
وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{البقرة/111}
ما كا من تمنى الجنة نالها، وما كل من ادعى أن الجنة له دخلها، فلقد ادعى اليهود بأن الجنة لهم، وادعت مجموعة من النصارى ذلك، وهذا مجرد أمنية تخاطر أذهانهم، ثم أمر الله نبيه بأن يسألهم عن برهانهم فيما يقولون إن كانوا صادقين، وبالطبع لن يقدموا البرهان لأنهم يفقدونه وهم يعلمون أنهم يكذبون.
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{البقرة/112}
لا تنال الجنة بالتمني بل بالعمل الذي على أساسه يُكتب الإنسان محسناً أو مسيئاً، فلقد ادعى اليهود بأنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً وادعى النصارى مثل ذلك، وفي هذه الآية يرد الله عليهم بأن الجنة هي للذي أسلم وجهه لله، إن الجنة ليست حكراً على أحد فهي للذين يسلمون أمورهم لله ويطيعونه فيما أمر ونهى، فإن فعلوا ذلك كانوا آمنين لا خوف عليهم لا في الدنيا وخصوصاً في الآخرة.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ {البقرة/113}
قدِم وفد من نصارى نجران على رسول الله(ص) فوافتهم مجموعة من اليهود ووقع بين الفئتين نزاع حيث قام أحد اليهود وكفر بنبوة عيسى وبالإنجيل ثم قام له أحد النصارى فكفر بالتوراة وجحد بنبوة موسى، وعندها أنزل الله هذه الآية على رسوله لينبئهم بالحقيقة، والحقيقة أن النصارى يعلمون بصدق موسى وأنه أتى بألواح التوراة من عند ربه، وكذا اليهود فإنهم يعرفون تماماً أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ورسوله وأن الإنجيل كتاب الله ولكن حقدهم دفعهم لإلقاء الإتهامات، والحقيقة الثابتة هي أن موسى وعيسى حق وأن التوراة والإنجيل حق وأن اليهود والنصارى ليسوا على حق، فإن عندهم كتاب الله الذي ينير القلوب ومع ذلك أعرضوا عنه وعملوا بلجاجهم المعهود، وكذلك قال الجهلة مثل قولهم والعتب على العارف بالشيء أكبر من العتب على الجاهل به، ولكن في يوم القيامة عندما يحشرهم الله للحساب فسوف يعلمون بأنهم كانوا على الباطل لأنهم كفروا بأنبياء الله وكتبه وأطاعوا أهواءهم.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ {البقرة/114}
روي عن ابن عباس إنّ هذه الآية نزلت في «فطلوس» الرومي وجنده النصارى الذين حاربوا بني إسرائيل، وأحرقوا التوراة، وهدموا بيت المقدس.
وعنه أيضاً أنها نزلت في الروم الذين غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه حتى أظهر الله المسلمين عليهم.
وعن الإمام الصادق(ع) أنها نزلت في قريش حين حالوا دون دخول الرّسول(ص) مدينة مكة والمسجد الحرام.
وقيل إنها نزلت في مشركي مكة ممن هدموا الأماكن التي اتخذها المسلمون للصلاة في مكّة، بعد هجرة النّبي منها.
وربما تشكل جميع هذه الأحداث مجتمعة سبب نزول هذه الآية، وإن أظلم إنسان هو الذي يمنع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه مهما كان نوع هذا المنع أو درجته، ولكن الله تعالى أخبر المسلمين بأن هؤلاء الذين منعوا مساجد الله لن يدخلوا تلك الأماكن إلا خفية من المسلمين الذين منّ الله عليهم بقوة هائلة أرعبت جميع المخالفين لهم.
وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {البقرة/115}
ترتبط هذه الآية بمسألة تغيير القبلة فإن النبي عندما غيّر وجهته في الصلاة راح اليهود يشككون المسلمين في ذلك من أنه هل يمكن للإنسان أن يغيّر اتجاه صلاته، وقيل إن سبب نزول هذه الآية يرتبط بالصلاة المستحبة التي يصليها المسلم على دابته فإن صلاتها صحيحة وإن انحرفت الدابة عن جهة القبلة، وقيل أإنَّ الرَّسُولَ(ص) بَعَثَ جَمَاعَةً فِي غَزْوَة، فَجَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَعْرِفُوا اتِّجَاهَ الْقِبْلَةِ، فَصَلَّتْ كُلُّ مَجْمُوعَة صَوْبَ جهَة، وَبَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ فسَأَلْوا النَّبيَّ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الاْيَةُ الْكَرِيمَةُ.
هذا ما كان من سبب نزولها وأما تفسيرها فهو يرتبط بالآية السابقة فإنه وإن منع الناس من إحياء ذكر الله في المساجد فإن ذلك لا يمنع ارتباط العبد بربه لأن الله تعالى موجود في كل مكان فلا يحده زمان ولا مكان وهو معنى قوله سبحانه والله واسع عليم.
وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ {البقرة/116}
ادعت اليهود بأن عزيراً ابن الله وقالت النصارى إن المسيح ابن الله وقد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فإنه لم يلد ولم يولد، وما في السموات والأرض كلٌ له قانتون فهو الخالق وهو المصور وهو المنظم وهو البائر، وهذا القول كفرٌ عظيم فإنه تعالى لا يحتاج إلى الولد ولا إلى شريك فهو غير خلقه تماماً، والظن بأنه اتخذ ولداً هو تشبيه له بالمخلوق وهذا غير صحيح.
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ {البقرة/117}
هو الذي ابتدع السموات والأرض وما فيهما ابتداعاً فأوجدهما من العدم وأعطى لكل مخلوق أنظمته الخاصة به ولا يكلفه الأمر سوى إرادته للشيء فيكون هذا الشيء بقدرته بأي حجم وبأية صورة وفي أي مكان وزمان.
وفي هذا الشأن قال أمير المؤمنين علي(ع): أَنْشَأَ الخَلْقَ إنْشَاءً، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بِلاَ رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا (6) ، وَلاَ تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا، وَلاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلاَهَمَامَةِ نَفْسٍ اظْطَرَبَ فِيهَا. أَحَالَ الْأَشيَاءَ لَأَُوْقَاتِهَا، وَلْأَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرائِزَهَا، وَأَلزَمَهَا أَشْبَاحَهَا، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِها وَانْتِهَائِهَا، عَارفاً بِقَرَائِنِها وَأَحْنَائِهَا . ثُمَّ أَنْشَأَ ـ سُبْحَانَهُ ـ فَتْقَ الْأََجْوَاءِ، وَشَقَّ الْأََرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ الَهوَاءِ، فأَجْرَي فِيهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ، مُتَراكِماً زَخَّارُهُ، حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ الْقَاصِفَةِ، فَأَمَرَهَا بِرَدِّهِ، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَقَرنَهَا إِلَى حَدِّهِ، الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِها فَتِيقٌ، وَالمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ:
وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ {البقرة/118}
لم يدع اليهود وغيرهم من المشركين نافذة شر إلا وعبروا منها بهدف زرع الشك في قلوب المؤمنين، وقد اشتُهر عنهم أنهم يكرهون الإيمان ويحبون نشر الفساد في الأرض حيث يوجد في ذلك إشباع لشهواتهم ورغباتهم وأهوائهم، فهم لم يكفروا ويقفوا عند تلك الحدود فقط بل إنهم كفروا وراحوا يشجعون المؤمنين على الإرتداد.
وفي مسلسل اللجاج ووضع العراقيل في طريق الرسالة قال بعض المشركين ولعلم مشركوا العرب إننا لن نؤمن حتى يكلمنا الله أو ينزّل علينا آية، وفي الآية الكريمة يشبّه الله سبحانه قول هؤلاء بقول من سأل الأنبياء ذلك من قبل مبيناً وجود تشابه في سلوكهم وانحرافهم وعنادهم.
فلا داعي إلى إنزال آية مستقلة لكل فرد أو مجموعة فلقد أنزل الله تعالى كثيراً من الآيات وقد صدقوا بها عند نزولها فلماذاً إذاً هذا التغيير في الموقف، وهؤلاء يعرفون بأن الله لن يستجيب لهم لأن إرادته لا تخضع لأهواء الخلق وإنه إذا علم الله بوجود مصلحة ما في إنزال آية أنزلها دون أن يسأله أحد شيئاً لأنه أعلم بالمصالح والمفاسد من خلقه، وبناءاً عليه لم يكن طلبهم لنزل الآية من أجل أن يؤمنوا فلقد رأوا الآيات من قبل وكانت حجة عليهم، وإنما كان طلبهم مجرد تفاهة وألعوبة وعرقلة.
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ {البقرة/119}
إن مهمة الرسول هي بيان الأحكام الإلهية وإثبات الحقائق وجلاء الصورة وتحريك الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذه العملية تقتضي وجود بشارة للمؤمنين العاملين وإنذار للكفار والعاصين، وفي هذه الآية يخاطب الله رسوله بأنك بشير ونذير ولست مسؤولاً عن كفر الناس لأنك أديت مهمتك كاملة وألقيت الحجة عليهم.
وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {البقرة/120}
إن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يتمنون أن يبقى بيت المقدس قبلة للمسلمين حتى يبقى لهم ما يحتجون به علينا، ولكن عندما تغيرت القبلة يئس المشركون من نبي الإسلام.
وقيل إن رسول الله كان يعامل المشركين معاملة طيبة حتى يجلبهم إلى الإسلام فأخبره الله تعالى بأن هذا لن يرضيهم عنك فلن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تخرج من إيمانك وتتبعهم في كل شيء فإن حصل ذلك وطبعاً ذلك لن يحصل بعدما جاءك من الله ما جاءك فليس لك من ينقذك من عدل الله في يوم الحساب، وهذا الخطاب لا ينبئ عما كان يدور في قلب رسول الله فإنه مستعد لأن يُقتل ألف مرة ولا يتنازل عن ذرة من إيمانه أو أن يداهن أحداً على حساب الدين، ولعل الآية وردت من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، فيكون هذا الخطاب موجهاً إلينا بلهجة قوية مفادها أن الله تعالى لن يرهم رسوله إذا اتبع أهواء اليهود والنصارى فكيف إذاً يرحمنا نحن إن فعلنا ذلك.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{البقرة/121}
تقتضي العدالة الإلهية أن يُعطى كل ذي حق حقه على قاعدة بالحق حق وبالشر شر، والقاعدة الإلهية واضحة في هذا الشأن( من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) فبعد أن ذم الله تعالى أولئك الذين أصروا على الكفر من اليهود والنصارى بعدما جاءهم من الله ما يلقي الحجة عليهم، راح رب العالمين يثني على الذين آمنوا منهم وحسن إسلامهم أمثال عبد الله بن سلام وسعيد بن عمرو، فهؤلاء ومن معهم كانوا يتلون الكتاب حق تلاوته ويعملون بكل ما أمرهم ربهم به، ثم أكد الله ثانية على عاقبة الكفر حيث قال(وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة هامة تتعلق بظاهرة معاصرة فإن الذين يتلون الكتاب حق تلاوته هم نوعان: نوع شغلوا أذهانهم بألفاظ القرآن وأحكام تجويده ونوعية قراءاته فهؤلاء ليس لهم من الأمر حظ وهؤلاء نشاهدهم يومياً ونسمع تلاواتهم ولكنهم يقرؤون القرآن ولا يطبقون تعاليمه فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً، ونوع تعمقوا أكثر فاهتموا بظاهر القرآن وباطنه وعملوا بأحكامه ولذا ورد في الحديث كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، وأنا أقول إن هذا الإهتمام الزائد بأحكام التلاوة فيه مؤامرة واضحة على باطن القرآن، وإذا لاحظنا النصوص الخاصة بهذا الشأن نجد بأن النبي وآله(ص) قد وجهوا كل انتباهنا إلى باطن القرآن والعمل به، فصحيح أن ظاهر القرآن أنيق ولكن باطنه عميق كما عبر عنه أمير المؤمنين علي(ع)، وإعجاز القرآن لا يقتصر على سبك ألفاظه وإنما يشمل الباطن أيضاً وهذا ما يحتاج إلى شيء من التدبر، وقد أشار الله تعالى إلى الغاية القصوى من إنزال القرآن حيث قال(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ {البقرة/122}
إن التكرارات الواردة في القرآن الكريم لها غايات عميقة وليس الهدف منها التأكيد عليها فقط فإن ذلك يشكل جزءاً هامة من الغاية إلا أن الغاية من وراء ذلك أعمق.
نادراً ما نجد اتفاقاً لفظياً أو معنوياً بين الكثير من المكررات، بل ما لمسناه هو وجود إشارات لم يُشر إليها في الماضي، والله تعالى يبين لنا تلك الإشارات شيئاً فشيئاً حتى نتنبه لها وحتى يسهل علينا فهمها وبالتالي فإن التكرار مرتبط بسبب النزول، فقد تقتضي المصلحة تكرار الشيء ذاته في أكثر من مناسبة، وقد تقتضي تكراره مع إضافة شيء أو حذف شيء، والمصلحة في ذلك يحددها رب العالمين سبحانه.
إن نفس هذه الآية بألفاظها ومعانيها تكرر ذكرها حيث وردت في هذه السورة في الآية سبعة وأربعين، فعندما يتكرر نفس اللفظ بذات المعنى فإنه يراد به أحد شيئين: إما التأكيد وإما المناسبة التي تفرض التكرار وذلك بسبب ما يطلبه الناس من الرسول.
وهنا يذكر الله بني إسرائيل بنعمه عليهم والتي كان من جملتها أنه فضلهم على العالمين في عصرهم وهذا ما سوف يسألهم عنه في يوم الحساب.
وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ{البقرة/123}
عليكم يا بني إسرائيل وجميعَ الناس أن تخشوا يوم القيامة الذي لا ينفع فيه إنسان إنساناً ولا يُقبل فيه فدية مالية مقابل النجاة، ولا تُقبل فيه الشفاعة إلا بإذن الله فليس أمامكم سوى خيار واحد وهو طريق الإيمان وما يفرضه عليكم من عمل، وبغير هذه الطريقة فلن ينصركم رب العالمين.
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ{البقرة/124}
لم ينته الحديث عن اليهود وغيرهم من المشركين لأن هذه الآية وسبعة عشرة آية بعدها تحدثنا عن خليل الله إبراهيم(ع) الذي ادعى اليهود أنهم ينتمون إلى دينه، والله عز وجل بهذه الآيات الكريمة يُبطل ما ادعوه حول انتمائهم إلى هذا النبي العظيم، كما وأن لهذه الآيات الثمانية عشر مدخلية في موضوع تغيير القبلة لأنها تحدثنا عن عظمة الكعبة وأنها ليس كما يزعم اليهود.
والإبتلاء هو الإختبار فلقد اختبر الله ثبات خليله على الإيمان بامتحاناته المتتالية والتي يصعب على الإنسان العادي أن يتحملها.
والمراد بالكلمات هي تلك المهمات التي قام بها إبراهيم عبر تاريخه والتي استحق من خلالها أن يبلغ رتبة الإمامة، فلقد أمره ربه أن يذبح ولده إسماعيل فلبى أمر ربه دون تردد، وأمره أن يترك زوجته وولده في مكان قفر ليس فيه جليس ولا أنيس ففعل ذلك، وأمره أن يحطم الأصنام ففعل، وابتلاه بنار النمرود فواجهها بعزم وثبات، ولأجل ذلك أخبرتنا الآية الكريمة أن إبراهيم أتم تلك المهمات، وبعد أن جعله ربه إماماً للناس أحب أن تتماشى تلك الرتبة في ذريته وقد استجاب له ربه وأخبره بأن هذا العهد لا يناله الظالمون من ذريته بل الطاهرون المطهرون.
والإمامة هي مسؤولية للدين والدنيا فهي زعامة لا تضاهيها زعامة في هذا الوجود ولقد كان كثير من الأنبياء أئمة لأنهم قاموا بوظيفة الإمام للناس.
روي عن الإِمام الصادق(ع) أنه قال: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَخِذَهُ نَبِيّاً، وإِنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ نَبِيّاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ رَسُولاً، وَإِنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ رَسُولاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلاً، وَإِنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلاً قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ إِمَاماً، فَلَمَّا جَمَعَ لَهُ الاَْشْيَاءَ، قَالَ: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) قَالَ: فَمِنْ عِظَمِهَا فِي عَيْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قَالَ: لاَ يَكُونُ السَّفِيهُ إِمامَ التَّقِيِّ.
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {البقرة/125}
وإذ جعلنا أي اذكروا أيها الناس كيف جعلنا الكعبة مثابة وأمناً، والمثابة من الثوب أي عودة الشيء إلى حالته الأولى ولما كانت الكعبة مركزاً يتجه إليه الموحدون كلّ عام فهي محلٌ لعودة جسمية وروحية إلى التوحيد والفطرة الاُولى، ومن هنا كانت الكعبة مثابة، وكلمة «مَثَابَةً» تتضمن معنى الراحة والإِستقرار، لأن بيت الإِنسان ـ وهو محل عودته الدائم ـ مكان للراحة والإِستقرار، وهذا المعنى تؤكده كلمة «أَمْناً» التي تلي كلمة «مَثَابَةً» في الآية. وكلمة «لِلنَّاسِ» توضح أنه ملجأ عام لكل العالمين، ولكل الشعوب المحرومة.
وهذه الصفة للبيت هي في الحقيقة استجابة لأحد المطالب التي طلبها إبراهيم من ربه.
وقد أمرنا الله تعالى في هذه الآية أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وقد اختلف المفسرون في معنى هذا المقام فذهب بعضهم إلى أنه المشعر الحرام وعرفة والجمار، وقال آخرون كل حرم مكة مقام، وقال بعضهم ولكن يبدو من ظاهر الآية أن المقام هو مقام إبراهيم المعروف الكائن قرب الكعبة وعلى الحجاج أن يصلّوا خلفه بعد الطواف، ومن هنا كان هذا المقام مصلّى.
ثم تخبرنا الآية بأن الله تعالى أمر إبراهيم وابنه إسماعيل أن يطهرا الكعبة للطائفين والمصلين، وقد اختُلف في المراد من هذه الطهارة، هل هو تطهير الكعبة من الأصنام أو هو تطهيرها من دماء الذبائح التي كانت تُذبح عندها، أو أن المراد به هو إخلاص النية عند بنائها، وبما أنه لم يرد تحديد لهذه الطهارة فهي تعني تطهير هذا البيت ظاهرياً ومعنوياً من كل تلويث.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {البقرة/126}
تذكر الآية طلبين طلبهما إبراهيم الخليل من ربه، الطلب الأول وهو أن يجعل الله بيته الحرام موضعاً آمناً، والأمن مفهوم واسع ينطوي على الكثير من المصاديق والعناوين، وقد استجاب الله لخليله فجعل بيته آمناً بالمعنى العام، وأما الطلب الثاني فهو دعاء إبراهيم لربه أن يرزق أهل هذا البلد من الثمرات.
وفي الحقيقة نحن لا نعرف من هو المقصود بأهل هذا البيت هل هم سكان مكة أو كل من حج البيت، ونحن من خلال ثقتنا الواسعة برب العالمين نرجح المعنى الثاني.
ثم لا بد من معرفة شيئين: الشيء الأول أن أهل مكة ليسوا كلهم مؤمنين بالله واليوم الآخر، والشيء الثاني هو أن إبراهيم(ع) خص الذين آمنوا باليوم الآخر، وبناءاً على ذلك يمكن أن يكون المراد بأهله هم الذين يحجون إليه تلبية لأمر الله عز وجل وذلك بدليل أن بعض المفسرين ذهب إلى أن معنى الثمرات في الآية ليس الثمار الذي يؤكل بل ثمار الإيمان والقلوب، وقد أشار علي(ع) إلى تلك الثمار بقوله: تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ: ويمكن أن يكون المراد الثمار التي تؤكل لأن المواهب الإقتصادية لا يمكن أن تكتمل إلى بالأمن والإستقرار، والطلب الأول لإبراهيم كان طلب الأمن، والبلد الآمن لا بد أن يكون اقتصاده سالماً وقوياً.
ويمكن القول بأن المراد هو طلب الثمرات الغذائية للبدن بدليل أن الله سوف يرزق المؤمن وغير المؤمن، وغير المؤمن لا يُرزق ثمرات القلوب، فيكون المراد بالثمرات هو الطعام، وقد أخبر الله خليله بأنه سوف يستجيب له وسوف يرزق أهل هذا البلد مؤمنهم وكافرهم أما رزقه للكافر فهو من باب رحمانيته الشاملة لجميع خلقه فإنه سوف يمتعهم قليلاً بهذا الرزق ثم يعاقبهم في يوم القيامة على كفرهم وعصيانهم، وأما المؤمنون فسوف يرزقهم الله في الدنيا والآخرة.
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{البقرة/127}
واذكروا أيها الناس نعمة الله عليكم عندما بنى لكم هذا البيت المعظم الذي له من الشأن ما لا يعلم إلا الله تعالى.
وهذه آية قصيرة بألفاظها ولكن معانيها عميقة فهي تشتمل على أكثر من بحث.
نبدأ تفسير هذه الآية بقوله تعالى(يرفع) ومعنى الرفع غير معنى البناء فقد يعبّر عن بناء الشيء لشيء لم يكن من الأساس ثم بني، وأما الرفع فلعله يشير إلى مسألة معالجة البناء أو إعادة بنائه، وهذا يعني أنه كان موجوداً، فإبراهيم رفع القواعد من البيت الذي كان موجوداً قبله، ويُستدل من كلام أهل العصمة(ع) أن الكعبة بنيت في عهد آدم(ع) لأن أول بيت للعبادة بني على الأرض كانت الكعبة التي قال الله فيها(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) وقد اختبر الله خلقه بهذا البيت من عهد آدم وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين علي(ع) حيث قال: ألاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، بَأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، فَعَجَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ (الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً) إلى قوله(ع) :ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ:
وإن أبرز وأقوى دليل على كون إبراهيم أعاد بناءها هو قوله تعالى(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) أي عند الكعبة، وكان ذلك قبل أن يرفع القواعد بسنوات طويلة لأن إسماعيل وقت ذاك كان طفلاً رضيعاً أما عند بناء الكعبة ورفع قواعدها كان شاباً يافعاً.
وبعد أن تمت إعادة رفع القواعد جلس إبراهيم وإسماعيل هناك ودعوا الله تعالى أن يتقبل منهما هذا العمل العبادي الذي سوف يستمر إلى يوم القيامة.
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{البقرة/128}
يتابع إبراهيم وإسماعيل دعاءهما لله عز وجل فيسألاه أن يجعلهما مسلمين وأن يمن عليهما بذريو مسلمة تسير في طريق التوحيد وأن يرشدهما إلى المناسك المطلوبة منهما وأن يتوب عليهما، وهذا ما ينبغي على كل مؤمن أن يطلبه من رب العالمين فإن إبراهيم وإسماعيل سألا الله ذلك وفي نفس الوقت كانا يعلمان الناس دروساً في التوحيد.
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ{البقرة/129}
ويتابعا الدعاء ويسألا ربهما أن يمن على البشرية ببعث رسول من ذريتهما وقد استجاب لهما ربهما ذلك فبعث إلينا رسوله محمداً(ص) الذي تلا علينا آيات الله وعلمنا القرآن والحكمة وأرشدنا إلى طريق الخير فكان رحمة للعالمين حيث وضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ{البقرة/130}
كان إبراهيم(ع) شيخ الأنبياء والموحدين وقدوة للصالحين ولأجل هذا كان طريقه طريق السعادة، ولا يرغب عن هذه الطريق الطيبة ويتركها إلا الإنسان السفيه الذي لا يضع الأمور في مواضعها، ثم يخبرنا الله تعالى بمكانة خليله إبراهيم في الدنيا والآخرة أنه اصطفاه في الدنيا فجعله نبياً وخليلاً وسوف يكون في الآخرة من الصالحين في درجة يغبطه الناس عليها.
الشيخ علي فقيه



