
وعظٌ وإِرْشَادٌ
ثم قالت(ع) :(أنتم عِبادَ الله نصب أمرِه ونهيِه ، وحَمَلَة دينهِ وَوَحْيهِ ، واُمناء الله على أنفسكم ، وبُلَغاؤه إلى الاُمم ، زعيمُ حق له فيكم ، وعهدٌ قدّمه إليكم ، وبقيّةٌ استخلفها عليكم ، كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بيّنةٌ بصائره ، منكشفةٌ سرائره ، منجلية ظواهره ، مغتَبِطَةٌ به أشياعُه ، قائدٌ إلى الرضوان اتّباعه ، مؤدّ إلى النّجاة استماعُه ، بِه تُنال حججُ اللهِ المُنَوَّرَة ، وعزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، ومحارِمُه المحذّرة ، وبيّناتُه الجالية ، وبراهينُه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورُخَصُه الموهوبة ، وشرائعهُ المكتوبة)
وتعتبر هذه الفقرات العظيمة دليلاً واضحاً على المقدمة المذكورة حيث أنها قمة في البيان والفصاحة والبلاغة خصوصاً وأنها أطلقت هذا الكلام من دون سابق تحضير، لأن المعصوم يتكلم بلسان الحق المسدد من قبل الله سبحانه وتعالى.
لقد وجّهت كلامها إلى الحاضرين تعظهم وتذكرهم بمكانهم، وفي نفس الوقت تبين لهم حدودهم التي لا يجوز لهم تخطيها، فهم عبادٌ لله شاؤوا أم أبوا، وعليهم واجبات تجاه الخالق القدير يجب أن يؤدوها على أتم وجه وأكمل صورة وأحسن أسلوب، فأنتم أيها المسلمون نصب أمر الله ونهيه، أي أنكم مكلفون من قبل الله تعالى بفعل كل الواجبات وترك كل المحرمات، وبمعنى آخر، أنتم مسؤولون أمام الله عز وجل عن كل حركة وسكنة تصدر منكم، فهو يراكم وهو معكم أينما كنتم وهو أقرب إليكم من حبل الوريد، (أنتم عِبادَ الله نصب أمرِه ونهيِه ، وحَمَلَة دينهِ وَوَحْيهِ)
لقد وطّن المسلمون أنفسهم في البداية على حمل الدين في صدورهم وتطبيق أحكام الشريعة بحذافيرها، وكذا حمل الوحي الإلهي بشكل عام، وهو يشمل بالدرجة الأولى القرآن الكريم، والزهراء(ع) تقول لهم هذا الكلام من باب التذكير وإلقاء الحجة حتى لا يقولوا يوم القيامة لم نعرف ولم يقل لنا أحد شيئاً، وهذا الدين الذي حملوه هو أمانة في أعناقهم، ولكنهم كما قلنا في السابق خانوا الأمانة ولم يحفظوا الرسالة ولم يلتزموا بوصايا رسول الله لهم خصوصاً تلك التي تتعلق بأهل بيته(ع).
(أنتم عِبادَ الله نصب أمرِه ونهيِه ، وحَمَلَة دينهِ وَوَحْيهِ ، واُمناء الله على أنفسكم ، وبُلَغاؤه إلى الاُمم) ثم إنهم لم يحفظوا أمانتهم لأنفسهم أيضاً، وهذا مبالغة في بيان الحالة المتردية التي كانوا عليها، وقد كانوا بلغاء إلى الأمم، أي أنهم كانوا يبينون الأحكام والسنن للآخرين لأنهم تشرفوا بصحبة رسول الله(ص) فهم أعرف من باقي الأمم بأحكام الدين التي أخذوها عن رسول الله(ص)، ولكنهم لم يطبقوا أحكام الله على أنفسهم ولا على الآخرين بعد وفاة الرسول.
(زعيمُ حق له فيكم ، وعهدٌ قدّمه إليكم ، وبقيّةٌ استخلفها عليكم)
تريد أن تقول لهم لا داعي للإنكار والإستهتار والإعتداء والكذب، فصحيح أنه قد مات رسول الله، ولكن الدين ما زال حياً لأنه استخلف فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعده أبداً، ولقد قدمتم له العهود والمواثيق على أن تلتزموا بوصاياه وتعاليمه وإرشاداته ولكنكم ما أسرع أن تناسيتم تلك الوعود وخنتم تلك العهود، فلقد استخلف الرسول عليكم بقية عظيمة هي تمثل رسول الله بعد موته لأنها حملت علمه وحلمه وأدبه وأخلاقه وجميع التعاليم السماوية التي جاء بها من عند ربه سبحانه.
الشيخ علي فقيه


