
عقدانِ ونَيِّف مضى على رحيله، ولا أنسى السنوات الخمس التي قضيتُها في كَنَفه حيث تعلّمت الكثير من علمه الغزير وفِكره النيِّر ومواقفه الجريئة التي عادت على الأُمة بالمنافع الكبرى.
لقد كان عالِماً فقيهاً مُفكراً ذاع سيطه في أرجاء العالَم الذي ترك فيه بصَمات خير لا تُعَد، ولا يمكن لأحد أن يعرفه جيداً إلا إذا خالطه.
وقد لازمته في تلك المدة وكان بمثابة والد لي بكل ما للكلمة من معنى.
ولا أريد في كلمات العزاء هذه أن أتحدث عن الإمام شمس الدين العالِم والمجتهد والمفكّر والرئيس، بل أود أن أذكر قضية عن الإمام شمس الدين العابد المحب لله ورسوله وأهل البيت صلوات الله عليهم.
لو كان حياً لَما تكلمت بهذا كيلا يعتبره البعض تزلُّفاً، أما وقد رحل فقد أصبح الكلام عنه سهلاً ومأموناً.
سوف أذكر لكم قصة واحدة، وعليها فلنَقِس الباقي.
في إحدى الليالي اتصل بي وطلب مني الحضور إلى مكتبه في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لأمرٍ هام، فأسرعت كيلا ينتظرني طويلاً، وبعد دقيقة واحدة اتصل بي مرة ثانية وقال لي(لا تُسرع على الطريق فأنا لستُ على عجلة من أمري) وكان هدفه من ذلك هو إبعادي عن خطر السرعة في قيادة السيارة، فوصلت إلى مكتبه وبادرني بالقول: أريد أن أؤسس حملة لزيارة الأماكن المقدسة، فضحكتُ وقلتُ له يا سماحة الإمام دعك من هذا الأمر فإنه سوف يجلب لك الإهانة والإتهامات فدع الأمر لغيرك، فلا يليق أن تكون رئيساً للطائفة وصاحب حملة في نفس الوقت فابتسم وقال لي: إنها حملة مجانية على حسابي الخاص، فقلت له إن كان الأمر كذلك فقد تغيّر الحال ولنبدأ على بركة الله.
لقد طلب مني أن أسيّر الحملات بمساعدة أخوين كريمين كان دورهما في الحملة أهم من دوري بكثير إلى سوريا ثم فإن نجح الأمر سيّرنا الحملات إلى العراق وإيران، فتوكّلنا على الله وسيّرنا أول حملة لزيارة مرقد السيدة زينب سلام الله عليها في سوريا وكان عدد الزوار حينها 270 زائراً، وكان كل ساعة يتصل بمرافقه الخاص ليطمئن منه على سلامة الزوار ويوصيه بالإهتمام البالغ بهم وتكريمهم أحسن إكرام، وبعد العودة إلى بيروت استدعاني رحمه الله عليه للإطلاع على سير الأمور وسألني كم كلفنا الزائر الواحد، فقلت له حوالي خمسين دولار، فقال يا سبحان الله، نستطيع أن ندخل الجنة بخمسين دولار.
هذه واحدة من خصاله العبادية رحمه الله وجمعه مَع مَن كان يتولى.






