الفكر الكربلائي

الفكر الكربلائي

التفَاوُتُ بَيْنَ قَضِيةٍ وَأُخْرَى

 

التفَاوُتُ بَيْنَ قَضِيةٍ وَأُخْرَى

 

لا يمكن الشك بوجود تفاوت وتمايز بين القضايا العامة فيما بينها والقضايا الخاصة فيما بينها أيضاً، فهناك قضية عامة تهم مجموعة من الناس، وقضية عامة أخرى تهم أمة كبيرة وشعباً كثيراً، وقضية عامة لا يتعاطى الناس معها بشكل جدي.

وكذا الحال في القضايا الخاصة أيضاً إلا أن البحث هنا منصب على العامة منها لأنها موضوع بحثنا الأساسي.

ووجود هذا التفاوت جزء من طبيعة البشر، فلو نظرنا إلى التاريخ القديم والتاريخ الحديث وإلى الحاضر أيضاً لأدركنا وجود هذه الحقيقة.

ويعود السبب في هذا التفاوت إلى مجموعة من الأمور التي تشكّل مجتمعةً هذا التمايز بين قضية وأخرى.

الأمر الأول: جوهر القضية:

فإن من أهم العوامل المميزة للقضية والمسببة لإنجاحها هو أن تكون من القضايا العامة والهامة بحيث تصبح الشغل الشاغل للكثيرين، وهذا ما يحتاج إلى جهد كبير من قِبل حامل هذه القضية، فإن بإمكانه أن يرفعها إلى أعلى المستويات أو أن ينزل بها إلى الأسفل، فعندما يُبرز حاملها فحواها ويبين للناس نتائجها الإيجابية ويزرع في نفوسهم أسباباً لعشقها والإيمان بها والتضحية في سبيلها فإنه عند ذلك يكون قد هيّأ المقدمة الأولى من أسباب إنجاحها.

فإذا كان الجوهر عظيماً كانت القضية مميزة في نظر الجمهور، ويتوقف حصول ذلك على قدرة صاحب القضية في عملية إبراز جوهرها.

الأمر الثاني: حجم المنفعة منها:

هناك نوع من القضايا تأخذ شكلاً رائعاً بين الناس وتظهر على أنها من القضايا المصيرية التي تتوقف عليها مصالح أمم كبرى وشعوب كثيرة، وهذا الظهور له سببان:

الأول: تصويرها على هذا الشكل من قبل حامل لوائها الذي إن أراد أوهم الناس بأنه أعظم قضية في الوجود وإن كان واقعها غير ذلك، وهذا متوقف على حجم الدعايات لها.

الثاني: عدم فهم الناس لجوهرها مما يوهمهم بأنها في مستوى راقٍ جداً، وكثيراً ما يقع الناس في مثل هذه الأفخاخ الدعائية، وما أكثرها انتشاراً في أيامنا الحاضرة.

فإذا كانت المنفعة منها كبيرة حقيقةً كانت تلك القضية من القضايا العامة والمميَّزة في التاريخ، وهي بالتالي تستحق من أهلها كل بذل مهما كان حجمه كبيراً حيث لا خسارة مع مثل هذه القضايا مهما تنوّع البذل لها أو كثر في سبيلها.

 الأمر الثالث: شخصية حامل لوائها:

تلعب شخصية صاحب القضية وأوضاعه الأخلاقية والدينية والإنسانية دوراً هاماً في إنجاحها وفرضِ الإيمان بها والبذل في سبيلها، حيث أن الناس أول ما ينظرون إليه في القضية هو صاحبها وليس نفس القضية، فإذا كانت سمعته مشينة وتاريخه سيئاً رفضوا قضيته من الأساس وإن كانت بحد ذاتها عظيمة، وهذا سلوك ينبع من طبيعة البشر، وهو أمر عادي جداً لأن من حق الناس أن يحكموا على القضية من خلال الحكم على صاحبها.

الأمر الرابع: الدقة في التخطيط لها:

لا يمكن أن تكون القضية بالمستوى المطلوب إلا إذا وُضع لها خطة محكمة دقيقة تمنع عنها البأس من قبل المحاربين لها، وتصونها من الهجمات الهمجية التي لا بد أن تعترضها كالعادة، حيث تعلّمنا من التاريخ أن نعد العدة أمام أية قضية عادلة نعمل بها لنرد كيد الكائدين من أصحاب المطامع الشخصية.

فدراسة وضع القضية والتأسيس الدقيق لها أمر مطلوب بإلحاح لأنه يشكّل أحد العوامل المساعدة على إنجاحها واستمرارها عبر إيمان الناس بها وبذلهم الكثير في سبيلها.

الأمر الخامس: متى وأين وكيف يبدأ العمل لها:

تارة يؤسس الإنسان لقضية يكون الدافع له إنشاء أمر نافع للأمة، وتارة أخرى يفرض عليه الواقع ذلك، وتكون الحاجة إليها ملحة عندما يكون هناك طرف آخر منازع يعمل على ظلم الناس أو حرمانهم من حقوقهم أو إلقاؤهم في التهلكة أو أنه يريد المس بعقائدهم وكراماتهم وما شاكل ذلك.

وبناءاً على ذلك يجب العمل للقضية من لحظة الشعور بالخطر على الأمة والدين وغيرهما من قيم الإنسان ومبادئه.

الأمر السادس: توفير المقدمات اللازمة:

لا يمكن لأي عمل يسعى فاعله إلى إنجاحه أن ينجح ما لم يهيئ له المقدمات اللازمة التي تُعتبر أدوات تأسيسه وتماشيه مع الواقع، فإذا قصّر الفاعل بالمقدمات فإنه لن يُكتب له النجاح مهما كان قوياً وذكياً وحذقاً.

وهذه المقدمات قد تكون أفكاراً أو خططاً أو رجالاً أو سلاحاً أو مالاً أو غير ذلك مما يقتضيه الحال، وإن كل ما يقتضيح الحال يجب أن يوفّر.

الأمر السابع: الحفاظ على استمرارها بعد إنجاحها:

لعل النظر إلى خلفيات القضية وآثارها أهم بمراتب من النظر إلى حاضرها، فما لم يُكتب لها الإستمرار فلا تكون أهلاً لأن يُعمل بها من الأساس، فكما يخطط لتأسيسها وبوفر لها المقدمات اللازمة فيجب عليه أن يضع في مقدماته ما تستمر به وإلا فلا قيمة لقضيته وإن كان ناجحة ومثمرة.

الأمر الثامن: كيفية إقناع الناس بأهميتها:

مهما كان فحوى القضية عظيماً ومفيداً فما لم يستطع صاحبها أن يُقنع الناس بها فإنها لن تحمل له أية منفعة بل سوف تتجرد من جميع معانيها.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى