محاضرات

حول يوم القيامة

ضرورة الرجوع إلى أهل الذِكر

تحدثت في البحث الماضي وما سبقه عن ضرورة الإهتمام بالموعظة واستغلال آثارها من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم ولا تشفع فيه الحسرة، وخير المواعظ هي تلك التي ذُكرت في كتاب الله العزيز الذي لا يعلو فوقه أي كلام، وبما أننا عاجزون عن فهم القرآن دون الرجوع إلى الراسخين في العلم فقد وجب علينا الرجوع إليهم كيلا تكون أعمالنا كسراب يحسبه الظمآن ماءاً، ولقد منّ الله علينا إذ أنار الدنيا بنور محمد وأنوار آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين الذين كان لهم الفضل الأكبر في إظهار المراد القرآني، ولذا كان الرجوع إليهم رجوعاً إلى القرآن إذ كان كلامهم حاملاً لمعانيه ومفسراً لمحتوياته، وهذا ما دفع بي إلى الرجوع لنهج البلاغة حيث المواعظ الكبرى في شتى المجالات وخصوصاً في موضوع الموت وما بعده، وهو موضوع هذه الدراسة التي نحن بصددها، فلا بد من الوقوف على حقيقة الموت وما بعده من خلال نهج البلاغة ثم نتابع الكلام حول الدراسة المقررة.
يشتمل كتاب نهج البلاغة على المئات من المواعظ ذات الإتجاهات المتعددة، منها ما كان الكلام حولها طويلاً ككلامه(ع) عند تلاوة ألهاكم التكاثر، أو الخطبة الغراء، ومنها ما لم تتجاوز ألفاظها السطر الواحد، وكلها تحمل ذات المنفعة.
ومن جملة تلك المواعظ حث الإمام(ع) على أخذ العبرة من الموت وما يحيط به من ظروف وأحداث كما في قوله: فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ! وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقٍّ أَقَولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّماءِ إِلاَّ البَشَرُ:
إنها من المواعظ الكريمة والنافعة لمن وُفق لمعرفة معانيها وإدراك أبعادها إذ لا تكمن الفائدة خلف كثرة الكلام في الغالب وإن كان الظرف قد يفرض الإطالة في بعض الحالات، ولكن هذه الكلمات رغم قلتها حملت الكثير من المعاني وأشارت إلى العديد من القضايا الهامة.
لقد اشتملت هذه الموعظة المختصرة على أكثر من أمر:
الأمر الأول: أنه يوجد في هذه الموعظة نوع من التشويق للناس في معرفة ما قد عاين الذين حل بهم الأجل، والإنسان بطبعه مجبول على حب المعرفة والرغبة في الإستطلاع، ولعل الإمام(ع) تعمد استعمال هذا الأسلوب لعلمه بمنفعته لكثير من الناس الذين ربما إذا عرفوا شيئاً مما عند الموت وبعده أثرت فيهم الموعظة، ويكفي في المقام أن يعرف الإنسان بعض العموميات حول تلك الخصوصيات لكي تتفاعل بداخله مفاعيل الموعظة.
الأمر الثاني: هو أن الإمام(ع) يريد أن ينقلنا بأرواحنا وعقولنا إلى تلك المشاهد ليصبح أثر التأمل بها كأثر ما لو رأيناها بأم أعيننا انطلاقاً من كون رؤيا البصيرة أوضح وأدق من رؤيا البصر فقد لا يفي النظر بإدراك المطلوب، ولكن لا بد وأن تفي البصيرة بذلك.
هناك أثر كبير ينتج عن المشاهدة العينية ولا أحد يشك بذلك، وخصوصاً عند من لم تكن بصائرهم صائبة، فالمشاهدة العينية بالنسبة لهؤلاء لها أثر كبير كأثر من عاين الموت، ولكن الذين يعينون الموت لا يمكن لهم الإستدراك ولا التصحيح ولا إقامة العمل إن كان قبل المعاينة غير مستقيم، أما الذي يعاين ما عاينه المحتضَرون قبل أن يُحتضَر فهذا هو الذي يستفيد من تلك المعاينة حيث لا تزال الفرصة مفتوحة أمامه، فالذين يعاينون حقيقة لا ينفع منهم الإعتبار ولا يغني عنهم الإتعاظ شيئاً، أما الذين يعاينون بالتأمل والتفكر فهم من ينتفعون بالإعتبار.
إن علمنا بما عاين المحتضرون يحمل ذات الأثر الناجم عن المعاينة الحقيقية، وما يريد الإمام(ع) أن يقوم به من خلال هذه الموعظة هو التأمل فيما رأى المحتضرون حتى نستفيد نحن الأحياء مما لم يستفد منه من انقطع عملهم بالموت.
ومن آثار تلك المعاينة البصيرية الجزع والخوف، والخوف يدفع بالإنسان نحو العمل وصيانة مصيره في الآخرة عبر الطرق التي شقها الإسلام لتلك الغاية، ولهذا قال(ع): وسمعتم وأطعتم، يعني سمعنا ما قاله الله ورسوله وأطعنا الله ورسوله في جميع الأوامر والنواهي.
الأمر الثالث: وهو حجب تلك المعاينة عمن لم يأت أجلهم بعد، الأمر الثالث: حجب تلك المعاينة عمن لم يأت أجلهم بعد، ولكن هذا الحجاب سوف يُطرح عما قريب يمكن أن يطرح بعد لحظة أو ساعة أو يوم أو شهر أو سنة أو أكثر من ذلك أو أقل، المهم هو أن هذا الحجاب سوف يطرح عندما يأتي الأجل ويحضرنا ملك الموت وأعوانه ليقبضوا أرواحنا، ونحن بدورنا يجب علينا أن نعمل الصالحات قبل أن يُطرح هذا الحجاب المانع من العمل والطاعة لأنه عند حلول الأجل ينتهي دور الإمتحان الذي فرضه الله علينا وتبدأ مرحلة الحساب على ما قمنا به في حياتنا الدنيا، فقوله(ع) وقريباً ما يطرح الحجاب هو الموعظة لنا لأنه يذكرنا بتلك اللحظات الشديدة التي لا يخلصنا منها سوى الطاعة الصادقة والعمل الصالح فلا ولد ولا مال ولا أهل ولا عشيرة تنقذنا من تلك الورطة الحرجة، فلقد أتتنا العبر وجاءتنا المواعظ ووردتنا التعاليم والأحكام والأنظمة المحكمة ولكننا أهملنا ما جاءنا وفرطنا في واجباتنا ونسينا الآخرة وثوابها وعقابها فألهتنا الدنيا بزخارفها وشهواتها واستهوتنا النفوس الأمارة بالسوء فجعلتنا عبيداً مخلصين للشيطان الرجيم لا نخرج على أوامره ولا نخالف حكماً من أحكامه.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى