
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{البقرة/21}
هنا يوجه الله تعالى خطاباً عاماً إلى جميع الناس يأمرهم فيه بالعبادة مبيناً لهم حقه عليهم أنه خالقهم وخالق من سبقهم من المخلوقين والمخلوقات، فحق الخالقية يقتضي أن يطيع المخلوق خالقه في كل ما يأمره به وينهاه عنه، فاعبدوا ربكم لعلكم تصلون إلى درجة التقوى فيكتبكم عنده من أهلها.
وتشير الآية إلى أن مردّ العبادة هو على الإنسان وليس على الله الذي لا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه، ثم إن هذا الخطاب موجه إلى الجميع حيث يجب على الجميع أن يعبدوا الله تعالى إلى أية فئة انتموا، فنتيجة العبادة الصادقة هي التقوى التي جعلها الله مفتاح كل خير في الدنيا والآخرة، ولعلها تضمنت رداً على الذين برروا عبادتهم للأوثان لأن آباءهم كانوا يعبدونها، وقد كان واجباً على آبائهم أن يعبدوا الله وحده لأنه خالقهم ورازقهم، وإذا كان الآباء مخطئين فلا ينبغي أن نسير على خطئهم(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{البقرة/22}
يجب على الإنسان أن يعبد الله لأنه خالقه ولأنه صاحب كل نعمة عليه، فلقد خلق الله الأرض وجعلها أهلاً للعيش، فنحن نركب هذه الكرة التي تسير بسرعة فائقة في الفضاء دون أن نشعر بذلك لأنه تعالى جعلها صالحة للسكن وملائمة لأجسادنا، وقد فسر لنا الإمام زين العابدين(ع) هذه الآية حين قال: جَعَلَهَا مُلاَئِمَةً لِطِبَاعِكُمْ، مُوافِقَةً لاَِجْسادِكُمْ وَلَمْ يَجْعَلْهَا شَديدَةَ الْحماء وَالْحَرارَةِ فَتُحِرقَكُمْ، وَلاَ شَدِيدَةَ البُرودةِ فَتُجْمِدَكُمْ، وَلاَ شَديدَةَ طيب الرّيح فَتَصدَعَ هَامَاتِكُمْ، وَلاَ شَديدَةَ النَّتْنِ فَتُعْطِبَكُمْ، وَلاَشَديدَةَ اللِّيْن كَالْمَاءِ فَتُغْرِقَكُمْ، وَلاَ شَديدَةَ الصَّلاَّبَةِ فَتَمْتنِعَ عَلَيْكُمْ في دُورِكُمْ وَأَبْنِيَتِكُمْ وَقُبُورِ مَوْتَاكُمْ … فَلِذَلِكَ جَعَلَ الأَرْضَ فِرَاشاً لَكُمْ:
ثم عمد الله تعالى إلى السماء فجعلها بناءاً متماسكاً من غير عمد ثم أنزل من السماء ماءاً، ولفظ السماء تارة يُقصد به حقيقة السماء التي عبر الله عنها بالبناء، وتارة يقصد بها جهة العلو، فالماء لا ينزل حقيقة من السماء بل من جهتها، ولولا الماء النازل من السماء لما كانت الأرض صالحة للعيش، وهذه نعمة من نعم الله علينا، وإلى هذه النعمة يشير الله تعالى بقوله(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ) ورغم أن الله خالقكم وأنه أنعم عليكم بنعمة الأرض والسماء وما فيهما جعلتم لله أنداداً وأنتم تعرفون الحقيقة كمعرفتكم أولادكم.
تلك الأنداد أنتم صنعتموها بأيديكم من حديد أو خشب أو حجر وقد وسوس لكم الشيطان فعبدتموها من دون الرحمن.
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ{البقرة/23}
أحياناً تدخل الرَيبة إلى قلب الإنسان بسبب الجهل الحقيقي فيسلك الطريق الخطأ، ولكنه عندما يعلم بحقيقة جهله يسعى وراء المعرفة ليسلك الطريق الصحيح، إن التعامل مع هذا النوع من البشر سهل للغاية فلا يكلفنا الأمر معه سوى بيان الدليل وتنتهي المشكلة، أما المجموعات النفاقية المعاندة التي ابتلي بها رسول الله(ص) فكانت عكس ذلك، كانوا يعرفون الحق ولا يتبعونه، ويرون الباطل ويركبونه، ولأنهم أصحاب أنفس خبيثة ونوايا فاسدة كانوا يظنون السوء بكل ما حولهم، وهذا الأسلوب في التعاطي وقف حائلاً بينهم وبين معرفة الحق رغم وضوحه.
لقد جاءهم رسول الله بالقرآن وهم أهل فصاحة وبلاغة وهم أعرف من غيرهم بكونه كلام خالق وليس كلام مخلوق، وقد أدركوا الإعجاز لحظة أن سمعوا بعض آياته ولكنهم كالعادة راحوا يشككون الناس بالقرآن ويدّعون بأنهم قادرون على الإتيان بمثله، وهنا جرى تحد حاسم بين النبي والمشركين حول القرآن الكريم وقد جرى على ثلاث مراحل، ففي المرحلة الأولى تحداهم بكل القرآن الذي كان موجوداً بين أيديهم ولم يكن قد اكتمل نزوله آنذاك، وفي المرحلة الثانية تحداهم بعشر سور من مثل سوره، إلى أن أتت اللحظة الحاسمة والضربة القاصمة فتحداهم بسورة واحدة فجمعوا علماءهم وكبارهم واستهلكوا سنوات من الوقت فعاد الجميع خائبين، وقد اعترف كبارهم بصدق محمد كما اعترف السحرة بصدق موسى ولكنهم عاندوا وأصروا على الوثنية لأن فيها مصالحهم وزيادة ثرواتهم.
وذات مرة أتى أعظم فصحاء العرب في زمن النبي فقال لمن معه ألا أقوم لمحمد وأعرض عليه أموراً لعله يقبل ببعضها ويكف عنا؟ فقالوا له قم يا أبا الوليد، فجاء إلى رسول الله وقال له: يا محمد.. إن كنت تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرَنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطعَ أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملّكناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك مرضاً لا تستطيع رده طلبنا لك الطب وبذلنا لك الأموال حتى تبرأ: فقال له(ص): إسمع يا أبا الوليد: (بسم الله الرحمن الرحيم،حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ) ذُهل أبو الوليد مما سمع من رسول الله ولم يستطع أن يجيب النبي بشيء فرجع إلى قومه مذهولاً فقالوا له ما بالك يا أبا الوليد هل سحرك محمد؟ فقال لهم: سمعت منه قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعتُ منه نباٌ عظيم:
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ{البقرة/24}
إذا لم تأتوا بمثل القرآن وأنا على يقين من أنكم لن تأتوا بمثله لأن الله أخبرني بذلك، فما عليكم سوى أن تؤمنوا بالله وتتقوا النار التي تتقد بالناس والحجارة لأن إنكار القرآن يؤدي بكم إلى تلك النار، ولعل المراد بالحجارة في الآية هي تلك الأصنام الحجرية التي كانوا يعبدونها من دون الله عز وجل بدليل قوله تعالى(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) فجمعٌ من المفسرين تبنوا هذا الرأي، وقال آخرون إن المراد بالحجارة صخور معدنية كبريتية تفوق حرارتها حرارة الصخور الاُخرى، وذهب آخرون إلى أن هذا التعبير فيه لفت نظر إلى شدة حرارة جهنم التي تشتعل بها الصخور لشدتها.
وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{البقرة/25}
ذكرت الآيات السابقة مصير الكافرين والمنافقين وهو النار التي كان وقودها الناس والحجارة، وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى مصير المؤمنين، فلقد أمر رسوله بأن يبشر المؤمنين بالجنة، وأن لهم في الجنة جناتٍ تتغذى أشجارها من ماء مستقر تحتها فهي ليست بحاجة إلى سقاية، وهذا النوع من البساتين يأخذ بالنمو والنضارة بسبب تدفق الماء عليه باستمرار، ففي الجنة ما تشتهي الأنفس دون أي تعب أو عناء فمجرد أن يتمنى المرء فيها شيئاً يجده حاضراً عنده، وإننا مهما حاولنا أن نبيّن ما في الجنة فإن ما فيها أعظم حيث أعد الله لعباده ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر.
ثم تشير الآية الكريمة إلى نقطة هامة، وهي أن الذي يُرزق في الجنة برزق يقول هذا الذي رزقنا من قبل، وحول هذه الآية تعددت آراء المفسرين.
ذهب البعض منهم إلى أن المراد بقوله تعالى(كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) أي أن هذا الذي رزقنا الله به هنا إنما غرسنا بذوره في عملنا الصالح الذي كنا عليه في دار الدنيا، وذهب آخرون إلى أنه عندما يؤتى إلى أهل الجنة بثمار كانوا قد تناولوه من قبل في الجنة أيضاً يقولون للملائكة لقد تناولنا مثل هذا الرزق من قبل فتطلب منهم الملائكة أن يتناولوه مجدداً فيأكلونه فيجدون بأن طعمه مختلف عن المرة السابقة، وذهب بعضهم إلى أن أهل الجنة يشبّهون ثمار الجنة بثمار الدنيا ولكنهم يجدون فيها طعماً آخر ألذ مما كان عليه في الدنيا.
وليس لأهل الجنة فاكهة فقط بل إن لهم أزواجاً مطهرة وهي الحور العين جزاءاً من الله لهم بما قدموا لأنفسهم في دار الدنيا، وسوف تبقى السعادة تغمرهم إلى الأبد دون ملل أو كلل.
إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ{البقرة/26}
ذكر جمع من المفسرين عن ابن عباس أن المنافقين اعترضوا على تلك الأمثلة القرآنية مدعين بأن الله لا يضرب مثل هذه الأمثال التي رآها المنافقون وضيعة، وكان الهدف من كلامهم تشكيك الناس بالقرآن وهم يعلمون أنه من عند الله لأجل ذلك أنزل الله هذه الآية التي بين فيها أنه لا يستحيي من ضرب الأمثال مهما كانت صغيرة أو حقيرة في نظر البعض لأن الغرض من ضرب المثال هو إيصال الفكرة إلى الأذهان، وإن كثيراً من المسائل لا يمكن أن تتضح إلا بالأمثلة التي تُضرب ولا تقاس، وتجاه هذه الأمثلة القرآنية انقسم الناس إلى مجموعتين.
المجموعة الأولى: هم المؤمنون الذين عرفوا الهدف من ضرب المثل وأيقنوا بأن ذلك هو الحق الذي أنزله الله تعالى.
المجموعة الثانية: هم الكفار ومن بحكمهم من المنافقين الذين كانوا يعرفون بأن هذا كلام من عند الله ولكنهم اعترضوا عليه من باب التضليل والتشكيك فما ربحت تجارتهم.
(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) أي أن الله تعالى يضرب الأمثال بحسب الحاجة إليها، فقد تكون الحاجة في أن يضرب مثلاً بحجم البعوضة وما فوقها في الصغر أو في الكبر حيث ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بقولها فما فوقها أي ما يفوقها في الصغر، وذهب آخرون إلى أن المراد ما هو أكبر منها، وكلاهما صحيح لأن الله تعالى يضرب المثل بحسب الحاجة إليه مهما كان صغيراً أو كبيراً.
وإذا كان ضرب مثل هذه الأمثال فيها إضلال كما يدعون فهو إضلال للفاسقين وهدى للمؤمنين.
الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{البقرة/27}
بعد أن أخبرنا الله تعالى في الآية السابقة أن تلك الأمثال تضل الفاسقين ذكر لنا عدة صفات من صفات الفاسقين.
الصفة الأولى: أنهم ينقضون العهد والميثاق، وقد كان لهم مع رب العالمين عهد بالتوحيد والربوبية وذلك في مرحلة خاصة من مراحل وجود الإنسان، وقد أشار الله تعالى إلى تلك العهود والمواثيق بقوله(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) وكذلك في موضع آخر قال تعالى(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فكل إنسان في هذا الوجود يولد على فطرة التوحيد إلا أنه بعد البلوغ يختار الإتجاه الآخر الذي يخالف الفطرة التي فطره الله عليها بعد أن يدير أصول أذنه إلى وسوسات الشيطان الغوي، وقد أشار أمير المؤمنين علي(ع) إلى هذه الحقيقة الثابتة حيث قال: وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ:
أما الصفة الثانية من صفات الفاسقين فهي أنهم يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، ذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود بالقطع والوصل هنا هو قطع الرحِم ووصله، ولكننا نعتقد بأن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير لأن هؤلاء الفاسقين لم يقطعوا صلة الرحم فقط وإنما قطعوا كل ارتباط أمر الله به كتلك الروابط الأسرية والإجتماعية وخصوصاً الإرتباط مع الله تعالى عبر الإيمان به والإلتزام بأوامره ونواهيه.
وأما الصفة الثالثة من صفاتهم فهي أنهم يفسدون في الأرض لأنهم في الواقع جماعات فاسدة.
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{البقرة/28}
أعجب العجب أن ينسى المرء نفسه ويُنكر بعض الحقائق الثابتة التي يراها بعينه وقلبه، وهذه الآية الكريمة تبعث على التأمل والتفكر في حقيقة ثابتة لا ينكرها إلا المعاند الجاهل وهي حقيقة الموت والحياة، ويحاول الله تعالى عبر هذه الآية أن يحرك فينا قوة الفطرة التي فطرنا عليها.
فقد يكفر الإنسان بما لا يرى أو بما هو جاهل به كلياً ولكن عندما يكفر بما هو واضح كالشمس أمامه فهذا يعني أن الشيطان قد سيطر عليه بشكل كامل.
الله تعالى يخلق ويربي ويهيء ويُنعم على الإنسان بنعم لا تعد ولا تحصى حتى إذا اشتد عظمه وتماسك جلده يواجه نعم ربه بالكفر والطغيان وينسى أنه عبد من عبيده يجب أن يطيعه في كل شيء، قال علي(ع): أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ، وَشُغُفِ الْأَسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً، وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً. ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لْافِظاً، وَبَصَراً لْاحِظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً; حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً، مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ:
كيف تكفرون أيها الناس بربكم وكنتم أمواتاً فأحياكم، فقبل أن يخرج الإنسان إلى هذه الحياة كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم كونه ربه أي أنه كان ميتاً أو لم يكن شيئاً فأجده الله من العدم وأحياه بعد أن كان ميتاً، والله تعالى لم يحيكم فقط بعد الموت بل إنه سوف يميتكم أيضاً بعد هذه الحياة، ولن يقف الأمر عند هذه الحدود وإنما سوف يحييكم جميعاً في يوم القيامة للحساب، ومع ذلك فإنكم تكفرون به وأنتم الخاسر الأكبر في ذلك، ثم أشارت الآية الكريمة إلى الرجوع بعد البعث، وهذا يعني أن البعث شيء والرجوع شيء آخر.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{البقرة/29}
هذا الإله العظيم الذي تكفرون به رغم أنه أحياكم وسوف يميتكم ثم يحييكم هو الذي خلق لكم كل ما تحتاجون إليه في هذه الحياة وقرّب شيئاً إلى شيء وأبعد شيئاً عن شيء حتى نعيش بأمان ورغد، فهو صاحب كل نعمة في هذا الوجود، وهذا يعني لك أيها الإنسان أنك أهم مخلوق في هذا الوجود الذي سخّر الله كل ما فيه من أجلك ولم يصنع ذلك مع غيره، وأنت بدل أن تشكره تكفر به إنها جريمة كبرى تستحق عليها العقاب الشديد.
ثم استوى إلى السماء، والإستواء هو السلطة والإحاطة والله محيط بجميع مخلوقاته رغم كثرتها وتباعدها، وكلمة ثم لا تعني أنه خلق السموات بعد أن خلق ما في الأرض فهي لا تفيد التأخير الزماني وإنما تُستعمل للبيان وفهم الأمور وسرد الحقائق، ثم أشارت الآية إلى كون الله تعالى عليماً بكل شيء.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{البقرة/30}
كانت مسألة خلق آدم وجميع المسائل موجودة في علم الله تعالى منذ الأزل، فلم يكن الأمر حديث عهد لديه ولحكمة منه سبحانه أخبر ملائكته بأنه سوف يتخذ خليفة في الأرض، ولعل الإخبار هنا شمل جميع الملائكة لأن الجميع كانوا معنيين بهذا الأمر، ولا ندري السبب في إخبارهم، هل هو مشاركة في الأمر؟ أم اختبار لهم ليبيّن لهم حقيقة معيّنة؟ فلم يكن استشارة، لأنه تعالى ليس بحاجة إلى ذلك، بل هو الفعّال لما يريد، ولا يسأله أحد عن فعله، بل هو يسأل الجميع عن أفعالهم.
لقد قال لهم ربهم تعالى(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) وما عليهم سوى أن يهيؤوا أنفسهم لعملٍ جديد ومهمات غير التي كانوا مكلّفين بها قَبلاً.
ونلاحظ بأن الله سبحانه أخبر ملائكته بأنه سوف يجعل في الأَرْضِ خليفة، وقد خلق هذا الخليفة في الجنة وأسكنه فيها، فهل المراد بلفظ(الأَرْضِ) هنا أرض الجنة؟ أم أنه تعالى أخبرهم بالنتيجة والعاقبة التي سيؤول إليها أمر هذا الخليفة بعد أن يخالف ويأكل من الشجرة؟ فهنا احتمالان:
الإحتمال الأول: وهو ربما يكون المراد بلفظ(الأَرْضِ) الجنة التي قال الله تعالى في شأنها(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
الإحتمال الثاني: ربما أخبر الله ملائكته بالنتيجة لعلمه تعالى بأن مقرّ آدم وذريته سوف يكون على الأرض التي نحن عليها، فكلا الإحتمالين وارد، ولا نرجّح أحدهما على الآخر، وإن كان البعض قد رجّح الإحتمال الثاني.
والخليفة هو النائب عن الغير، وقد جعل الله تعالى وجود الإنسان في الأرض خلافة عنه يترجم تعاليم ربه على نفسه وبين قومه وفي مجتمعه، وإن نفس استخلاف الإنسان على هذا الكوكب إنما هو تكريمٌ له من قِبَل خالقه.
وقد أوضح لنا رسول الله محمد(ص) شيئاً عن معنى الخلافة حيث قال:مَن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر هو خليفة الله في الأرض وخليفة كتابه وخليفة رسوله:
فبعد أن أخبر الله ملائكته بخلق هذا الخليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها، ونحن باعتقادنا أن الملائكة كانت في مقام الإستفسار وليس في مقام الإعتراض لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولذا أجابهم ربهم بأني أعلم ما لا تعلمون، وسوف تدركون ذلك عما قريب.
الشيخ علي فقيه



