
علة الإبتلاء
أكثر الناس يرغبون بمعرفة علة الإبتلاء لأن معرفة ذلك يهوّن عليهم كثيراً من المعارف ويُبعد عنهم شبح الشك والإتهام، وإذا عُرف السبب بطل العَجب، وانطلاقاً من هذه القاعدة سوف نتحدث عن علة الإبتلاء مستدلين بالآيات الكريمة وأحاديث أهل العصمة حتى يخرج الكلام من القلب ويدخل إلى القلوب من دون تعدد وسائط في إيصال الفكرة.
ونحن نعرف الحكمة من وجود الخلق في هذه الحياة فلقد أوجدنا الله فيها ليختبرنا ويميز المؤمن من غير المؤمن ويجزي كل واحد بحسب عمله، قال تعالى في سورة آل عمران(مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) فالحكمة هنا من الإبتلاء والإختبار هو تمييز الناس مَن منهم يؤمن ويعمل ومن منهم يكفر ويجحد، وهذه سنّةٌ قد أجراها الله تعالى على جميع الأمم قبل مبعث خاتم الأنبياء فهي ليست خاصة بفئة دون فئة أو بإنسان دون آخر فالحكم شامل للجميع من دون استثناء، وإلى هذا يشير تعالى بقوله(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) فإن كل ما يمر علينا في هذه الأيام وكل ما ينزل بنا من أنواع المصائب ليس أمراً جديداً فلقد مر ما هو أسوأ منه على الذين سبقونا في الحياة، فلو قرأنا عنهم لعظم الأمر في نفوسنا وعلِمنا بأننا لسنا المستَهدَفين الأواحد من قبل الإمتحان المسنون بل الجميع خضعوا له وسوف يخضع له كل الأجيال الآتية إلى يوم القيامة قال سبحانه(وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)
أنتم تتأذون وأعداؤكم يتأذون أيضاً إذ لا راحة لأحد من ثقل الإمتحان فقد يتأذى المؤمن أكثر مما يتأذى الكافر غير أن هناك فرقاً بين المؤمنين وغيرهم بالهدف الذي يُبتلون لأجله فالمؤمن يبتلى من أجل الله وما عنده من الثواب، والكافر يُبتلى ليزيد الله في تعذيبه، وقد أشير إلى هذه الناحية العظيمة بقوله تعالى(وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) الجميع يتأذى ولكن ما يرجوه المؤمن من وراء صبره وتحمّله غير ما يرجوه الكافر.
وقد علّمنا علي ميزان هذا الأمر فقال: ألا إن الله تعالى قد كشف الخلق كَشفةً لا أنه جهِل ما أخفَوه من مَصُون أسرارهم ومكنون ضمائرهم ولكن ليبلوهم أيهم أحسن عملاً فيكونَ الثوابُ جزاءاً والعقاب بَواءاً:
الشيخ علي فقيه



