
ما أشد حاجتنا في هذا الزمن المتلون إلى موعظة تنقلنا بأرواحنا إلى عالم الملكوت الأعلى ليُرينا عبر بصائرنا ما يمكن أن ينفعنا في تلك المرحلة الشديدة، وما يجلب لنا السوء في يوم نحن بأمس الحاجة فيه إلى الشفاعة والرحمة، وليس بالضرورة أن تأتي الموعظة عن طريق واعظ من البشر إذ يمكن اكتسابها عبر طرق أخرى.
إن من الضروري أن ننظر بقلوبنا وعقولنا إلى مشاهد اليوم الموعود وما يسبقه من موت وقبر وبرزخ لننقي أنفسنا من رواسب هذه الدنيا التي طالما قتلت الكثير حين أغوتهم بظاهرها الجميل المشابه لحقل أخضر وبستان جميل يقبح فوق هضبة بركان على شفير الإنفجار الذي إن حدث فلن يُبقي الأخضر أخضراً ولا الحي حياً.
ما أشد حاجتنا في هذه الأيام إلى من هو أهلٌ للوعظ والإرشاد حيث الشعور عنده بالأمان والسكينة مع علمنا بقلة عدد هذا النوع من الواعظين، والقلة في هذا المجال خير من الحرمان، فإنهم وإن كانوا قلائل إلا أن بركاتهم تعم الأرض ومن فيها وما عليها.
لهذا نحن بأمس الحاجة إلى صدر رحب ونفس زكية وقلب خاشع يقربنا من الله تبارك وتعالى وتذكّرنا الله رؤيته حيث انحرفنا كثيراً عن الصراط المستقيم لأسباب لا تُعد.
ثم إن طالب الموعظة يتعظ بها من دون ملاحظة مصدرها حتى ولو صدرت من غير العاقل لأن هم العاقل هو الإتعاظ الدافع له نحو الطاعة، وسوء فعل بعض الواعظين لا يبرر لنا ترك الموعظة أو الوقوع في الخطأ حيث أن له حسابه ولنا حسابنا، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
إن هناك مصدرين هامين للموعظة بشكل خاص وللعلم كله بشكل عام وهما باقيان ما بقي الدهر لا يزولان ولا يتأثران بشيء وهما كتاب الله الصامت وكتابه الناطق المتمثل بالنبي وآله(ص) فلا عذر لنا من انحراف الواعظين لأن القرآن أعظم واعظ وأكبر حجة على البشر وهو كتاب ينطق بالحق وفيه المواعظ التي يطلبها الجميع من جميع الطبقات، وكذلك كلام النبي وآله فإن فيه الدواء والشفاء لأنهم لا ينطقون إلا بما ينفع الناس حيث استلهموا العلم من الله سبحانه وتعالى عبر الوحي الذي كان ينزل على رسوله، ولهذا وجدنا في كلامهم جواهر الكلام وفي نصحهم أبلغ البيان وأهم المواعظ فإذا أراد الواحد منا أن يعظ نفسه فليرجع إليهم وسوف يجد الحق عندهم ويلمس ما يريد لديهم فهم مصدر الخير للبشرية بجميع وجوهه وأشكاله ومراتبه.
ومن مواعظ أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة كلامه في الحث على التزود للآخرة حيث يقول:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ، أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ المِضْمارَ، وَغَداً السِّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغَايَةُ النَّارُ; أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ (5) ! أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ; وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ، أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ، أَلاَ وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلاَ وَإنَّهُ مَنْ لاَيَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ البَاطِلُ، وَمَنْ لايَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَىْ، أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادَ. وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً:
إنها خير موعظة للناس لو وعتها القلوب واستوعبتها الأفكار لأن المواعظ الواردة عن أمير المؤمنين تحتاج إلى شيء من التأمل والتفكر حتى نفهم المراد منها بسبب عمق كلامه الذي كان ظاهره رائعاً وباطنه أروع.
يخبرنا الإمام في مطلع هذه الموعظة أن الدنيا في حالة تراجع مستمر وأن كل لحظة من الزمن تمر فهي تنقص من عمرها بمقدار ما مر من الوقت بعلم الله عز وجل، وبمقدار ما يمر من عمر الدنيا بمقدار ما تدنو من الآخرة، وهذا معنى إدبار الدنيا وإقبال الآخرة، وهذه الحالة الزمنية تشبه حالتي القرب والبعد منهما فإنك بمقدار ما تقترب من إحداهما بمقدار ما تبتعد عن الأخرى، وفي إدبار الدنيا موعظة للمتعظين الذين إذا فكروا في مصيرهم المحتوم لرجعوا إلى الحق وأسسوا لأنفسهم ضمانات تضمن لهم أحوالهم في يوم الحساب، وإدبار الدنيا يعني وهن العيش فيها ووهن التعلق بها إذ كيف تعلِّق قلبك وروحك وجوارحك في شيء زائل في العاجل أم في الآجل، والناس تجاه مسألة الدنيا والآخرة صنفان:
صنف فهموا الحقيقة كلها فنظروا إلى الدنيا على أنها مرحلة لها بداية ولها نهاية وأنها دار ممر نعبر منه نحن البشر إلى دار المقر الذي هو الآخرة، فهم يتعاملون معها على هذا الأساس وينطلقون من خلال هذا الفهم الجيد لمعنى الحياة الدنيا، ومنهم من أغوتهم الدنيا وأنستهم أنفسهم وأبعدتهم عن ساحة الإيمان والتفكر في شأن الآخرة التي هي الهدف الأساس من وجود الإنسان في مرحلة الحياة الدنيا، فهؤلاء لم يتعاملوا مع الحياة بحذر فأوقعتهم واستعبدتهم وامتلكت نفوسهم وأرواحهم ففصلت بينهم وبين عالم الآخرة وهم يدركون تماماً بأن الدنيا ليست دار قرار لهم، وإذا كانوا يعلمون ذلك فعلاما تعلقت أرواحهم بهذه الحياة على هذا الشكل القاتل الذي وضعهم في دوائر الذين خسروا أنفسهم فلم يربحوا الدنيا لأنها لم تبق لهم ولم يربحوا الآخرة لأنهم لم يعملوا لها عملها ولم يسعوا سعيها حيث أن اكتساب الآخرة له شروط وهم لم يلتزموا بتلك الشروط حتى يصبحوا من أهلها، هذا بالإضافة إلى أن تلك الشروط في متناول أيدي الجميع وضمن قدراتهم لأنه تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها.
فلا ينبغي لأي إنسان مهما كان واعياً وحذقاً أن يدير ظهره للدنيا لأنها غدارة ومخادعة تجعل الإنسان غارقاً في الوهم حتى تقضي عليه.
ونحن باستطاعتنا أن نحصّن أنفسنا من سطوات الدنيا وزخارفها وشهواتها وذلك عن طريق الأخذ بمواعظ أهل الموعظة وعلى رأسهم رسول الله محمد وآله(ص) فلو أننا أعرنا جماجمنا قليلاً لهذه المواعظ الكريمة لرأينا أثرها ولمسنا فوائدها، فالدنيا أدبرت وآذنت بوداع أي أنها تهيئ نفسها للفناء، وأما الآخرة فإنها تستعد لاستقبال الخلق وإجراء الحساب والثواب والعقاب فلا ينبغي أن نسمح لأنفسنا بأن تمتلكنا بل يجب الإنتباه منها حتى لا توقع بنا في حفرها العميقة.
الحلقة(6)
العمل في أيام الأمل
قال أمير المؤمنين علي(ع)
أفلا تائبٌ من خطيئته قبل منيته؟ ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرره أجله، ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عملَه وضرّه أجله:
تشتمل هذه الموعظة على مفاهيم جليلة من مفاهيم الإسلام ودروس قيمة يجب فهمها والعمل على طبقها لأنها ذات منفعة لا حدود لها، ونحن بدورنا ينبغي أن نحصر تلك المفاهيم حتى يتسنى لنا الإستفادة منها.
المفهوم الأول: وهو مفهوم التوبة، والتوبة هي إحدى عوامل الرحمة الإلهية الواسعة لأنها فرصة منّ الله بها على عباده المقصرين كيلا تُبرم عليهم تبعات معصياتهم فيعاقبون عليها في يوم القيامة، والتوبة تغسل الذنوب فتجعل التائب نقياً فلا ذنوب ولا تبعات بشرط أن يكون مخلصاً في توبته وعازماً على عدم العودة لفعل الذنب وهي التوبة النصوح التي طلبها الله منا حيث يقول في محكم كتابه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) والتوبة النافعة والمقبولة هي التي تصدر عن الإنسان الذي ما زال قادراً على فعل الحرام وقد تاب منه خوفاً من عقاب الله أما الذي يتوب عندما يفقد القدرة على فعل الذنب بحيث لو رجعت القدرة له لعاد إلى فعل الذنوب فهذا لا يقبل الله منه التوبة ولا من الذين يتوبون عندما يعينون الموت، وفيه قال سبحانه(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) والإمام(ع) يناشدنا من أجلنا من أجل أن نرحم أنفسنا وننقذها من العذاب وأن نسرع بالتوبة قبل فوات الأوان حيث لا يعلم الإنسان متى يأتيه الموت.
المفهوم الثاني: الإسراع بالعمل لأن الدنيا مرحلة سباق فالسابق لاكتساب الخير هو الرابح، ومسألة الإسراع واستغلال الوقت والفرصة أمر ملح لأن الموت لا يعطي إنذاراً ولا يخبر أحداً بقدومه، ومن هنا وجّه القرآن أمراً بالإسراع حيث يقول سبحانه(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) وقال(وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)
المفهوم الثالث: من المفاهيم التي أشار لها الإمام(ع) في موعظته مفهوم الأمل، وهناك معيار للأمل فلا قطع نهائي له ولا إطالة فعلى الإنسان أن يتأمل بالعيش ويبني ويعمل ويؤسس على قاعدة إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، وفي نفس الوقت عليه أن لا يطيل الأمل في الحياة كيلا يُقعده طول أمله عن العمل حيث ورد أن طول الأمل يبطل العمل، وحدود الأمل هو أن لا تظن بأنك سوف تبقى على قيد الحياة لأنه ليس لأحد أن يبقى وفي نفس الوقت لا ينبغي أن تقطع الأمل كيلا تيأس فلا تستطيع أن تعمل مع اليأس، وبمعنى آخر عليك أن تتذكر الآخرة دائماً، واعمل بما قاله علي(ع) إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.
وأعيد ذكر موعظة الإمام(ع) أفلا تائبٌ من خطيئته قبل منيته؟ ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرره أجله، ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عملَه وضرّه أجله:
الحلقة(7)
العمل في الرغبة كالعمل في الرهبة
يقول سيد الحكماء وأمير المؤمنين والبلغاء علي(ع)
ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضرره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى يجرَّ به الضلال إلى الردى، ألا وإنكم قد أُمرتم بالظعن ودُللتم عل الزاد وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان إتباع الهوى وطول الأمل فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تُحرزون به أنفسكم غداً:
من الطبائع الغريبة والأساليب الفاسدة التي نشأ عليها الإنسان أنه يلجأ إلى ربه في حالات الشدة ويستغني عن هذا اللجوؤ في حالات الرخاء فلا يذكر ربه إلا عند حدوث الخوف والشعور بالخطر، ولا يعمل الصالحات إلا عند الرهبة، وهذا ليس من الإيمان لأن الإيمان الصحيح يفرض على صاحبه أن يعيش مع الله تعالى في جميع الحالات والظروف على حد سواء في الشدة والرخاء وعند نزول النعمة ونزول البلاء، فالذي لا يعمل إلا عند الشعور بالخطر لا يُكتب من العاملين حيث يجب العمل على وجه الدوام وتجب الطاعة في جميع الحالات، وهؤلاء نالوا في كتاب الله توبيخاً ووعيداً إذا لم يصححوا مسلكهم في هذه الحياة، ففي سورة الزمر قال تعالى(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) وفي سورة يونس(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
هذا التعاطي مع الله عز وجل غير لائق ولا أظن بأن المؤمن المخلص يمارس هذا السلوك السيء مع ربه وإنما يختار من الأعمال أجودها ومن المسالك أحسنها حتى يتقرب إلى الله بما يحب الله أن يُتقرب به إليه، أما أصحاب الإيمان الضعيف أو المتزلزل فإنهم لا يذكرون الله إلا عندما يشعرون بالحاجة إليه كما في حالة المرض أو الخوف الشديد أو الحزن الكبير، ولذلك يدعونا إمامنا(ع) بأن يكون ذكرنا لله وعملنا له في حالة الرغبة كذكرنا وعملنا له في حالة الرهبة وذلك من أجل أن يترتب الأجر والثواب على العمل ويضاعَف عند الله عز وجل، وهو معنى قوله(ع) ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة:
والذي لا ينتفع من الحق يضرره الباطل لأنه حينئذ يكون من أهل الباطل، والذي لا يستقيم على الهداية يجره ضلاله نحو الهلاك، وهذه عبر وتعاليم قيمة يجب استغلالها والإستفادة منها لأن الإمام(ع) يدخل بهذا الكلام إلى الأعماق ويحدثنا عما هو فينا وعما قد نكون جاهلين به فهو(ع) يجعلنا منتبهين لكل سلوك يصدر عنا كيلا يكون خطئاً نستحق عليه العقاب، ويجب أن نتقبل هذا الخطاب أو بالأحرى هذه الموعظة النافعة، ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضرره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى يجرَّ به الضلال إلى الردى، ألا وإنكم قد أُمرتم بالظعن ودُللتم عل الزاد وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان إتباع الهوى وطول الأمل فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تُحرزون به أنفسكم غداً:



