منوعات تاريخية

الخروج من مكة المكرمة

رحلة سيد الشهداء(ع) من المدينة إلى كربلاء

 

الخروج من مكة

 

وفي سَحَر تلك الليلة ارتحل الحسين (ع) ، فأتاه ابن الحنفيّة وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها وقال : ألمْ تعدني النّظر فيما سألتك ؟ قال  بلى ، ولكن بعد ما فارقتك أتاني رسول الله (ص) وقال : يا حسين اخرج ، فإنّ الله تعالى شاء أنْ يراك قتيلاً، فاسترجع محمّد ، وحينما لَمْ يعرف الوجه في حمل العيال معه ، وهو على مثل هذا الحال قال له الحسين :قد شاء الله تعالى أنْ يراهنَّ سبايا:

وكتب إليه عبد الله بن جعفر الطيّار مع ابنَيه عون ومحمّد : أمّا بعد ، فإنّي أسألك الله لمّا انصرفت حين تقرأ كتابي هذا ، فإنّي مُشفق عليك من هذا الوجه أنْ يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، إنْ هلكتَ اليوم ، اُطفئ نور الأرض ، فإنّك عَلَمُ المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسّير ، فإنّي في أثر كتابي ، والسّلام .

ثم أخذ عبد الله كتاباً من عامل يزيد على مكّة عمرو بن سعيد بن العاص فيه أمان للحسين وجاء به إلى الحسين ومعه يحيى بن سعيد بن العاص وجهد أنْ يصرف الحسين عن الوجه الذي أراده فلَم يقبل أبو عبد الله (ع) وعرَّفه أنّه رأى رسول الله في المنام وأمره بأمر لابدّ من انفاذه ، فسأله عن الرؤيا ، فقال  :ما حدّثتُ بها أحداً ، وما أنا محدّث بها حتّى ألقى ربّي عزّ وجلّ:

 وقال له ابن عبّاس : يابن العم ، إنّي أتصبَّر وما أصبرُ ، وأتخوَّفُ عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال . إنّ أهل العراق قوم غَدرٍ فلا تقربنَّهم . أقم في هذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز ، وأهل العراق إنْ كانوا يريدونك ـ كما زعموا ـ فلينفوا عاملهم وعدوّهم ثمّ اقدم عليهم ، فإنْ أبيتَ إلاّ أنْ تخرج ، فسِر إلى اليمن ، فإنّ بها حصوناً وشعاباً وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك فيها شيعة وأنتَ عن النّاس في عزلة ، فتكتب إلى النّاس وترسل وتبثّ دعاتك ، فإنّي أرجو أنْ يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية .

فقال الحسين(ع) يابن العم ، إنّي والله لأعلم أنّك ناصح مشفق ، وقد أزمعتُ على المسير:

فقال ابن عبّاس : إنْ كنتَ سائراً فلا تسِر بنسائك وصبيتك ، فإنّي لخائف أنْ تُقتل وهم ينظرون إليك ، فقال الحسين : والله ، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام المرأة :

 

منطقة التنعيم

وبعد فترة وجيزة من مغادرة مكة مرّ الإمام(ع) بمنطقة تسمى(التنعيم) وهناك التقى بمجموعة من الناس، فحدّثهم بأمره وقال لهم: مَن أحبّ منكم أنْ ينصرف معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنّا صحبته ، ومَن أحبّ المفارقة أعطيناه من الكراء على ما قطع من الأرض: فالتحق به مجموعة منهم، وتخلّف آخرون.

 

منطقة الصفاح

ثم تابع الإمام سفره حتى وصل إلى منطقة تسمى الصفاح، وهناك التقى بالشاعر الفرزدق بن غالب، فسأله الإمام(ع) عن خبر الناس خلفه؟ فقال له الفرزدق: قلوبهم معك والسيوف مع بني اُميّة ، والقضاء ينزل من السماء . فقال: صدقت، لله الأمر ، والله يفعل ما يشاء ، وكلّ يوم ربّنا في شأن ، إنْ نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر ، وان حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد مَن كان الحقّ نيّته والتقوى سريرته:

منطقة ذات عرق

ثم تابع الإمام مسيره فمرّ بمنطقة تسمى(ذات عرق) فالتقى برجل يُدعى بشر بن غالب، فسأله(ع) عن خبر الناس خلفه؟ فقال له بشر: السيوف مع بني أمية، والقلوب معك: فقل له(ع):صدقت:

وينقل أحد الرواة هذا الكلام فيقول: بعد أنْ حججتُ انطلقتُ أتعسّف الطريق وحدي ، فبينا أسير إذ رفعتُ طرفي إلى أخبية وفساطيط فانطلقتُ نحوها فقلتُ : لِمَن هذه الأخبية ؟ قالوا : للحسين بن علي ، وابن فاطمة (عليهم السّلام) وانطلقتُ نحوه فإذا هو متّكئ على باب الفسطاط يقرأ كتاباً بين يدَيه فقلتُ : يابن رسول الله (ص) بأبي أنت واُمّي ، ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة ؟ قال (ع) إنّ هؤلاء أخافوني ، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي ، فإذا فعلوا ذلك ولَم يدعوا لله محرماً إلاّ انتهكوه ، بعث الله إليهم من يقتلهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام الأمة:

 

منطقة الحاجر

وتابع(ع) مسيره حتى وصل إلى منطقة الحاجر، وهناك كتب إلى أهل الكوفة جواباً على كتاب مسلم ابن عقيل وأرسله مع قيس بن مسهّر الصيداوي، جاء فيه: أمّا بعد ، فقد ورد عليَّ كتاب مسلم بن عقيل يخبرني باجتماعكم على نصرنا والطلب بحقّنا ، فسألتُ الله أنْ يُحسن لنا الصنع ويثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحِجّة ، فإذا قدم عليكم رسولي ، فانكمشوا في أمركم ، فإنّي قادم في أيّامي هذه:

وفي تلك الأثناء كانت جواسيس يزيد تلاحقه من مكان إلى مكان، ولكنه(ع) لم يتراجع عن قراره الذي أمره به جده(ص).

منطقة الخزيمية

ثم تابع مسيره حتى وصل إلى الخزيمية فبات فيها يوماً وليلة.

 

منطقة زَرود

ثم تابع(ع) مسيره نحو منطقة زرود، وهناك نزل زهير بن القين البجلي بالقرب منه، وكان زهير كارهاً للنزول بالقرب من الإمام(ع) ولكن الماء جمعهم في تلك المنطقة، فأتى رسول الحسين إلى زهير يدعوه إليه فرفض فحثّته زوجته على مقابلته، فمشى زهير إلى الحسين (ع) ، وما أسرع أن عاد إلى أصحابه فرحاً قد أسفر وجهه وأمر بفسطاطه وثقله فحوِّل إلى جهة سيّد شباب أهل الجنّة ، وقال لامرأته : الحقي بأهلك ، فإنّي لا اُحبّ أنْ يصيبك بسببي إلاّ خير . ثمّ قال لمَن معه : مَن أحبّ منكم نصرة ابن الرسول (ص) وإلاّ فهو آخر العهد .

ثمّ حدّثهم بما أوعز به سلمان الفارسي من هذه الواقعة فقال : غزونا بَلَنجَر ففتحنا وأصبنا الغنائم ، وفرحنا بذلك ، ولمّا رأى سلمان الفارسي ما نحن فيه من السرور قال : إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّد (ص) فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم من الغنائم . فأمّا أنا فأستودعكم الله، فقالت زوجته : خار الله لك وأسألك أنْ تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسين:

وفي زرود اُخبر بقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، فاسترجع كثيراً وترحم عليهما مراراً وبكى ، وبكى معه الهاشميّون وكثر صراخ النّساء حتّى ارتجّ الموضع لقتل مسلم بن عقيل وسالت الدموع كلّ مسيل:

فقال له عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديّان : ننشدك الله يابن رسول الله إلاّ انصرفت من مكانك هذا ؛ فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر .

فقام آل عقيل وقالوا : لا نبرح حتّى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا ، فنظر إليهم الحسين وقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء:

منطقة الثعلبية

ثم تابع(ع) مسيره حتى وصل إلى منطقة الثعلبية، وفيها أتاه رجل وسأله عن قوله تعالى : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) فقال(ع): إمام دعا إلى هدى فأجابوا إليه ، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوا إليها ، هؤلاء في الجنّة وهؤلاء في النّار ، وهو قوله تعالى ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)

وفي هذا المكان اجتمع به رجل من أهل الكوفة فقال له الحسين : أما والله ، لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل في دارنا ونزوله بالوحي على جدّي . يا أخا أهل الكوفة ، من عندنا مستقى العلم ، أفَعَلِموا وجهلنا ؟! هذا ممّا لا يكون:

منطقة الشقوق

ثم تابع مسيره نحو منطقة الشقوق، وفي هذه المنطقة التقى الإمام الحسين(ع) برجل من الكوفة فسأله(ع) عن أخبار العراق؟ فأجابه الرجل: إنهم مجتمعون عليك: فقال(ع): إنّ الأمر لله ، يفعل ما يشاء ، وربّنا تبارك هو كلّ يوم في شأن:

ويذكر المؤرخون بأن الإمام(ع) في تلك المنطقة أنشد قائلاً:

فـإنْ  تـكن الـدنيا تُـعَدُّ نـفيسة      فـدار  ثـواب اللـه أعـلى وانبل
وإنْ  تـكن الأمـوال للترك جمعها      فـما  بـال متروك به المرء يبخل
وإنْ تـكن الأرزاق قَـسْماً مـقدّراً      فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل
وإنْ تـكن الأبـدان للموت أُنشئت      فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل
عـليكم سـلام الله يـا آل أحـمد      فانِّي  أراني عنكُمُ سوف أرحل

 

منطقة زُبالة

وسار الإمام الحسين(ع) بقافلته المباركة حتى وصل إلى منطقة تسمى(زُبالة) وفي تلك المنطقة اُخبر بقتل عبد الله بن يقطر الذي أرسله الحسين من الطريق إلى مسلم بن عقيل ، فقبض عليه الحصين بن نمير في القادسيّة وسرّحه إلى عبيد الله بن زياد ، فأمره أنْ يصعد المنبر ويلعن الكذّاب ابن الكذّاب ، ولمّا أشرف على النّاس قال : أيّها النّاس أنا رسول الحسين بن فاطمة ؛ لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة ، فأمر به عبيد الله فاُلقي من فوق القصر ، فتكسّرت عظامه وبقي به رَمَق ، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه ، فلمّا عيب عليه قال : إنّما أردت أنْ اُريحه:

ويذكر المؤرخون أن عدداً كبيراً من الناس كانوا برفقة الإمام(ع) لدى وصوله إلى منطقة زبالة، ولكنه(ع) بعد أن أخبرهم بما جرى في الكوفة تفرقوا عنه يميناً وشمالاً خوفاً من الموت، ولم يبق معه سوى الذين أتوا معه من مكة.

ويمكن القول بأن الإمام(ع) في تلك المنطقة قد غربل أصحابه فعلم الصادق منهم من الكاذب، ولم يحب الإمام(ع) أن يأخذ الناس إلى المجهول، ولأجل ذلك أخبرهم بحقيقة الأمر فلم يبق معه سوى الذين واسوه بأرواحهم.

منطقة بطن العقبة

ترك الإمام(ع) منطقة زرود وتوجّه إلى منطقة بطن العقبة، وفي تلك المنطقة خاطب أصحابه قائلاً: ما أراني إلاّ مقتولاً ، فإنّي رأيت في المنام كلاباً تنهشني ، وأشدّها عليَّ كلب أبقع:

وفي تلك المنطقة أشار عليه عمرو بن لوذان من بني عكرمة بالرجوع إلى المدينة ؛ لِما عليه أهل الكوفة من الغدر والخيانة ، فقال أبو عبد الله (ع): ليس يخفى عليَّ الرأي ، وإنَّ الله لا يغلب على أمره:

ثم قال(ع):إنّهم لَن يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فِرَق الاُمم:

 

منطقة شراف

غادر الحسين(ع) بطن العقبة متوجهاً نحو منطقة شراف، وهناك أمر(ع) فتيانه أن يُكثروا من جمع الماء، وفي منتصف النهار كبّر أحد الأصحاب، فسأله الإمام عن السبب؟ فقال: إني أرى نخلاً، فأنكر عليه الناس وجود نخل في تلك المنطقة، وأخبروه بأن ما رآه إنما هو أسنّة الرماح، وبعدها سأل الحسين(ع) عن ملجأ فأشاروا عليه بأن يقصد منطقة ذو حسَم.

 

منطقة ذو حسَم

عندما وصل الموكب الحسيني إلى هذه المنطقة طلع عليهم الحر الرياحي ومعه ألف فارس أمرهم ابن زياد بأن يمنعوا الحسين من الرجوع إلى المدينة أو أن يأتوا به إلى الكوفة، فوقف الحرّ وأصحابه مقابل الحسين في حَر الظهيرة، فلمّا رأى الإمام(ع) ما بالقوم من العطش أمر أصحابه أنْ يسقوهم ويرشفوا الخيل ، فسقوهم وخيولهم عن آخرهم.

ثمّ إنّ الحسين استقبلهم فحمد الله وأثنى عليه وقال : إنّها معذرةً إلى الله عزّ وجلّ وإليكم ، وإنّي لَم آتكم حتّى أتتني كتبكم وقَدِمَت بها عليَّ رُسُلكم أنْ اقْدِم علينا فإنّه ليس لنا إمام ولعلّ الله أنْ يجمَعنا بك على الهدى ، فإنْ كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فاعطوني ما أطمئنّ به من عهودكم ومواثيقكم ، وإنْ كنتم لمَقدمي كارهين ، انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم: فسكتوا جميعاً .

وأذَّنَ الحَجّاج بن مسروق الجعفي لصلاة الظهر ، فقال الحسين للحرّ : أتصلّي بأصحابك ؟ قال : لا ، بل نصلّي جميعاً بصلاتك ، فصلّى بهم الحسين .

وبعد أنْ فرغ من الصلاة أقبل عليهم فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النّبي محمّد وقال : أيّها النّاس إنّكم إنْ تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل بيت محمّد (ص) أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين بالجور والعدوان ، وإنْ أبَيتم إلاّ الكراهيّة لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم ، انصرفتُ عنكم:

فقال الحرّ : ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها ، فأمر الحسين عقبة بن سمعان فأخرج خرجَين مملوأين كتباً .

قال الحرّ : إنّي لستُ من هؤلاء ، وإنّي اُمرت أنْ لا اُفارقك إذا لقيتك حتّى أقدمك الكوفة على ابن زياد .

فقال الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك : وأمر أصحابه بالركوب ، و ركبت النّساء ، فحال بينهم وبين الانصراف إلى المدينة فقال الحسين للحرّ  ثكلتك اُمّك ما تريد منا ؟ .

قال الحرّ : أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذا الحال ، ما تركتُ ذكر اُمّه بالثكل كائناً من كان ، والله ما لي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه . ولكن خذ طريقاً نصفاً بيننا لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة حتّى أكتب إلى ابن زياد ؛ فلعلّ الله أنْ يرزقني العافية ، ولا يبتليني بشيء من أمرك . ثمّ قال للحسين : إنّي اُذكرك الله في نفسك ، فإنّي أشهد لئن قاتلت لَتقتلَنَّ ، فقال الحسين : أفبالموت تخوفني ؟! وهل يعدو بكم الخطب أنْ تقتلوني ، وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله صلّى الله عليه وآله :

سأمضي وما بالموت عار على الفتى      إذا مـا نـوى حـقاً وجـاهد مسلما
وواسـى الـرجال الصالحين بنفسه      وفـارق  مـثبوراً وخـالف مجرما
فـان  عشت لم اندم وان متُّ لم أُلَمْ      كـفى بـك ذَّلاً ان تـعيش وتُرْغما

فلمّا سمع الحرّ هذا منه ، تنحى عنه .

فكان الحسين يسير بأصحابه في ناحية والحرّ ومَن معه في ناحية:

منطقة البيضة

وفي البيضة وقف(ع) خطيباً بجيش الحر: فقال بعد الحمد لله والثناء عليه :أيّها النّاس إنّ رسول الله قال : مَن رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً عهده ، مخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قَول ، كان حقّاً على الله أنْ يدخله مدخله ، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفَيء ، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ ممَّن غير ، وقد أتتني كتبكم وقدمتْ عليَّ رُسُلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلّموني ولا تخذلوني فإنْ أتممتم عليَّ بيعتكم تصيبوا رشدكم ، فأنا الحسين بن علي ، وابن فاطمة بنت رسول الله، نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم ولكم فيَّ اُسوة ، وإنْ لَمْ تفعلوا ونَقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلَعَمري ما هي لكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم، فالمغرور من اغترّ بكم فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيّعتم ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

 

منطقة الرُهَيمة

ثم خرج الإمام(ع) من منطقة البيضة، وتوجه نحو منطقة تسمى(الرهيمة) وفيها التقى(ع) برجل من الكوفة يقال له:أبو هرم: فسأل الإمامَ عن سبب خروجه من المدينة؟ فأجابه(ع) بقوله: يا أبا هرم إنّ بني اُميّة شتموا عرضي فصبرت ، وأخذوا مالي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، وأيمَ الله ليقتلوني فيلبسهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً ويسلّط عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ ، إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم:

 

منطقة القادسية

ثم غادر(ع) منطقة الرهيمة فوصل إلى منطقة تسمى(القادسية) وفيها قبض الحصين بن نمير التميمي على قيس بن مسهّر الصيداوي رسول الحسين إلى أهل الكوفة ، وكان ابن زياد أمره أن ينظم الخيل ما بين القادسيّة إلى خفان ومنها إلى القطقطانة، ولمّا أراد أنْ يفتّشه أخرج قيس الكتاب وخرّقه وجيء به إلى ابن زياد ، فقال له : لماذا خرّقت الكتاب ؟ قال : لئلاّ تطّلع عليه ، فأصرّ ابن زياد على أنْ يُخبره بما فيه ، فأبى قيس ، فقال : إذاً اصعد المنبر وسبّ الحسين وأباه وأخاه وإلاّ قطّعتك إرباً ، فصعد قيس المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النّبي وآله وأكثر من الترحّم على أمير المؤمنين والحسن والحسين ، ولعن عبيدَ الله بن زياد وأباه وبني اُميّة ، ثم قال : أيّها النّاس أنا رسول الحسين إليكم ، وقد خلّفته في موضع كذا ، فأجيبوه . فأمر ابن زياد أنْ يُرمى من أعلى القصر ، فرمي وتكسّرت عظامه ومات، ويقال كان به رمق فذبحه عبد الملك بن عمَير اللخمي ، فعيب عليه قال : أردت أن اُريحه:

 

منطقة العذيب

وصل الموكب الحسيني إلى منطقة تسمى(عذيب الهجانات) وهناك وافاه أربعة نفر خارجين من الكوفة وهم: عمرو بن خالد الصيداوي، وسعد مولاه، ومجمع بن عبد الله المذحجي ، ونافع بن هلال ، ودليلهم الطرمّاح بن عدي الطائي يقول :

يا ناقتي لا تذعري من زجري      وشـمّري قـبل طلوع الفجر
بـخير ركـبان وخـير سفر       حتّى تـحلى بـكريم النجر
الـماجد  الحر رحيب الصدر      أتـى  بـه الله لـخير أمـر

فلمّا انتهوا إلى الحسين (ع) أنشدوه الأبيات ، فقال(ع): أما والله ، إنّي لأرجوا أنْ يكون خيراً ما أراد الله بنا قُتِلْنا أم ظفرنا:

وسألهم الحسين عن رأي النّاس ، فأخبروه بأنّ الأشراف عظمت رشوتهم وقلوب سائر النّاس معك والسّيوف عليك ، ثمّ أخبروه عن قتل قيس بن مسهّر الصيداوي ، فقال(ع) فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)  اللهم اجعل لنا ولهم الجنّة ، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك:

وقال له الطرمّاح : رأيتُ النّاس قبل خروجي من الكوفة مجتمعين في ظهر الكوفة فسألتُ عنهم ، قيل : إنّهم يعرضون ثم يسرّحون إلى الحسين ، فانشدك الله أنْ لا تقدم عليهم ، فإنّي لا أرى معك أحداً ، ولَو لَم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكفى ، ولكن سِر معنا لتنزل جبلنا الذي يُدعى ( أجا ) فقد امتنعنا به من ملوك غسّان وحمير ، ومن النعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتّى تأتيك طيء رجالاً وركباناً وأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم إلى أنْ يستبين لك ما أنت صانع .

فجزاه الحسين وقومه خيراً وقال :إنَّ بيننا وبين القوم عهداً وميثاقاً ولسنا نقدر على الانصراف حتّى تتصرّف بنا وبهم الاُمور في عاقبة:

فاستأذنه الطرمّاح وحده بأن يوصل الميرة إلى أهله ، ويعجّل المجيء لنصرته . فأذِن له وصحِبه الباقون .

فأوصل الطرمّاح الميرة إلى أهله ورجع مسرعاً ، فلمّا بلغ عذيب الهجانات ، بلغه خبر قتل الحسين (عليه السّلام) فرجع إلى أهله:

منطقة قصر بني مقاتل

وسار(ع) من عذيب الهجانات حتّى نزل قصر بني مقاتل، فرأى فسطاطاً مضروباً ورمحاً مركوزاً وفرساً واقفاً ، فسأل عنه ، فقيل : هو لعبيد الله بن الحرّ الجعفي فبعث إليه الحَجّاج بن مسروق الجعفي ، فسأله ابن الحرّ عمّا وراءه قال : هديّة إليك وكرامة إنْ قبِلتها ، هذا الحسين يدعوك إلى نصرته فإنْ قاتلتَ بين يدَيه اُجِرت ، وإنْ قُتلت استشهدت فقال ابن الحرّ : والله ، ما خرجتُ من الكوفة ؛ إلاّ لكثرة ما رأيته خارجاً لمحاربته وخذلان شيعته ، فعلمتُ أنّه مقتول ولا أقدر على نصره ، ولست أحب أن يراني وأراه

فأعاد الحَجّاج كلامه على الحسين ، فقام صلوات الله عليه ومشى إليه في جماعة من أهل بيته وصحبه ، فدخل عليه الفسطاط ، فوسّع له عن صدر المجلس ، يقول ابن الحرّ : ما رأيت أحداً قط أحسن من الحسين ولا أملأ للعين منه ، ولا رققت على أحد قط رقّتي عليه حين رأيته يمشي والصبيان حوله ، ونظرت إلى لحيته فرأيتها كأنّها جناح غراب ، فقلت له أسواد أم خضاب ؟ قال : يابن الحرّ عجّل عليَّ الشيب : فعرفتُ أنّه خضاب ولمّا استقرّ المجلس بأبي عبد الله ، حمد الله وأثنى عليه وقال : يابن الحرّ إنّ أهل مصركم كتبوا إليّ أنّهم مجتمعون على نصرتي ، وسألوني القدوم عليهم ، وليس الأمر على ما زعموا، وإنّ عليك ذنوباً كثيرة ، فهل لك من توبة تمحو بها ذنوبك ؟  قال : وما هي يابن رسول الله ؟ فقال : تنصر ابن بنت نبيّك وتقاتل معه ، فقال ابن الحرّ : والله ، إنّي لأعلم إنّ من شايعك كان السّعيد في الآخرة ، ولكن ما عسى أن أغني عنك ، ولَم اخلف لك بالكوفة ناصراً ، فانشدك الله أنْ تحمّلني على هذه الخطة ، فإنّ نفسي لا تسمح بالموت ، ولكن فَرَسي هذه ( الملحقة ) والله ، ما طلبتُ عليها شيئاً قط إلاّ لحقته ، ولا طلبني أحد وأنا عليها إلاّ سبقته ، فخُذها فهي لك .

قال الحسين : أمّا إذا رغبت بنفسك عنّا ، فلا حاجة لنا في فَرَسك ولا فيك ، وما كنتُ متّخذ المضلّين عضداً ، وإنّي أنصحك كما نصحتني ، إن استطعت أنْ لا تسمع صراخنا ، ولا تشهد وقعتنا فافعل  فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلاّ أكبّه الله في نار جهنّم :

وندِم ابن الحرّ على ما فاته من نصرة الحسين (ع) ، فأنشأ :

أيـا لـك حـسرة ما دمت حيّاً      تـردَّد بـين صدري والتراقي
غـداةَ يـقول لي بالقصر قولا      أتـتـركنا  وتـعزم بـالفراق
حسين حين يطلب بذل نصري      عـلى أهـل الـعداوة والشقاق
فـلو  فـلق الـتَّلهُّف قلب حرٍّ      لـهمَّ  الـيوم قـلبي بـانفلاق
ولـو واسـيته يـوماً بـنفسي      لـنلت كـرامةً يـوم الـتَّلاق
مـع ابـن محمّد تفديه نفسي       فـودع ثـم أسـرع بـانطلاق
لـقد فاز الأولى نصروا حسيناً      وخاب الآخرون ذووا النفاق

 

 

منطقة قرى الطف

لما كان آخر الليل أمر الحسين(ع) أصحابه بالإستقاء والرحيل من منطقة قصر مقاتل، وبينما هم يسيرون قال الإمام الحسين(ع): إنا لله وإنا إليه راجعون: وقد كرر هذا القول، فسأله ولده علي الأكبر عن سبب كلامه؟ فقال(ع): إنّي خفقتُ برأسي ، فعنَّ لي فارس وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمتُ أنّها أنفسنا نُعيت إلينا : فقال علي الأكبر : لا أراك الله سوءاً ، ألسنا على الحق ؟ قال :بلى والذي إليه مرجع العباد: فقال : يا أبت ، إذن لا نبالي أنْ نموت محقين،فقال(ع)جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده: وفي رواية أخرى:أولسنا على الحق.. إذاً لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا:

ولم يزل الموكب يتياسر حتى وصل إلى نينوى، وإذا براكب مسلَّح فانتظروه فإذا هو رسول ابن زياد إلى الحر يحمل إليه كتاباً مضمونه: جَعجِع بالحسين حين تقرأ كتابي ، ولا تنزله إلا بالعراء على غير ماء وغير حصن

فقرأ الحرّ الكتاب على الحسين فقال له: دعنا ننزل نينوى أو الغاضريات أو شفية ، فقال الحرّ : لا أستطيع فإنّ الرجل عين علي: فقال زهير بن القين : يابن رسول الله إنّ قتال هؤلاء أهون علينا من قتال مَن يأتينا من بعدهم ، فلَعمري ليأتينا ما لا قِبَل لنا به ، فقال الحسين : ما كنتُ أبدأهم بقتال  ثمّ قال زهير : ههنا قرية بالقرب منّا على شطّ الفرات وهي في عاقول حصينة ، والفرات يحدق بها إلاّ من وجه واحد قال الحسين :ما اسمها ؟  فقال: تسمى  العقر :فقال(ع) نعوذ بالله من العقر

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى