
إن من الصفات الكبرى التي امتاز بها الإنسان المؤمن قبول الموعظة أولاً والعمل بها ثانياً، ومن تلك الصفات سعيه إلى كسبها بطرق كثيرة فلا ينتظر حلول الفرصة وإنما يعمل على فتحها وديموميتها بسبب معرفته لحجم الفائدة من وراء كسب المواعظ التي كانت وما تزال أوسع أبواب الرحمة للإنسان.
وأنا لا أعتقد بأن الذي يدفع بالمؤمن إلى كسب الموعظة شيء واحد بل مجموعة أمور كلها سامية الشأن ورفيعة المستوى، فهناك أكثر من سبب يدعو الإنسان العاقل إلى قراءة الموعظة أو إلى استماعها أو حتى إلى صناعتها ذاتياً لأن الموعظة في أكثر الأحيان تنبع من ذات الإنسان وقلبه، وهذا النوع هو الأهم وهذا الطريق لاكتسابها هو الأنجع والأنجح والأربح والآكد لتحقيق الهدف.
هذه الروحية الخاصة وهذا الشعور الرائع تجب المحافظة عليه بكل وسيلة ممكنة لأنه إذا فقد الإنسان هذه القوة المودعة فيه منذ البداية فقد افتقد أهم العوامل المساعدة على استقامته في هذه الدنيا، فإذا انعدمت تلك الروحية داخل الإنسان أصبح قلبه مسرحاً للشيطان الرجيم، ولا يُؤمَن عليه بعد ذلك من أن يصبح عبداً لإبليس، وهنا يكمن الخطر الفعلي على مصير الإنسان، فإذا لم يعد يتفاعل مع مؤثرات الموعظة فقد خسر خسراناً مبيناً، ومن لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ.
هناك مجموعة أسباب هي التي تحرك الإنسان نحو السعي لكسب الموعظة.
السبب الأول: هو أن الفطرة التي جُبلت عليها روح ابن آدم منذ وجوده تحتاج إلى ألوان من الغذاء الروحي، وأهم أنواع هذا الغذاء هو الموعظة لأن العاقل يشعر بضرورة وجودها دائماً فهو يريدها أن تبقى حاضرة عنده حيث يشعر معها بالأمان والإطمئنان لأنه يراها سلاحاً قوياً يستخدمه في محاربة الأهواء بحيث أنه كلما اقترب من حافة الإنهيار حفظته الموعظة من السقوط.
والمعادلة هكذا.. بمقدار ما تحفظ الموعظة وتهتم بها بمقدار ما تحافظ عليك من الوسوسات الشيطانية التي طالما أودت بآخرة أكثر الناس.
فالدور الأكبر في هذه المعادلة هو أنت قبل الموعظة، فلو كان عندك الآلاف منها وأنت لا تريد أن تتأثر بأحدها كان وجودها فيك كعدمه، ولذا ورد في الحديث من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ: ونحن بدورنا ندرك من هذا الكلام وجود جهتين للموعظة: جهة تتعلق بالخارج، وجهة تتعلق بالداخل:
أما الجهة الخارجية للموعظة فإنها متعددة الصور ومختلفة الأشكال ومتفاوتة من حيث الظروف والمراتب، فتارة تُكتسب الموعظة من حدث معيّن، وتارة من صدور كلمة، ومرة من صورة خارجية كمن ينظر إلى السماء فيرى ما فيها من المخلوقات، أو ينظر إلى مخلوقات الأرض وأنظمتها فيستفيد من ذلك عبرة كبيرة.
وأمام هذا الواقع يعترضنا سؤال هام: كيف يستفيد واحد من الجهة الخارجية ولا يستفيد الآخر مع اتحاد الصور والظروف والنظرة إلى تلك الموجودات، فلماذا اعتبر الأول بها ولم يعتبر بها الثاني؟
إنه سؤال مهم ودقيق حيث يطال عمق هذا المفهوم الخاص بالموعظة، ولكن الجواب عليه واضح ومقنع لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، ولهذا نجيب بالتالي: إن الشخص الذي استفاد من النظرة إلى الجهة الخارجية للموعظة إنما حصل عنده ذلك لأنه حرّك مع تلك النظرة الجهة الداخلية لها، وهذا هو المطلوب لمن يريد أن تنفعه الموعظة لأن كلتا الجهتين مطلوبتان في عملية الإتعاظ، ولمزيد من التدقيق حول هذا الجواب أود أن أوضح نقطة هامة، وهي: أنني لا أعني بجوابي المذكور توقُّف عمل وآثار الجهة الداخلية على ما ينعكس إليها من الجهة الخارجية مع اعترافي بصحة العكس، فالجهة الخارجية يتوقف أثرها على تحريك الجهة الداخلية، أما حركة الجهة الداخلية فقد تتم من دون الجهة الخارجية، وذلك كمن يجلس بينه وبين نفسه ويحرك بداخله تلك المشاعر المودعة فيه فيتعظ ويعتبر من دون ملاحظة شيء في الخارج، وهنا يظهر لنا معنى الحديث القائل:من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ: فالواعظ في النفس هو الذي عبرت عنه بالجهة الداخلية، والمواعظ هي التي عبرت عنها بالجهة الخارجية، فيكون المعنى من هذا الحديث هو أن آثار الجهة الخارجية لا تظهر إلا بضميمة الجهة الداخلية ولا عكس.
هذا هو السبب الأول في تحريك الإنسان نحو كسب الموعظة.
السبب الثاني: وهو أن الموعظة مصدر حفظ للإنسان من مخاطر الدنيا ومهالك الآخرة، ولكي نفهم حقيقة هذا السبب كان لا بد من ذكر بعض المقدمات التي تساهم مجتمعة في بيان حقيقة هذا السبب الثاني:
المقدمة الأولى: وهي تختص بالمراد من كلمة الموعظة، فهل هي لفظ خاص بالمجال الديني فقط أم أنه أوسع دائرة من هذا المعنى؟
نحن نقول لا يوجد اختصاص للفظ الموعظة في مورد واحد أو معنى واحد، فإن الموعظة هي العبرة، والعبرة كما تستفاد للأمور الأخروية فكذلك تستفاد للأمور الدنيوية وذلك كمن يرى أحدهم يسير في سيارته بسرعة فائقة فيحصل له مكروه من جراء الإصطدام بشيء فيأخذ بعض الناس موعظة مما حصل لهذا الشخص، فلفظ الموعظة وإن كثر استعماله في الشؤون الأخروية فهذا لا يعني انحصاره فيها.
المقدمة الثانية: وهي أن الرعاية الإلهية تشمل المتعظ بالحفظ من بعض مكاره الدنيا ومكاره الآخرة لأن المتعظ سوف يترك ما يضره، وإن ترك سبب الضرر لم يتضرر.
المقدمة الثالثة: وهي التطبيق العملي لما تخلفه الموعظة من آثار نفسية، فلو فرضنا أن الآثار من الموعظة قد وُجدت في النفس، ولكن الإنسان لم يعمل بمقتضى تلك الآثار فإنه لن ينتفع بالموعظة لا على مستوى الدنيا ولا على مستوى الآخرة.
يوجد في الموعظة أنوار مشرقة لا تخبو ولا تنطفئ فهي تنير درب الإنسان وتمحو ظلمات الحياة فتجعله ماشياً وسط الأنوار المضيئة يرى كل شيء على هيئته الحقيقية فلا يخدعه نظره ولا يسيطر عليه وهمه، قال سبحانه وتعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) وورد في وصية أمير المؤمنين لولده الحسن:أحيِ قلبك بالموعظة: فلو بحثنا عن الأمر قليلاً لوجدنا أن الموعظة فيها حياة للقلوب، وقد أوضح لنا أمير المؤمنين(ع) هذه الحقيقة في العديد مما ورد عنه فقال(ع) المواعظ حياة للقلوب: وقال:بالمواعظ تنجلي الغفلة: وقال:ثمرة الوعظ الإنتباه:



