
يرتبط الحديث عن الموت وما بعده بمفهوم التقوى، وهو من أوسع المفاهيم القرآنية على الإطلاق حيث أشار إليها في أغلب سوره مبيناً حقيقتها وآثارها وداعياً إلى الإلتزام بها لأنها الضمانة للإنسان في الدنيا والآخرة، وفي نفس الوقت أشار إلى منافعها الدنيوية كما أشار إلى آثارها الطيبة في يوم القيامة.
ولهذا نجد أمير المؤمنين(ع) قد قرن في العديد من كلماته في نهج البلاغة بين التقوى والموت لأن التقوى هي وقاية للإنسان من كل فزع وأمان له من كل خطر وخصوصاً حين الموت وفي القبر والرزخ ويوم الحساب، فيُنقل المتقي من مرحلة إلى أخرى حتى يدخل الجنة التي وعد الله المتقين.
فالإمام علي(ع) لم يدع جانباً من الوعظ والإرشاد إلا وتحدث عنه بجميع تفاصيله، وهو يسعى بذلك إلى وضع المواد اللازمة والكافية لنا في مواجهة شرور الهوى وأخطار الشيطان وانحراف النفس الأمارة بالسوء، ويختار لنا أنفع المواعظ وأكثرها تأثيراً على النفوس التي باتت رهينة للشهوات بسبب استسلامنا لها وضعف إرادتنا أمامها، فهي تتحيل الفرص للإنقضاض علينا بل للقضاء علينا لأنها قوة شريرة لا ترحم من يصغي لها ومن يُعجب بها، لقد ورد في نهج البلاغة موعظة كريمة في غاية من الأهمية ينصحنا الإمام فيها بأن نكون من المتقين وأن تدفعنا هذه التقوى إلى الإستعداد للموت ولقاء الله ونحن مطيعون له، فيقول(ع): فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا; فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ. وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ، وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَوالشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنيَا, مِنَ الدُّنْيَا, مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً:
هذه الكلمات عبارة عن مقطع من إحدى خطب الإمام(ع) وهي موعظة ينبغي على كل إنسان عاقل أن يستمع لها ويعمل بها فهي ذخيرة خيّرة ليوم الفاقة، ولكن لكي تكون ذخيرة وجب العمل بما فيها حيث لا يكفي أن نسمع دون أن نطبق، وأول ما افتُتحت به هذه الخطبة هو الدعوة إلى تقوى الله تعالى التي تحمل الكثير من المنافع الكبرى على مستوى الدنيا والآخرة، ولقد أشار القرآن إلى تلك المنافع بشكل تفصيلي في عشرات الآيات، فمن آثارها الحفظ من كيد الأعداء لقوله تعالى(بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) ومنها التأييد الإلهي لقوله(إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) ومنها ما أشير إليه بقوله(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) ومنها(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
فعندما يدعونا القرآن أو الرسول أو أحد المعصومين(ع) إلى ذكر الموت أو الإستعداد له فلا شك بأنهم يقصدون بذلك زرع الموعظة في قلوبنا وتحريكنا نحو ما فيه المنفعة لنا في الدنيا والآخرة، وليس الأمر كما يتوهم بعض الناس من أن هذه المواعظ تزرع اليأس والكآبة في قلوب الآخرين، فلو دققوا في الأمر قليلاً لوجدوا بأن الإستعداد للموت يزيل الكآبة ويذهب باليأس لأن الموت في الغالب راحة للإنسان من التعب والهم والحزن والعناء وأعباء العيش ومخالطة الفجار من الناس، فما يُقصد بتلك المواعظ هو تذكيرنا بالآخرة التي يجب العمل لها، وهذا التذكير من أجلنا من أجل أن نصحح سلوكنا المنحرف ونعالج تقصيرنا المخل بعاقبتنا في يوم الحساب، فبعد أن دعانا الإمام إلى تقوى الله عز وجل طلب منا أن نبادر آجالنا بأعمالنا الصالحة، والأجل آت لا محالة فلم يُكتب الخلد لأحد من الناس في هذه الحياة، والأجل على الباب لا ندري متى يدخلنا علينا من دون سابق إنذار فلا نرى إلا ونحن من أهل القبور لا عمل ولا مؤنس ولا شفيع ولا صديق حميم ينفعنا في تلك الحفرة المظلمة والموحشة سوى الإيمان الصادق والعمل الصالح الذي هو نور للإنسان في جميع المراحل التي يمر بها بعد الموت، ومن أساليب مبادرة الآجال هو شراء ما يبقى بما يفنى وهو أربح لنا، نحن نستطيع بفضل الله علينا أن نشتري الآخرة بالأولى، فالدنيا زائلة والآخرة باقية، والرابح منا هو من يتدارك الأمر ويشتري الكثير الباقي بالقليل الفاني، وهو معنى قوله(ع) وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم: ثم يؤكد علينا مسألة الإستعداد للموت من خلال التذخّر بالزاد الكافي والوافي وخير الزاد التقوى ولهذا قال(ع) وترحّلوا فقد جُدّ بكم: يعني أصبح الأمر على همة فما هي إلا لحظات أو أيام أو شهور أو سنوات قليلة ويبدأ السفر الطويل الذي يجب أن نهيئ له الزاد.



