
أَمْثَالُ القُرْآنِ الكَرِيْم
القرآن الكريم كتاب جامع لفوائد جمة وتعاليم كثيرة، وشامل لأحداث وأرقام وتفاصيل وإشارات حول ما مضى وحول ما سوف يأتي في المستقبل حيث قال النبي(ص) في وصف القرآن: فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحُكْم ما بينكم:
فهو كتاب يحتوي على الكثير الكثير رغم كونه كتاباً موجزاً، وهنا يكمن السر في عظمته حيث كشف لنا كثيراً من الأمور في كلام قليل بذلك الأسلوب الرائع الذي امتاز به عن غيره من الكتب السماوية السابقة التي اشتمل القرآن على مضامينها أيضاً.
لقد استعمل القرآن الكريم أساليب كثيرة في التخاطب مع الناس وتفهيمهم بالأشكال والطرق التي تتناسب مع مستوياتهم الفكرية والتي تنسجم مع أوضاعم العامة والخاصة، لقد استعمل القرآن معنا طريقة الحث على طلب العلم والحث على العمل والسعي واستعمل أسلوب الموعظة عن طريق الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى لعلمه تعالى بكونهما نافعين بمستوى واحد لأن كثيراً من الناس لا يتأثرون بأسلوب الترغيب ولأجل ذلك استعمل معهم الطريقة الثانية في الدعوة إليه والحث على الطاعة والعمل من أجل كسب الآخرة.
ومن جملة الطرق العظيمة المستعملة في الكتاب العزيز مسألة ضرب الأمثال، والأغلبية الساحقة من الناس يحبون التعلّم عن طريق ضرب المثل الذي له الدور الأكبر في إيضاح أكثر المسائل المعقدة والأمور الصعبة، فأنت أيها المعلّم والمدرّس إذا أردت أن تشرح لطلابك مسألة علمية معينة سواء كانت صعبة أو سهلة فإنه لا يمكن لك أن توصل الفكرة إلى أذهانهم إلا عن طريق ضرب الأمثال لأنها الوسيلة الأسرع في إيصال المطلوب.
وهكذا تعاطى القرآن الكريم معنا في بيان أكثر الأمور التي ضرب لها الأمثال، واستعمال الأمثال في المدح أو الذم فيه من اللياقة ما ليس في غيره، فبدل أن يقول لك إن هؤلاء حمير أو كلاب فيصدر هذا التعبير بشيء من الغلظة التي لا يقبلها أكثر الناس فقال لك ذلك عن طريق ضرب المثل كما في قوله(مثله كمثل الكلب) وقوله(مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً) ونلاحظ بأن ضرب الأمثال يوصل الفكرة إلى الناس بشكل ليس فيه تجريح واضح أو تشنج في البيان، ولأجل ذلك استعمل العرب طريقة الأمثال في بيان كثير من مرادهم حتى الشعراء اتبعوا هذه الطريقة في إفهام بعض ما يراد.
وأمثال القرآن الكريم تختلف عن أمثالنا، فإن أمثال القرآن تحمل معها التعاليم والإرشادات والبيانات الإلهية والأمر والنهي، ونحن نثق بأن الله تعالى عندما مثّل للكافر أو المنافق بلهث الكلب فلم يكن الأمر ناظراً إلى التجريح بقدر ما هو ناظر إلى ضرورة الإلتزام بالحكم الإلهي والإقلاع عن المحرمات التي من شأنها أن تنزل بالإنسان إلى أحط وأدنى المستويات.
كل أمثلة القرآن عظيمة ونافعة للجميع لأنها صدرت عن رب العالمين خالق السموات والأرضين والعالم بما كان وما سوف يكون واللطيف الخبير، أما الأمثلة التي نضربها نحن البشر فمنها النافع ومنها الضار ومنها الفاقد للمنفعة وذلك إذا طلبنا بها المزاح والهزل، وقد تجاوز عدد الأمثال التي استعملها العرب الملايين، أما أمثال القرآن الكريم فلم تتجاوز الخمسين مثلاً، وكل مثل منها يعد بمنفعته بآلاف الأمثلة الحكيمة التي تصدر عن البشر وربما لا يمكن أن نضع هذه المعادلة لأن كلام الله تعالى لا يقاس بكلام غيره فكل ما يصدر عنه يتصف بالعظمة لأنه تعالى أعظم العظماء.
لقد استعمل الله الأمثلة ليعتبر بها أولوا الأباب ولم يستعملها من أجل الترويح عن النفس أو التسلية، قال سبحانه(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)
الشيخ علي فقيه



