والوجود عبثاً.
إن هذا الشيء الذي حُفظ بدم الإمام الحسين بن علي إنما هو الإسلام الذي قال فيه خالقه(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) والذي قال فيه رب العالمين(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
وليس هذا الطرح مجرد استنتاج خاص أو سبْقٍ للسان، بل هو حقيقة ثابتة وواقع صحيح ظهر جلياً للجميع في كربلاء وقبل كربلاء على لسان خاتم الأنبياء ووصيه وسبطيه(ع) في أكثر من واقعة وموضع، وهذا ما صرّح به الإمام أبو عبد الله الحسين(ع) قبيل المعركة حيث أخبر خواصّه بأنه سوف يثور ضد الظلم والطغيان، وسوف يعمل بكل ما أوتي من قوى مادية ومعنوية على إصلاح ما فسد من أمور هذا الدين، وها هي كلمته الشهيرة التي وردت في هذا المجال يدوّي صداها أرجاء هذا العالَم وقد دوّنها المؤرخون بحروفٍ من ذهب بل بحروفٍ من النور الإلهي الذي لا ينطفأ أبداً حيث قال(ع):
“إِنِّي لمْ أَخرُجْ أَشِراً ولا بطِراً ولا مُفسِداً ولا ظَالِماً وإِنّما خرَجْتُ لطَلَب الإصلاح في أُمّة جدي(ص) أريد أن آمر بالمعروف وأَنْهَى عن المنكر”
هذا هو الفكر الحسيني الذي ما زال شعلة يستضاء بها في ظلمات الحياة، وبهذا الحجم نظرنا إليه، وبتلك الكيفية تعاطينا معه، وبهذه الروحيّة عظّمناه وأكبرناه وأجللناه، وهذا هو سر نجاحنا في مسيرتنا الدينية والجهادية بل والإنسانية عبر الزمن.
والنهج الذي سار دون توقف واجتاز كل الظروف الصعبة وتجاوز جميع العقبات وواجه الملايين من أصحاب الضلال الذين استعملوا كل طاقاتهم وصرفوا جميع إمكانياتهم في سبيل محق هذا النهج المبارك ومحوه من الوجود غير أن هذا النهج الرباني كان حكمه (بقدرة الله تعالى) كحكم الكتاب المنير الذي لا يتبدل ولا يزول مهما طال الزمان.
كَيْفَ نَتَعَاطَى مَعْ الفِكْرِ الكَرْبَلائِيّ الحُسَيْنِيّ
فيما سبق أشرنا إلى حقيقة الفكر الحسيني النابع من حاقّ الإسلام، وأنه أشبه البحر الزخّار في أعماقه وسعته ومنافعه وعطاياه الخاصة ومواهبه النادرة، وفيما يلي سوف نذكر لكم بعض الطرق التي تعرِّفنا على كيفية التعاطي مع هذا النهج الشفّاف المتين والرقيق الذي لا ينكسر والليّن الذي لا ينثني والمعطاء الذي لا يبخل على أحد.
وبما أنه بهذا المستوى من الرفعة والسعة والدقة كان لا بدّ من تحديد تلك الطرق التي تتكفّل ببيان كيفية التعاطي معه حذراً من الوقوع في الخطأ تجاهه أو المس بأحد ثوابته عن قصد أو غير قصد.
الطريقة الأولى: وهي أن نعطي هذا النهج العظيم الحجم الذي يستحقه، ولا يتحقق هذا الأمر إلا عن طريق الإعتقاد بأنه نهج الرسل والأنبياء، ونهج الحق عبر الزمن، ونهج كل مستضعف ومظلوم ومحروم، وبمعنى آخر يجب النظر إليه على أنه رسالة سماوية بطريقة مختلفة عما سبقها حيث ترجم الإمام الحسين بفكره ونهجه وثورته تعاليم كتب السماء فكان الكتاب الحسيني هو العمل الكبير الذي قام به قبل الثورة وعندها، ومانتج عنها من خيرات وبركات ومنافع لا تُعد ولا تُحصى.
فالتعاطي مع هذا الفكر والنهج ينبغي أن يكون مميَّزاً لأنه بطبيعته مميَّز عن غيره بسبب أهدافه وكل ظروفه العامّة والخاصّة، وأن يكون التعاطي معه حذراً لأنه أغلى أمانة يحملها الأحرار في حياتهم وأكبر مسؤولية أُلقِيَتْ على عاتقهم، فالحذر في التعاطي معه أمر ملحٌّ ومطلوب دائماً كيلا تُمس عقيدة الحق بأدنى خلل، فإذا مُسّت العقيدة وبقي هذا المس قائماً فقد أحدق بها الخطر الفعلي الذي لا يمكن إجلاؤه إلا بشقّ الأنفس، وإلا فسوف تنعدم العقيدة، وإذا انعدمت فهذا يعني أننا قد وقعنا في خسارة كبرى لا يمكن أن تُعوَّض بشكل من الأشكال.
الطريقة الثانية: وهي أن نُبعد هذا النهج عن الصفقات التجارية والسياسية والحزبية وعن كل ما لا يتناسب مع واقعه ولا يلتئم مع شأنه، فإذا وضعنا هذا النهج في دائرة من هذه الدوائر الضيقة فقد ارتكبنا خطئاً جسيماً في حقه ونزلنا به إلى ما هو منزّه عنه.
وسبب إشارتي لهذه الطريقة هو أنني وكثير من المؤمنين رأينا ممارسات غير لائقة تُرتكب في حق هذا النهج الذي هو أمانة في أعناق أهل الإيمان بالدرجة الأولى لأنهم أهل غيرة وحمية على الدين وأهله، وإذا كان البعض منا لم يلتفتوا إلى الخطر الذي بات محدقاً بعقيدتنا وجب علينا أن ننبه للأمر بكل وسيلة ممكنة، وكل ذي شعور سليم وصاحب غيرة على عقيدته لا يقبل بأي مسٍ في مقدساته على مختلف أنواعها وكثرة أعدادها.
ننظر يميناً وشمالاً فنرى مجموعة من الناس يستخدمون شعارات هذا النهج لمصالح شخصية لا تمت إلى الدين وأهله بأية صلة ولا يعود منها عليهم أية منفعة، بل بالعكس فإن العائد منها هو المضرة البالغة لأن تهميش هذا النهج أو تأطيره بإطار ضيق يدسه في التراب ويدفنه حياً، وهذه أعظم جريمة يمكن أن ترتكب في حق العقيدة.
كلٌ يدعي الوصلة بهذا النهج، ويا ليتهم يسلكون طريقه ويستفيدون من تعاليمه، فلقد امتدت الأيدي الظالمة لتطال جوهر الفكر الحسيني بغية تشويهه والتنكيل به وجعلِه سلعة للتجارة وجمع الثروات واستقطاب الجماهير، وهذا ما ننبه عليه ونحذّر منه كيلا نستفيق يوماً ونحن مجرَّدون من قيمنا ومبادئنا ومعتقداتنا التي هي مصدر استمرارنا في هذه الحياة، بل هي مصدر قوتنا رغم قلة عددنا وكثرة عدونا.
وهذا السلوك المنحرف عن جادة الحق والمنطق الديني والأخلاقي ليس أمراً جديداً علينا لأنه واكب الزمن يوماً بعد يوم، فالمتزلفون في عهد النبي(ص) والأئمة(ع) كانوا كثيرين، لأنهم لمسوا المنفعة الدنيوية من خلال التمظهر بالإسلام حيث استعملوا هذا الدين الحنيف مطية تقلهم إلى رغباتهم وتحقق لهم أطماعهم وأهدافهم الخاصة فجعلوا من تلك الصورة الخارجية التي كانوا عليها ستاراً لعيوبهم الكثيرة والمتنوعة والمتكررة والتي كانت تُرتكب باسم الإسلام كما صنع معاوية وابنه وكثير ممن التفوا حول مجالس أولي الأمر الحقيقيين.
فلقد جُعل من هذا السلوك نهج مقابل نهج الحق وطريق الإستقامة وقد لقي الترحيب والتطييب من ملايين البشر الذين استحبوا النفاق على الإخلاص.
ولذا ينبغي علينا أن نقرأ التاريخ جيداً ونفهم المحطات الأساسية التي وردت فيه فنأخذ منها العبر والدروس ونستفيد من تلك التجارب التي كلّفت الكثير من الثمن المادي والمعنوي والزمني كيلا تجرفنا الأهواء كما جرفت غيرنا.
لقد كان المتزلفون وما زالوا السبب الأبرز في إضعاف الإسلام وتضعيف الأمة لأن خطرهم على الدين وأهله أكبر من خطر غيرهم عليه، ولذا كانت ضربة المتزلف المنافق موجعة ومؤثّرة، ولم تنته تلك الممارسات حتى هذا الزمن، بل يمكن القول بأنها بلغت ذروتها في أيامنا الحاضرة حيث تنوعت فيها وجوه التزلف وأساليب الإتجار بالقيم والمبادئ فلم نعُد نميز بين المؤمن المخلص لعقيدته من مدعي الإيمان كذباً وزوراً، وهنا يكمن سر المخاطر المحدقة بديننا العظيم وعقيدتنا الحقة، فهناك الكثيرون من المتاجرين بالنهج الحسيني والفكر الكربلائي، بعضهم يدعي الإلتزام بهذا النهج بهدف جمع الأموال باسم الحسين، وبعضهم يهدف من خلال ذلك إلى تثبيت وضعه السياسي أو العسكري أو الإجتماعي.
فكما تغطى يزيد بثوب الإسلام فكذلك يوجد في عصرنا آلاف اليزيديين ممن أتقنوا الصنعة وألفوا الخبرة وانتهجوا نهجه الشيطاني حيث لمسوا الإستفادة الشخصية من وراء ذلك.
وليس كلنا يقدر على كشفهم لأن أساليب المخادعة التي يستعملونها محكمة ومتقنة ومدروسة وممزوجة بأرقى أنواع الدهاء الذي يعتبره البعض ذكاءاً وهو في الحقيقة شيطنة.
هناك أشخاص تحسبهم حاملين لواء الحسين ومستميتين في سبيله ويهددون ويرعدون ويتوعدون المخالف وهم أسوأ من كل مخالف وأخطر من شياطين الجن على هذا النهج الإلهي الكريم، تراهم يذكرون الحسين ويتغنون بكلماته ويبكون لمصابه ويقولون يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزاً عظيماً، ووالله لو كانوا معه لكانوا أشد عنفاً عليه ممن قطعوا رأسه وداسوا عظام صدره بحوافر خيولهم.
يعظون الناس على المنابر ويحثونهم على الإستماتة في سبيل الحسين وهم يفعلون عكس ما يقولون، وليس هناك من وصف لهم أبلغ مما قاله الله تعالى في سورة الصف(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ولا أريد أن أزيد الكلام توضيحاً أكثر مما قلت كيلا ينزعج من كلامي كثير من الموصوفين به.
الطريقة الثالثة: وهي ضرورة المحافظة على هذا النهج بكل الوسائل الممكنة والأساليب المتاحة، فلا يكفي في حفظه أن نقول للناس اتبعوا هذا النهج وروّجوا له وحافظوا عليه، بل المراد من ذلك أن نحافظ عليه بشكل عملي، وأهم تلك الأساليب هي أن نعمل بتعاليم الحسين(ع) وتوجيهاته ونصائحه وإرشاداته وأن نسلك نهجه بالقلب والقول والعمل وإن كلّفنا الأمر ما كلّف الحسين وأصحابه، فالحسين(ع) حافظ على نهجه بدمه ودماء أولاده وأصحابه، وكذلك نحن يجب أن نحافظ على نهجه بكل الوسائل بما فيها بذل مهج الأرواح وفلذات الأكباد لأنه مهما كان عطاؤنا كبيراً تجاه هذا النهج فلن يكون أكبر من عطاء الحسين له.
أما أن نصعد المنابر ونتفوه بكلمات قد لا يكون فيها للحسين حظ ولا للإسلام نصيب، أو نحضر المجالس في أيام قلائل أو نتبرع بشيء من المال رئاء الناس فهذا ليس إحياءاً للذكرى ولا يمكن للنهج أن يُحفظ بهذه الطريقة.
فعلى الخطيب أن ينبع كلامه من قلبه وحاق عقيدته لا أن يكون مرائياً ليعجب الحاضرون بكلامه ويهيلوا عليه المدح والثناء وماء النفاق.
يجب على الخطيب أن يترجم كلامه وطروحاته وإرشاداته قبل أن يعتلي المنابر ليكون من الصادقين، لا أن يكون مصداقاً لقول الشاعر:
يأيها الرجل المعلّم غيره هلّا لنفسك كان ذا التعليم
إلى قوله:
لا تنهَ عن خُلُق وتأتيَ مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
لقد كان فيما مضى خطيب جمعة في أحد المساجد، وكان من أهل العلم والعمل والورع، فسأله الحاضرون يوماً أن يخصص لهم خطبة يتناول فيها الحديث عن شراء العبد وعتقه وعظيم الأجر في ذلك، فوعدهم بأن يلبي هذا الطلب، ومرت الجمعات دون أن يشير إلى هذا الموضوع، وفي إحدى أيام الجمعات وبعد انقضاء ما يقرب من سنة على سؤالهم له صعد المنبر وتناول الموضوع الذي طُلب منه، وبعد الفراغ من الخطبة والصلاة سأله الحاضرون عن سبب تأخره في تناول هذا الموضوع فأجابهم بقوله: عندما طلبتم مني ذلك لم أكن أملك مالاً لشراء عبد وعتقه أما الآن فأصبح بإمكاني فعل ذلك وقد فعلته لأنني لا أتحدث بما لا أفعل.
وعلى الحاضر في مجلس الحسين أن يكون قاصداً وجه الله تعالى ةالإستفادة من الدروس الحسينية ليطبقها في حياته عملياً.
وعلى راعي المجالس ومؤسسها والداعي إليها أن يكون هدفه الحفاظ على العقيدة وبلوغ السعادة في يوم القيامة بجوار الحسين وجده وأبيه وأمه وأخيه وبنيه(ع).
فباستعمال هذه الطرق يمكن لنا أن نحفظ هذا النهج مهما طال الزمن ومهما كانت الظروف صعبة والأحوال حرجة، فيجب أن نهيئ أشخاصاً لحمل هذه الرسالة والدفاع عنها وخصوصاً في هذا الزمان الذي كثر فيه الشر ودعاة الخير.
إن تلك الهجمة الهمجية على النهج الحسيني لا يردها سوى العقيدة الثابتة التي تدعو صاحبها وحاملها إلى بذل أغلى ما يملك في سبيلها تماماً كما صنع الإمام الحسين(ع) في العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة على أرض الطف.
الشيخ علي فقيه



