مؤلفات

قِصَّةُ البَقَرَةِ الصَّفْرَاء

قِصَّةُ البَقَرَةِ الصَّفْرَاء

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
إذا ذُكر اليهود في مكانٍ ذُكر معهم الشرُّ المطلق والكذب والإجرام والمراوغة والمماطلة وكلُّ صفة رذيلة، هذا ما عهدناه عنهم عبر تاريخهم الأسود.
ويكفينا بياناً لنفوسهم المريضة ما قيل في حقهم عبر القرآن الكريم الذي بالغ في ذمّهم نتيجة لسلوكهم المنحرف(أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ)
فرغم المعجزات التي رأوها بأم أعينهم، ورغم العقوبات التي أنزلها الله عليهم، بل رغم الكرامات التي كرّمهم بها وفضّلهم عن باقي الناس، لم يتغيروا ولن يتغيروا، وهي نعمةٌ سوف يسألهم الله عنها في يوم الحساب(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)
ولعل نبي الله موسى(ع) هو أكثر الأنبياء معاشرةً لهم حيث نشأ بينهم ومات عندهم بعد أن رأى منهم ما يكسر القلب ويحط من العزائم.
ما رأيك بقومٍ شقّ الله لهم البحر نصفين، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، واقتلع لهم الجبل العظيم، وأحياهم بعد موتهم، وأنقذهم من شر فرعون وجنوده الذين لم يكن الخلاص منهم بالأمر السهل، وبقيَتْ نفوسهم مريضة وعقيدتهم متزلزلة.
وإليكم هذه القصة التي تكشف لنا عن نواياهم تجاه أنبيائهم، وعن كيفية مراوغتهم مع أصحاب الرسالات السماوية.
فذات يومٍ قُتل أحد رجال بني إسرائيل الأغنياء، وكادت تحصل مجزرة بينهم بسبب قتله في ظروف غامضة وعدم وجود ما يدل على المفتعل، فراحوا يلقون بالإتهامات على بعضهم يميناً وشمالاً، حيث كان المهم عندهم إلصاق التهمة بأحدهم حتى يثأروا للقتيل ويصنعوا فتنة فيما بينهم، وأصبح حالهم كفوّهة بركان سوف تنفجر بين لحظة ولحظة إذا لم يظهر مُفتعل هذه الجريمة.
لجؤوا إلى كليم الله موسى كالعادة حتى يُنقذهم من هذا المأزق الخطير، فكانوا لا يتواصلون معه إلا لطلب الحاجة الذاتية، فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
ظنوا(بسبب سوء ظنهم) أنّ موسى يستهزئ بهم أو يسخر منهم، ما علاقة ذبح البقرة بمعرفة الجاني؟ ورغم المعجزات التي أجراها لهم بقي ظنهم فيه سيئاً، فاستعاذ بالله تعالى أن يكون من الجاهلين، وقد نصحهم بذبحها دون تردد لأنه كان يعلم عواقب الأمر إن هم امتنعوا عن ذبحها أو ماطلوا في بيان أوصافها.
تركوه ورجعوا إلى القبيلة ليتشاوروا فيما بينهم وهم يتساءلون عن السر وراء ذبح البقرة، أليس رب موسى قادراً على إحيائه دون أن نذبح بقرة، ولعلهم امتنعوا عن شراء بقرة بسبب بخلهم.
ولأنهم قومٌ مراوغون راحوا يطرحون الأسئلة على نبيّهم لشكهم في كلامه، ولو أنهم امتثلوا لأمر الله تعالى لأجزأهم أية بقرة يذبحونها، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم.
جاؤوا إلى موسى مرة أخرى وسألوه عن ماهية تلك البقرة خوفاً من أن يذبحوا بقرة ولا تكون هي المطلوبة، أو مراوغةً منهم علهم يقنعون موسى بإحياء الميت دون أن يتكلّفوا شيئاً.
(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ)
واللافت في الأمر هو أنّ بني إسرائيل كانوا يستعملون دائماً كلمة(ربك) وكأن ربهم غير رب موسى، وهذا نوعٌ من إساءة الأدب.
فأخبرهم ببعض المواصفات وطلب منهم أن ينفّذوا الأمر دون مراوغة، يجب أن تكون متوسطة العمر فلا كبيرة مسنة ولا صغيرة، بل بين العمرين.
رجعوا مرة أخرى للتشاور فيما طُلب منهم، ولم يقفوا عند هذا الحد من الثرثرة التي لا تجدي نفعاً، فلم يكتفوا بما قاله موسى في المرة الثانية فذهبوا إليه مرة ثالثة وسألوه في هذه المرة عن لونها، وبجوابه لهم كانت الكارثة عليهم(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)
وهنا اشتد الضيق عليهم أكثر حيث لا يوجد في محيطهم كله بقرة صفراء، ويا ليتهم وقفوا عند اللون لكان الأمر أهون عليهم، بل زادوا في لجاجهم وطلبوا من موسى أن يوضح لهم أكثر(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) وقد عاهدوه أن لا يطرحوا عليه مزيداً من الأسئلة(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ)
يجب أن تكون البقرة مسلّمة من أي عيب، ولا شية فيها، أي لا يوجد فيها غير اللون الأصفر ولو بمقدار قليل، وأن لا تكون من النوع المذلّل لحرث الأرض وسقيها.
ولكن يا تُرى.. أين يجدون مثل هذه البقرة الصفراء التي لا لون آخر فيها، وهنا رمى الكرة في ملعبهم، فإن لم تأتوا بهذه البقرة فلن يحيا ميتكم.
راحوا يبحثون عن تلك البقرة في أماكن كثيرة من الأرض حتى عثروا على واحدة تحمل تلك المواصفات، ولعله لم يكن يوجد على وجه الأرض مثلها، وكانت لولدٍ يتيم ورثها عن أبيه وكان من الصعب عليه أن يستغني عنها فأغروه بالذهب حتى طلب مثل وزنها ذهباً خالصاً فوافقوا على طلبه وأعطوه الكثير من الذهب وأتوا بها وذبحوها ولم يكونوا يريدون ذبحها لشكهم بكلام نبيّهم.
وبعد تلك المراوغات والعناء والكلفة الباهظة ذُبحت تلك البقرة(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وأُلقي بشيء من لحمها على القتيل فولجته الروح بإذن الله تعالى وأخبرهم عن قاتله الذي كان وريثه، ولولا خوفهم من التضييق أكثر لسألوا نبيّهم عن القطعة التي ألقوها على القتيل، وبعد أن رأوا بأم أعينهم كيف يحيي الله الموتى ازدادوا كفراً بدل أن يوقنوا بالله عز وجل(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى