
قِصةُ الهِجْرَةِ مِنْ مَكة إلى المَدِيْنة
بعد ثلاثة عشر عاماً من العمل المضني في الدعوة إلى التوحيد، وبعد أن اشتد الخطر على النبي والمسلمين في مكة وضواحيها لم يعُد بالإمكان ممارسة الدور الإسلامي بحرية في ظل الخطر الكبير الذي بات يتهددهم خصوصاً بعد أن اجتمع رؤساء قريش في دار الندوة واتخذوا قراراً حاسماً في حق رسول الله(ص) وهو قتلُه بواسطة اشتراك العشرات من القبائل العربية ليضيع دمه بينها، وقد تمّ الإتفاق على ذلك بعد أن اختاروا من كل قبيلة رجلاً خبيثاً لتنفيذ تلك الجريمة التي تقضي بتقطيع النبي إرباً فلا يستطيع بنو هاشم أن تناهض قبائل قريش كلها فيرضون حينها بالدية، وقد حُدّد الزمان والمكان، ولم يكن النبي(ص) المرتبط بالوحي الإلهي بغافل عما يخطط له المجرمون.
وقد لقي هذا الإقتراح إجماعاً من الجميع، وقد اختاروا القتلة، وحددوا وقت التنفيذ في تلك الليلة المعلومة، بحيث يستيقظ أهل مكة وقد عادت الأمور إلى طبيعتها حسب زعمهم.
وبعد اتفاقهم المشؤوم هبط الأمين جبريل على قلب الصادق الأمين بقوله سبحانه(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيثبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يخرجُوكَ وَيمكرونَ وَيَمْكرُ اللّهُ واللّهُ خيْر الماكِرين)
وعندها قرر النبي(ص) بأمرٍ من الله تعالى أن يغادر مكة، وكان بإمكانه أن يغادرها دون أن يلحظ ذلك أحد، ولكن الله عز وجل يُجري الأمور بأسبابها، فقرر النبي أن يبيت على فراشه شخصٌ ما ليوهم المشركين بأنه ما زال في داره المحاصَر من جميع الجهات، فبات أمير المؤمنين(ع) مكان رسول الله(ص) مضحياً بنفسه في سبيل حياة الرسول وبالتالي حياة الرسالة السماوية، وكان النبي قد أوصاه قبل خروجه بإرجاع كل الأمانات إلى أهلها ولعله السبب الأبرز في عدم خروج الإمام علي معه.
فخرج دون أن يلاحظ خروجه من الأربعين شخصاً الذين كلفتهم قريش بعملية الإغتيال، ولا شك بوجود دور للإعجاز في ذلك، ومنهم من قال بأن الأربعين شخصاً كانوا نياماً في تلك اللحظة، فإنهم إن كانوا نياماً بأجمعهم فذلك بعمل المعجزة أو الكرامة.
وقُبيل طلوع الفجر هجم القتلة على بيت النبي ففوجئوا بوجود الإمام علي نائماً على فراش النبي لا يكترث لهم ولا يعطيهم أي اهتمام، بل لم يشعر بذرة من الخوف، فغضبوا غضباً شديداً لفشل الخطة ولاموا أبا جهل الذي منعهم من دخول البيت قبل ذلك الوقت، وقد باؤوا بالفشل الذريع وأسرعوا إلى وضع خطة أخرى يستطيعون بها الوصول إلى رسول الله قبل أن يبتعد كثيراً.
وكان قلب النبي مشغولاً على وصيه فأنزل الله تعالى عليه قرآناً طمأنه به(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)
أما النبي وصاحبه فقد مكثا في غار ثَور ثلاث ليال، وهو غارٌ يقع في جنوب مكة، فبثّت قريش عيونها وجواسيسها للبحث عن رسول الله، وقد أغلقوا جميع الأبواب والمداخل المؤدية إلى مكة، وقد وضعوا مكافئة كبيرة لكل من يقتفي أثره.
وقد تمكّن البعض من اقتفاء أثره(ص) فوصلوا إلى باب غار ثور، ولكنهم استبعدوا وجوده داخل الغار بسبب خيوط العنكبوت المنسوجة على بابه، لأنه لو كان قد دخل الغار بحسب ظنهم لتقطَّعت تلك الخيوط، وقد نسجت العنكبوت خيوطها بعد دخول النبي وصاحبه إلى الغار بهدف إبعاد خطر قريش عنه.
فغادروا المكان، وعندما ابتعدوا خرج النبي من الغار وتابع رحلته نحو المدينة المنورة(يثرب).

