أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

نَبِي اللهِ دَاوُوْدُ(ع)

 

 

نَبِي اللهِ دَاوُوْدُ(ع)

 

قال سبحانه وتعالى(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ  أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

وقال تعالى(وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ)

داوود(ع) هو نبي من أنبياء الله تعالى، وهو والد النبي سليمان، وقد بعثه ربه إلى بني إسرائيل ليبلغهم رسالاته ويذكرهم بما جاء به الأنبياء قبله وبالخصوص ما جاء به موسى(ع).

وعبر قرون عديدة لم يتغير بنوا إسرائيل حيث كان الولد منهم يرث عن أبيه تلك النفسية الخبيثة والطريقة الشنعاء التي يتعاملون بها مع أنبياء الله ورسله، فلقد كان بنوا إسرائيل من أكثر الشعوب تمرداً وعناداً رغم مشاهدتهم للآيات ورغم أنواع العذاب الذي نزل عليهم، منها من السماء، ومنها من الأرض، ومنها من الغيب، ولقد سلط الله عليهم شرار خلقه كفرعون الذي طال ظلمه بهم وجالوت الذي تمادى في ظلمهم وقتلهم كما صنع معهم فرعون من قبل.

لقد سُلط عليهم جالوت في بداية عهد داوود(ع) حتى ضجوا من ظلمه فأتوا نبي الله داوود يشكون إليه ذلك فأوحى الله تعالى إلى نبيه بأنه قد جعل عليهم ملكاً إسمه طالوت، وقد سدده الله بالقوة والحكمة، وفيه قال تعالى(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

في هذه الآية يوجه الله الخطاب للنبي الأكرم(ص) ولكل إنسان ويبين لهم ماذا صنع بنوا إسرائيل بعد وفاة كليمه موسى حيث أتوا نبيهم وطلبوا منه أن يعين لهم قائداً يأتمرون بأوامره ويقاتلون معه في سبيل الله حسب ادعائهم، فقال لهم نبيهم: وهل تريدون القتال فعلاً أم أنكم سوف تتقاعصون وتتراجعون: فأكدوا له أنهم يريدون القتال حتى آخر رمق لهم في الحياة، وكيف لا نقاتل وقد أخرجنا جالوت وجنوده من ديارنا وسبوا نساءنا؟ فاستجاب لهم نبيهم وعيّن لهم قائداً(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ) بعد أن أجابهم لطلبهم تراجعوا عن قرارهم ولم يثبت منهم سوى قلة قليلة حيث تولوا عن النبي وعن قرارهم في وقت واحد.

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) لقد اختار الله تعالى رجلاً قوياً وحكيماً لقيادة الجيش فاعترض بنوا إسرائيل كعادتهم واستنكروا تنصيبه قائداً عليهم لأنه فقير (قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) يعني بقي معيار الرفعة لديهم هو المال وغضوا النظر عن الإمكانيات الربانية التي يمتع بها بعض الناس، إن تلك النفسية المترفعة بالتكبر على الآخرين هي التي كانت السبب الأبرز في هلاك آبائهم وأجدادهم، فرد عليهم نبيهم بأن الله تعالى هو الذي اختاره من بين الناس لأنه الأنفع لكم وهو الوحيد الذي يقدر على قتل جالوت ويرد ظلمه عنكم، وإن طالوت وإن لم يكن غنياً بالمال فهو غني بالعلم والقوة لأن القضاء على جبروت جالوت يحتاج إلى قوة متينة ومميزة.

وقد وضعوا العثرات في الطريق على عادتهم فلم يصدقوا نبيهم بموضوع اصطفاء طالوت فطلبوا منه المعجزة التي تدل على كونه مصطفى من الله عز وجل، فاستجاب النبي لهذا الطلب من باب إتمام الحجة عليهم(وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) إن المعجزة الدالة على اصطفاء طالوت هو صندوق مرسَل من قبل الله عز وجل فيه التوراة ، وقوله: فيه بقية مما ترك آل موسى: المراد منه عصا موسى وفتات الألواح، وهذا الصندوق تحمله الملائكة، وهم ينظرون إلى كل ذلك، وهذا يعني أنه يأمرهم باتباع طالوت.

 

تَعْيِيْنُ طَالُوْتَ قَائِداً

 

شكى بنوا إسرائيل ظلم جالوت إلى نبيهم وطلبوا منه أن يعيّن لهم قائداً قوياً يستطيع أن يقف في وجه جالوت ويقضي عليه، فاصطفى الله لهم طالوت قائداً فاستنكروا الأمر بحجة أن طالوت فقير، فرد عليهم نبيهم بأنه غني في العلم والحكمة والقوة في الجسم، فطلبوا إعجازاً يدل على اصطفاء طالوت فبعث الله لهم صندوقاً تحمله الملائكة فيه عصا موسى وفتات الألواح فأيقنوا باصطفاء طالوت.

وقبل أن يسير طالوت أتاه نبي الله داوود(ع) فألبسه درعاً وسار طالوت بذلك الجيش المتزعزع الذي تتجاذبه الأهواء والأوهام، فقد خرجوا معه وهم في قرارة أنفسهم لا يريدون القتال لأنهم استحبوا الحياة الذليلة على إبداء الجرأة والعيش الكريم والعزيز، ولم ننس قولهم لموسى من قبل: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) وهذه الآية الكريمة على قلة ألفاظها تشير إلى معان كثيرة:

أولاً: أشارت إلى انطلاق طالوت بالجيش، وكان طالوت موطِّناً نفسه على المتاعب والأخطار التي سوف يواجهها في حربه لجالوت وجنوده.

ثانياً: لقد أخبرهم طالوت بأنهم سوف يمرون في امتحان من الله تعالى يريد أن يختبر به إيمانهم ومدى صبرهم على التحمل لأن المقاتل لكي يكون ناجحاً لا بد أن يتحلى بعامل الصبر وإلا فسوف يكون من المهزومين، لقد أخبرهم طالوت بأن الله تعالى سوف يمتحنهم بنهر فمن شرب منه فقد خرج عن قيادة طالوت الذي أراد أن يكون له جنود أقوياء يستطيع أن يتغلب بهم على الطاغية جالوت.

والكلام هنا حول إخبار طالوت لهم بامتحان الله عز وجل، فهل أخبره بذلك داوود قبل الإنطلاق أم أن الله تعالى ألهمه ذلك؟ نحن نقول لا عجب في كلا الأمرين فأيهما كان فهو صحيح حيث من الممكن أن يوحي الله تعالى لطالوت كما أوحى من قبل إلى الخضر ولم يكن الخضر نبياً.

ثالثاً: لقد أذن لهم بشربة قليلة يطفؤون بها حر عطشهم، واشترط أن تكون غرفة يد فقط، فلم يلتزم أكثرهم بهذا الشرط فإنهم بمجرد أن عاينوا النهر أسرعوا إليه وراحوا يشربون ويشربون حتى ارتووا تماماً باستثناء فئة قليلة منهم ثبتت على الإيمان والتزمت بكلام القائد طالوت.

رابعاً: بعد أن تجاوزوا النهر وعلامات النفاق ظاهرة على وجوههم شعروا بالخوف فاعترفوا لطالوت بأنهم لا يستطيعون الوقوف في وجه جالوت فهم يريدون قطف الثمار من دون حرث وغرس ورعاية وتعب، وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى(فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ) ومن الطبيعي أن يصدر منهم هذا الكلام المخزي لأن الذي لا يقدر أن يصبر على العطش فترة قصيرة فإنه بلا شك عاجز عن تحمل القتال وألم الجراحات، وهؤلاء لم يعترفوا بأمر جديد، فلقد كانوا من الأساس ينوون الخذلان لأن الحياة عندهم عزيزة جداً، ومن جملة معتقدات اليهود التي ما زالت مستمرة حتى اليوم هي أن الموت يعني لهم النهاية بينما يعتقد المؤمنون بأن الموت هو بداية حياة طويلة.

خامساً: وهو إقرار المؤمنين بأمر عظيم، وهو أن الذي يتكل على الله فإنه سوف ينصره، وأن القلة القائمة على الإيمان أنفع من الكثرة المتزلزلة، وهذا ما كان بالفعل حيث نصر الله طالوت بتلك القلة القليلة بعدما زرع الله الجرأة في قلوب المؤمنين، وزرع الخوف والرعب في قلوب الكافرين، وذلك عملاً بقوله تعالى(سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب) واستطاع طالوت أن يهزم جالوت وجنوده وذلك عند أول حجر رماه نبي الله داوود على ميمنة جيش جالوت، فندم كل الذين تخاذلوا عن القتال، وقيل بأن عدد المقاتلين الذين ثبتوا على الإيمان ناهز الثلاثمئة فقط بينما كان جيش جالوت يُعد بعشرات الألوف، وهذا من أكبر الأدلة على عظمة الإيمان ولكن بني إسرائيل رغم رؤيتهم لذلك أنكروا الحق وأصروا على الكفر والعناد.

وقد ذكر القرآن الكريمة تلك الهزيمة الفادحة التي حلت بجالوت وجنوده حيث يقول(وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)

 

نِعَمُ اللهِ تَعَالَى عَلَى دَاوُوْد

 

قال سبحانه وتعالى(وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ  وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ)

لم تقتصر مهمات الأنبياء ووظائفهم على بيان العقيدة والدلالة على وجود الله ووحدانيته، ولم يقفوا عند التعاليم الدينية فقط، وإنما كان لهم أدوار هامة لا علاقة لها بالوظائف الأساسية وذلك كتعليم الناس ما يصلح للأكل والشرب والإستشفاء وتعليمهم بعض الحِرَف والصناعات التي تهم البشرية بأجمعها.

وقد أشارت الآية الكريمة إلى أن الله تعالى علّم نبيه داوود صناعة اللباس، فلقد علمهم هذه المهنة فستروا بها أبدانهم ووقوها من ألم السيوف وجراحاتها وأصبح عندهم مصدر رزق جديد. وهذا يعني أن المراد باللباس المشار إليه في الآية هو الدروع وليس اللباس العادي، وهو الأقرب والأرجح لأن الأنبياء قبل داوود كانوا يرتدون اللباس العادي، ولذا قيل بأن داوود عندما كان يصنع هذا اللباس الحربي الخاص كان عنده لقمان فلم يسأله لقمان عما يصنع حتى انتهى داوود من صناعة الدرع فعندها قال له لقمان الحكيم: نِعم لَبوس الحرب: ثم أورد حكمة فقال: الصمت حكمة قليل فاعله:

وهذه المهنة هي في الحقيقة نعمة كبرى من الله تعالى تستحق الشكر الدائم لأن الناس كانوا بأمس الحاجة إلى هذه الصنعة.

(وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) نلاحظ بأن الله تعالى يسدد أنبياءه بأنواع كثيرة من المعجزات بحسب ما يقتضيه المقام لأن الله عز وجل يعلم النوعية التي تقام معها الحجة على فئة من الناس ويصنع المعجزة على يد نبيه أو رسوله، ونلاحظ أيضاً بأنه لم تتكرر المعجزة الواحدة بين نبيين أو أكثر بل كان كلما أتى نبي سدده ربه بمعجزات جديدة ليثبت للعالم بأن ما يأتي به الأنبياء إنما هو الإعجاز وليس فناً يتوارثونه، وعلى فرض أن قوماً علَّقوا الإيمان على الإتيان بمعجزة مشابهة لإعجاز نبي سابق وقد كان في تكرارها مصلحة لَكررها الله تعالى كما كرر نفس المعجزة مرات عديدة على يد النبي الواحد كثعبان موسى حيث تحولت عصاه إلى ثعبان ثلاث مرات، مرة في الوادي المقدس ومرة في قصر فرعون وثالثة يوم المواجهة بين موسى والسحرة.

وهنا يحدثنا القرآن عن معجزات جديدة أجراها الله تعالى لنبيه داوود لتكون علامة على نبوته وسلاحاً يواجه به كفر القوم، فلقد سخّر الله له الجبال والطير، وهنا نريد أن نعرف حقيقة هذا التسخير هل هو مقتصر على مجرد التسبيح أم أن هناك أشياء أخرى تتعلق بهذه المعجزة؟

وعلى القول بأن الإعجاز مقتصر هنا على التسبيح فلا مانع من أن يكون الناس قد علموا بهذا التسبيح عن طريق معيَّن لأن الإعجاز إذا خفي عن الناس لم يكن جامعاً لشرائط الإعجاز، وبمعنى آخر لو أن تسبيح الجبال والطير لم يسمعه سوى داوود لم يكن هذا إعجازاً للناس لأن الإعجاز ينبغي أن يُرى من قِبل الناس.

وربما يكون التسخير هنا هو قدرة داوود على قلع الجبال من مكانها لتكون تلك القوة الباهرة علامة على صدق نبوته.

ومن معجزات داوود(ع) أن الله تعالى بقدرته الباهرة ألان له الحديد بمعنى أنه كان يتصرف في الحديد الصلب كما لو أنه يتصرف في العجين، ولأجل ذلك كانت صناعة الدروع الحديدية هينة عليه قال تعالى(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ  أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

وفي بيان فضائله تعالى على داوود قال(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) والمراد بذي الأيد، أي أنه ذو قوة على طاعة الله عز وجل(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ  وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)

(وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ  إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ  إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ  قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)

لقد ظن داوود بأن الله تعالى يفتتنه حيث تسرع في إعطاء الجواب قبل أن يسمع الطرف الآخر فاستغفر ربه فغفر له.

 

قَبَسَاتٌ مِنْ سِيْرَةِ دَاوُوْدَ(ع)

 

(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)

هذا الخطاب الإلهي موجَّه إلى نبي الله داوود(ع)، وقد وجّه الله أمثال هذا الخطاب لكثير من الأنبياء والمؤمنين، فالإنسان خليفة الله في أرضه، وهو مسؤول عن تصرفاته وسلوكياته تجاه الله والفرد والمجتمع، ويجب على الخليفة أن يؤدي حق الله ويمارس دوره في المجتمع على أتم وجه وأحسن صورة.

وعلى العالِم أن يفتي بالحق ويحكم بين الناس بالعدل الذي أنزله الله كيلا يكون من الظالمين والفاسقين والكافرين على حد تعبير القرآن الكريم في ثلاثة مواضع من سورة المائدة، أولها قوله تعالى(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وثانيها(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وثالثها (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

لقد أنزل الله كتاباً سماوياً على داوود وهو الزبور الذي فيه من التعاليم ما يصلح بها حال المرء في الدنيا والآخرة، ومن جملة ما ورد في هذا الكتاب السماوي: إن أقرب الناس مني يوم القيامة المتواضعون كذلك وأبعد الناس مني يوم القيامة المتكبرون: ومما ورد فيه ما جاء عن الإمام الصادق(ع) ” أوحى الله إلى داوود : إن عبدي المؤمن إذا أذنب ذنباً ثم تاب من ذلك الذنب واستحيى منه عند ذكره غفرت له وأنسيته الحفظة وأبدلته حسنة ولا أبالي وأنا أرحم الراحمين”

وجاء في الزبور أيضاً: يا داود تريد  وأريد ولا يكون إلا ما أريد فإن سلّمت لما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلّم لما أريد أتعبتك.

وقال الصادق(ع) “أوحى الله عز وجل إلى داود(ع): ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السموات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السموات من بين يديه ”

وأوحى الله إلى نبيه داود: يا داود إني وضعت خمسة في خمسة والناس يطلبونها في خمسة غيرها فلا يجدونها، وضعت العلم في الجوع والجهد، وهم يطلبونه في الشبع والراحة فلا يجدونه، ووضعت العز في طاعتي، وهم يطلبونه في خدمة السلطان فلا يجدونه، ووضعت الغنى في القناعة، وهم يطلبونه في كثرة المال فلا يجدونه، ووضعت رضاي في سخط النفس، وهم يطلبونه في رضا النفس فلا يجدونه، ووضعت الراحة في الجنة، وهم يطلبونها في الدنيا فلا يجدونها.

وقال تعالى لداود: يا داود بشّر المذنبين وأنذر الصدّيقين، قال كيف أبشر المذنبين وأنذر الصديقين؟ قال: بشِّر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس من عبد نصبته للحساب إلا هلك.

وأحى تعالى إلى داود: يا داود إن العبد ليأتيني بالحسنة يوم القيامة فأحكّمه بها في الجنة، قال داود وما هذا العبد الذي يأتيك بالحسنة يوم القيامة فتحكمه بها في الجنة؟ قال تعالى: عبد مؤمن سعى في حاجة أخيه المسلم أحي قضاءها قُضيت أم لن تقض.

وأوحى تعالى إلى داود أيضاً: إن العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأدخله الجنة، قال يا رب وما تلك الحسنة؟ قال يفرج عن مؤمن كربته ولو بتمرة، قال داود: حقٌ لمن عرفك أن لا يقطع رجاءه منك.

 

عِبَرٌ مِنْ سِيْرَةِ دَاوُوْدَ(ع)

 

لقد جعل الله تعالى حياة أنبيائه ورسله مليئة بالعبر ليستنير الناس بأنوارهم ويهتدوا إلى الحق، وقصص الأنبياء ليست سرداً فارغاً من أجل التسلية أو الحفاظ على بعض المحطات التاريخية بل إن قصصهم في الواقع دروس كبيرة ومواعظ نافعة ومؤثرة، ولأجل ذلك يجب التمسك بهذا التراث العظيم والإستفادة منه من جميع وجوهه، فلا ينبغي التعامل مع تلك التواريخ المباركة كما نتعامل مع غيرها.

ونبي الله داود(ع) كان مصدراً مُهماً للعبرة والإستفادة، وهو صاحب كتاب سماوي كان نوراً للبشر ومصدراً لهدايتهم وإرشادهم.

ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: إن داود قال لسليمان: يا بني إياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تترك العبد حقيراً يوم القيامة، يا بني عليك بطول الصمت إلا من خير فإن الندامة على طول الصمت مرة واحدة خير من الندامة على كثرة الكلام مرات، يا بني لو أن الكلام كان من فضة كان ينبغي للصمت أن يكون من ذهب.

وقال داود لولده سليمان: إياك والهزل فإن نفعه قليل، ويهيج العداوة بين الإخوان، وإياك والغضب فإن الغضب يستخف بصاحبه، وعليك بتقوى الله وطاعته فإنهما يغلبان كل شيء، وإياك وكثرة الغيرة على أهلك من غير شيء فإن ذلك يورث سوء الظن بالناس وإن كانوا براء، إقطع طمعك عن الناس فإن ذلك هو الغنى، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإياك وما يُعتذَر منه من القول والفعل، وعوّد نفسك ولسانك الصدق، والزم الإحسان، فإن استطعت أن يكون يومك خيراً من أمسك فافعل وصلّ صلاة مودّع، ولا تجالس السفهاء، ولا ترد على عالم ولا تماره في الدين …وارج رحمة الله فإنها وسعت كل شيء:

وروي عن الإمام الباقر(ع) أنه قال: كان في بني إسرائيل عابد فأُعجب به داوود(ع) فأوحى الله إليه لا يعجبك شيء من أمره فإنه مُرائي، فمات الرجل فقال داوود ادفنوا صاحبكم ولم يحضره، فلما غُسّل قام خمسون رجلاً فشهدوا بالله ما يعلمون منه إلا خيراً فلما صلوا عليه قام خمسون آخرون فشهدوا بذلك أيضاً فأوحى الله تعالى إلى داوود ما منعك أن تشهد فلاناً؟ فقال داود يا رب لِلذي أطلعتني عليه من أمره فأوحى الله تعالى إليه إنه كان ذلك ولكنه قد شهد قوم من الأحبار والرهبان ما يعلمون إلا خيراً فأجزت شهادتهم عليه وغفرت له علمي فيه.

وورد في ابتهال داود: ربي أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلّغني حبك ربي اجعل حبك أحب إليّ من نفسي وأهلي ومن الماء البارد.

وهذه الوصايا القيمة والسلوكيات العظيمة لم ينفرد بها نبي الله داود(ع) وإنما كانت سلوكيات جميع الأنبياء والمرسلين الذين كانوا المثل الأعلى للبشرية والقدوة الحسنة في هذه الدنيا، وهذه السلوكيات هي قاسم مشترك بين جميع الأنبياء.

وبنفس الطريقة التي تعامل بها الأقوام السابقون مع أنبيائهم فلقد تعاطى قوم داود مع نبيهم، فهم بنوا إسرائيل وما أدراك ما بنوا إسرائيل.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى