أمثال القرآن

أَمثَالُ القُرْآنِ الكَريْم

مَثَلُ النفقة في سبيل الله

 

مَثَلُ النفقة في سبيل الله

 

قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه المجيد في أواخر سورة البقرة(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

وفي هذه الآية إشارة إلى حجم كرم الله ورحمته الواسعة التي لا تحدها حدود، حيث اقتضى كرمه أن يضاعف الحسنات لفاعلها فقد أشار سبحانه إلى هذه المضاعفة المميزة في سورة الأنعام حيث قال(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) فمن لطفه بنا أنه ضاعف الحسنات ولم يضاعف السيئات لكي نشكر ونرجع إلى الصواب، فالقاعدة العامة هي أن الحسنة تقابَل من جهة الله بعشرٍ أمثالها بينما في سورة البقرة أشار سبحانه إلى مئات الأضعاف حيث شبّه النفقة في سبيله بسنبلة تفرع عنها سبع سنابل وقد حملت كل سنبلة مئة حبة، معنى ذلك أن النفقة تعود على صاحبها بسبعمئة مثلها أو أكثر من ذلك مما لا نستطيع حصره لقوله تعالى(والله يضاعف لمن يشاء) ويمكن أن ننظر إلى الآية من وجهين وكلاهما عظيم، فإما أن يكون المقصود بالمضاعفة السبعمئة المشار إليها فيكون المعنى بأنه تعالى يعطي هذا الرقم من المضاعفة لمن يشاء من عباده، وإما أن يكون المقصود بهذه المضاعفة رقماً أكبر من السبعمئة وهذه الزيادة الزائدة على السبعمئة لبعض الناس الذين يمن الله عليهم بالأضعاف المضاعفة، ولكن ثقتنا بالله عز وجل هي أنه تعالى يضاعف فوق الرقم المذكور بسبب لطفه وكرمه بشرط أن تكون النفقة له وحده.

ويمكن إرجاء الضمير بقوله لمن يشاء إلى العباد أنفسهم بمعنى أنه تعالى يضاعف لمن شاء من عباده أن يضاعف له ربه فيكون ربه عند حسن ظنه فيعطيه ما أمل منه وينيله مراده لأنه كان صادقاً مع ربه ومخلصاً في التوجه القلبي عندما صنع المعروف مع الآخرين.

وتوضح لنا الآيات الواردة في ذيل الآية المذكورة الشروط المطلوبة في النفقة لكي تكون النفقة نافعة بهذا الشكل المميز حيث قال تعالى(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) فالمن بعد العطاء له آثار سلبية على صاحبه في الدنيا وفي الآخرة أما في الدنيا فإنه يصبح منبوذاً عند الناس وفي نفس الوقت فإن المن يجره إلى العجب والإستكثار أي إستكثار العمل وهو في الواقع قليل وقوله تعالى(ولا تمنن تستكثر) له وجهان: الأول: قال ابن عباس لا تعطِ العطية تلتمس أكثر منها، وأما الثاني: وهو أن تعطي شيئاً وتراه كثيراً فهذا منٌّ يبطل آثار الصدقة والنفقة، وتارة ينفق الإنسان شيئاً ويُتبِع نفقته بالأذى، ووجوه الأذى كثيرة سواء كانت بالكرام أو الخركات أو النظرات أو بأي أمر فيه أذى للمعطى له، فإذا حصل هذا الشيء ذهب الأثر الأخروي للصدقة وهو الأجر والثواب فالذي يتبع صدقته بالأذى كأنه لم يتصدق من الأساس، فأما الذين أنفقوا ولم يمننوا ولم يؤذوا كان لهم أجرهم عند ربهم لقله تعالى(لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) وأما الذين يؤذون بعد النفقة فهؤلاء مصيرهم كما قال الله تعالى(قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) وهنا إيضاح عن أسباب البطلان غير الذي ذكرناه فإن الأذى يبطل الصدقة، والرياء أيضاً يبطلها ويبطل جميع أنواع العبادات لأنه ينفي النية والتوجه إلى الله فيجعل صاحبه متوجهاً إلى الناس أو إلى الشيطان مما يحرمه من ثواب العمل في يوم الحساب حيث ورد أن المرائي يأتي يوم القيامة ويطالب بأجر عمله فيقال له إذهب وخذ أجرك ممن عملت له، فهو لم يعمل لله حتى يعطيه الله أجراً وثواباً وإنما حمل من أجل أن يحمده الناس ويقولوا عنه كلاماً طيباً فلان كريم أو فلان من أهل الإحسان فهو يشعر بالرفعة والعزة ويستأنس بهذا الكلام الذي يجر في الغالب إلى العجب المذموم الذي يستقبحه الله تعالى.

وقد عُبر عن الرياء في بعض الأحاديث بالشرك الخفي، فكما أن الشرك مانع من اكتساب الثواب على العمل فكذلك الرياء فإن له في يوم الحساب نفس أثر الشرك.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى