
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ{البقرة/171}
إن دعوتك لهؤلاء الصم البكم تشبه صياح الراعي على الأغنام إذا أدركها الخطر فهي لا تسمع سوى كلمات لا تفهمها وكأن الله تعالى يريد أن يخبر رسوله بالنتيجة التي سيصل إليها الأمر كيلا يأسف الرسول عليهم، إنهم سوف يصرون على الضلال مهما جئتهم بآيات الحق لأنهم لا يريدون أن يروا الحقيقة، فهم عمي لا يرون الحق، وبكم لا ينطقون به وصم لا يسمعون ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ {البقرة/172}
يوجد في هذه الآية تعقيب على مسألة تحريم الناس لبعض الطيبات من دون دليل ففي الآية الماضية وُجّه الخطاب إلى الناس كافة وفي هذه الآية للمؤمنين خاصة وهذا يدل على أن الطيبات خُلقت بالأصل للمؤمنين ولكن الكفار يستفيدون منها كما تستفيد الأعشاب من سقي الورود والنباتات، ويمكن الإستدلال على ذلك بأن الله تعالى عندما عمم الخطاب قال مما في الأرض، ولكنه عندما خص المؤمنين بالخطاب قال لهم من طيبات ما رزقناكم، وهنا يأمر الله المؤمنين بأن يشكروه على نعمه التي ينبغي أن تُستعمل من أجل الإستفادة منها وأن الله خلق الطيبات من أجل أن تغذي الإنسان لأنه تعالى أعلم بما يتناسب مع جسم الإنسان فلا ينبغي على العاقل أن يأكل من رزق الله ويواجهه بالمعصية فإن الذي يعبد الله حقاً يأكل من رزقه ويشكره.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {البقرة/173}
الله تعالى لم يحرّم عليكم الطيبات حتى تحرموها على أنفسكم وإنما حرم عليكم أكل الميتة ودم الحيوان ولحم الخنزير، والجدير بالذكر هو أن الذين حرموا الطيبات على أنفسهم لم يحرموا عليها ما حرم الله سبحانه، وكذا فقد حرّم الله أكل الذبيحة التي لا يُذكر اسمه عليها كتلك التي تُذبح من دون ذكره أو التي تُذبح على اسم الأوثان، وهذه المحرمات تحل للإنسان عند حالة الضرورة القصوى بحيث أنه يخير بين الهلاك والأكل من تلك اللحوم فعندها يختار أهون الشرين.
وقد فلسف الإسلام سبب تحريم تلك الأنواع ثم أكد العلم الحديث على ما ورد في شريعة الإسلام، فعن أكل لحم الميتة مثلاً ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: أَمَّا الْمِيْتَةُ فَإِنَّهُ لَمْ يَنَلْ مِنْهَا أَحَدٌ إِلاَّ ضَعُفَ بَدَنُهُ، وَذَهَبَتْ قُوَّتُهُ، وَانْقَطَعَ نَسْلُهُ، وَلاَ يَمُوتُ آكِلُ الْمِيْتَةِ إِلاَّ فَجْأَةً:
ولعل هذه المفاسد تعود إلى أن الجهاز الهضمي لدى الإنسان لا يستطيع أن يصنع من الميتة دماً سالماً إضافة إلى أن نسبة الميكروبات في الميتة مرتفعة، والإِسلام اعتبر الميتة نجسة، كي يبتعد عنها الإنسان كيلا يصاب بالضرر.
وكذا الكلام في تحريم الدم فإن مساوءه الأخلاقية والجسمية كثيرة وتلك الميكروبات أول ما تدخل إلى الدم وأنت بشربك للدماء تزيد في عجز الكريات البيض عن المقاومة للجراثيم فتبطئ بذلك حركتها وهنا يكمن الخطر الفعلي على جسم الإنسان، هذا بالنسبة لمساوئه الجسمية وأما مساوؤه الأخلاقية فقد ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: أمّا الدم فإنه يورث القسوة في القلب وقلّة الرأفة والرحمة حتى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه ولا يؤمن على حميمه ولا يؤمن على من يصحبه:
وأما الخنزير فإن لحمه يحتوي على نوعين خطيرين من الديدان فهي تعيش في لحم هذا الحيوان وتتكاثر بسرعة فتسبب للإنسان أمراضاً متنوعة كفقر الدم، والغثيان، وحمّى خاصة، والإسهال، وآلام المفاصل، وتوتر الأعصاب، والحكّة، وغير ذلك مما أثبته العلم الحديث.
وأما التي لم يُذكر اسم الله عليها فليس بالضرورة أن يكون لها مفاسد صحية ولكن أكثر مفاسدها نفسية وأخلاقية وهذه المفاسد أخطر على الإنسان من المخاطر الصحية.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {البقرة/174}
كثير من علماء اليهود كانوا يحدثون الناس عن علامات النبي الموعود ولكنه بعد أن بعثه الله تعالى راحوا يكتمون تلك التعاليم خوفاً على مصالحهم الشخية وعلى الأموال التي كانت تأتيهم من أتباعهم فهؤلاء باعوا آخرتهم بثمن قليل كانوا يقبضونه سنوياً من أتباعهم، وما يأكلونه على حساب إخفاء الحق إنما هو نار لهم في يوم القيامة.
وهذا الحكم لا يختص بعلماء اليهود بل إنه يشمل كل إنسان أخفى الحق من أجل مصلحة شخصية، وهؤلاء لن يكلمهم الله في يوم القيامة، وفي هذا عقاب معنوي شديد للإنسان هذا بالإضافة إلى أنه سوف يحرمهم من تزكية أبدانهم وأموالهم ونفوسهم ثم سوف يعذبهم في يوم القيامة عذاباً شديداً.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ {البقرة/175}
هؤلاء خاسرون على كل حال فلقد اشتروا الضلال بالهداية والعذاب بالرحمة والمغفرة ولا شك بأن هذا هو الخسران المبين.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ {البقرة/176}
السبب في استحقاقكم لهذا العذاب هو أن الله تعالى هو الذي نزّل الكتاب بالحق وأنتم تعرفون ذلك، ورغم أنكم تعرفون ذلك أخفيتم الحق من أجل متاع رخيص زائل، فأنتم الذين جلبتم العذاب لأنفسكم بسبب أطماعكم، وسوف يعود عليكم هذا العمل بالنزاع والشقاق والكراهية بين بعضكم البعض لأن كتمانكم للحق ليس له آثار في الآخرة فحسب بل إن له آثاراً في الدنيا أيضاً وأنتم لن تفلتوا لا من عقاب الله في الدنيا ولا من عقابه في الآخرة.
لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ {البقرة/177}
لأن موضوع تغيير القبلة كان من المواضيع الهامة في تلك المرحلة خصوصاً وفي جميع مراحل وجود الإنسان عموماً فقد أكد القرآن عليه مرة جديدة.
أيها الناس إن البر لا ينحصر في استقبال الشرق أو الغرب بالوجوه وليس البر أن تتوجهوا نحوة قبلتي اليهود والنصارى في المشرق والمغرب بل البر الحقيقي الذي ينفعكم في الدنيا والآخرة هو أن تؤمنوا بالله حقاً وتستعدوا لمواجهة يوم القيامة بالعمل الصالح الذي هو معيار النجاة أو الهلاك هناك.
ومن البر أن تؤمنوا بالملائكة كما أمركم الله لا أن تقولوا فيهم ما لم ينزل الله من تلك الإعتقادات الفاسدة التي اخترعتها أهواؤكم.
ومن البر أن تؤمنوا بكتاب الله وبجميع الكتب السماوية التي أنزلها إليكم وأن تؤمنوا بجميع الأنبياء لا أن تؤمنوا بعيسى دون موسى أو بالعكس أو محمد دونهما أو بهما دونه.
إن من البر أن تنفقوا من أموالكم على ذويكم وعلى كل محتاج من الناس سواء كان يتيماً أو غير يتيم، وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ البر أن تنفقوا من المال رغم حبكم للمال وفي ذلك اختبار لكم من الله، أن تنفقوا على ابن السبيل وهو المسافر الذي انقطع به السبيل وذهب ماله، وعلى السائلين وهم نوعان نوع محتاجون يسألون الناس ونوع محتاجون لا يسألون الناس يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، فإن من البر أيضاً أن تعطي هؤلاء من مالك، وكذا في الرقاب، وهم العبيد الذين يتشوقون للحرية أنفقوا من أموالكم واعتقوا رقابهم فلقد شغلتم أنفسكم وغيركم بموضوع جهة القبلة وأعرضتم عن باقي أعمال البر التي لا تعد ولا تحصى.
والبر هو أن تقيموا الصلاة كما أمركم رب العالمين وأن تخرجوا زكاة أموالكم، وأن تفوا بعهودكم وأن تصبروا على الفقر والحرب فإذا فعلتم ذلك كنتم صادقين متقين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ{البقرة/178}
جعل الإسلام منهاجاً متكاملاً لحياة الإنسان تنسجم مع مادياته ومعنوياته فلم يدع واقعة إلا وجعل لها حكمها المناسب، ففي الآية السابقة أشار القرآن إلى طرق البر وهي تجعل من الإنسان إنساناً نموذجياً في الحياة إن التزم بهذا النهج، وفي هذه الآية يطرح القرآن قانون العقوبات الذي به تستمر الحياة بشكلها الطبيعي وتزرع الرعب في قلوب الذين يريدون الإخلال بالنظام والإعتداء على حقوق الناس، فلقد فرض الله علينا القِصاص في القتل، ولفظ الكَتب يدل على الوجوب والتأكيد في آن واحد، فالحر يُقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد والأنثى بالأنثى، وهذا القصاص حق لأولياء المقتول فلهم أن يعفوا ويأخذوا الدية ولهم أن يعفو دون أخذها، ولكن إن اختار الولي الدية فعليه أن يخفف عن الطرف الآخر في عملية دفعها، وعلى الجاني المعفو عنه أن يبادر إلى دفعها دون مماطلة، وهذا الحكم هو في الواقع تخفيف من رب العالمين سبحانه حيث يفتح الفرص أمام المذنبين حتى يتراجعوا عن عصيانهم.
لقد انتشرت الجريمة في القبائل قبل المبعث النبوي وكانت القبيلة إذا قُتل أحد أفرادها لا ترضى بالإقتصاص من الجاني فقط وإنما كانت تقتل أكبر عدد ممكن من أفراد قبيلة الجاني، وفي المقلب الآخر كانت بعض القبائل لا تقتص من الجاني بل تفرض الدية عليه فجاء الإسلام ووضع الحكم المناسب الذي يرضى له الجميع ولا يجوز لأحد أن يتصرف على مزاجه بل لا بد من تطبيق حكم الله في القصاص.
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {البقرة/179}
القصاص تأديب وليس انتقاماً والأمة التي تفرض القصاص تعيش حياة هادئة بعيدة عن الجرائم فلو انعدم القصاص لتعرضت الحياة إلى الخطر بشكل دائم، فلو فكر المرء قليلاً في منفعة القصاص لوجد أن به حياة للمجتمع لأن الحياة المهددة بالجريمة ليست حياة، ولا يتعارض القصاص مع العقل ولا مع العاطفة الإنسانية.
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ{البقرة/180}
ما زال القرآن الكريم يعرض لنا أسس الحياة المتكاملة عبر وضع المناهج المناسبة، وفي هذه الآية يتعرض إلى وضع منهجية مالية حفاظاً على اقتصاد الفرد والأمة، وقد عبّر عن ضرورة كتب الوصية قبل الموت بلفظ كتب عليكم، وفي الآية السابقة قلنا إن لفظ الكتب يدل على الوجوب والتأكيد، ونحن نعرف أن الوصية ليست واجبة بمعنى أنه إذا مات أحدنا ولم يكن قد أوصى بماله فلا يكون آثماً، وهذا يعني أن لفظ الكتب وإن وُضع للدلالة على الوجوب إلا أنه قد يُستعمل للدلالة على المستحبة إذا وُجدت قرينة تصرف الذهن من معنى الوجوب إلى معنى الإستحباب، وفي هذه الآية يوجد قرينة تصرف الذهن إلى معنى الإستحباب وهي قوله تعالى(حقاً على المتقين) فلو أريد بلفظ الكتب الوجوب لورد مستقلاً أو مستتبعاً للفظ حقاً على المؤمنين، وكان للمفسرين أقوال في هذه الآية فذهب بعضهم إلى أن الوصية قبل نزول أحكام الإرث كانت واجبة ثم نُسخ هذا الحكم، وقال آخرون إنها لا تكون واجبة إلا إذا كان على الإنسان دَين.
وأما عبارة إذا حضر أحدَكم الموت فإنها تحتاج إلى شيء من التوضيح، والإنسان لا يعرف متى يموت فقد يفاجئه الموت وهو شاب في مقتبل العمر وقد يعمّر طويلاً مع وجود أمراض كثيرة في جسده وهذا يعني ضرورة كتب الوصية في أول فرصة للإنسان لأنه لا يدري متى يموت، فإن ترك خيراً أي مالاً فعليه أن يكتب فيه وصية بالمعروف أي أن تكون الوصية موافقة لحكم العقل وللعرف السليم لا أن يكتب وصية تجلب الويلات للورثة من بعده.
فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {البقرة/181}
تشير هذه الآية إلى مرض متفش في المجتمع الإنساني ومنتشر أيضاً في المجتمع الإسلامي وهو تزوير الوصية بدافع الحقد أو الطمع فلا يجوز لأي إنسان أن يبدل شيئاً في الوصية بل يجب تنفيذ بنودها كما وردت، فالإثم بالدرجة الأولى على الوصي وكذا على الورثة إن علموا بالتزوير وإلا فلا شيء عليهم.
فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {البقرة/182}
يحرم على الوصي أن يتلاعب بالوصية إلا في حالات ذكرها الفقهاء، فلو وزع الموصي جميع ثروته على الورثة غير الشرعيين حق للوصي أن يطبق شرع الله وهو أن لا تزيد الوصية على الثلث، أو كان في الوصية إثم كما لو أوصى بتوزيع حصة على نشر الفساد والباطل، ففي هذه الحالات لا إثم على الوصي إن أصلح الأمر.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{البقرة/183}
تشير هذه الآية إلى وجوب فريضة الصوم وذلك لوجود قرينة تصرف المعنى إلى الوجوب وهي مخاطبة المؤمنين قبل لفظ الكتب، والصوم هم الكف والإمتناع فمن امتنع عن شيء كان صائماً عنه، هذا في اللغة، وأما في الفقه فهو الذي يتحقق بترك المفطرات المذكورة في الرسائل العملية، فلقد فرض الله علينا الصوم كما فرضه على الذين من قبلنا وهذا يعني أنهم كانوا يصومون مثل صومنا وليس عن الكلام كما توهم البعض، ولكن الخلاف وقع في هوية الذين من قبلنا هل هم جميع الناس أم هم مجموعة خصها رب العالمين بهذه العبادة التي جعلها لنفسه دون سائر العبادات الأخرى.
لقد ورد أن وجوب الصوم في الماضي لم يكن عاماً وإنما اختص بالأنبياء فقط كما ورد عن الإمام الصادق(ع): إن شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا، فقيل له: فقول الله عز وجل(ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) قال(ع) إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم ففضّل الله به هذه الأمة وجعل صيامه فرضاً على رسول الله وعلى أمته:
فصوموا لعلكم تتقون الله وتتقون النار الكبرى وما شهر رمضان وفريضته سوى فرصة ذهبية لأمة خاتم الأنبياء يجب استغلالها.
أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة/184}
لقد فرض الله عليكم الصيام في أيام معدودات من أيام السنة وهي أيام شهر رمضان المبارك فمن كان منكم في تلك الأيام مريضاً لا يقدر على الصوم أو كان مسافراً اضطراراً أو اختياراً فعليكم أن تقضوا ما فاتكم من الصوم في أيام أخر، أما الطاعنون في السن والمرضى الذين لا يقدرون على القضاء أيضاً فعليهم أن يدفعوا الفدية وهي إطعام مسكين فمن تطوع خيراً وأطعم أكثر من مسكين عن اليوم الواحد فهو خير له عند ربه.
أما قوله تعالى وأن تصوموا خير لكم ففيه كلام آخر.
فإنه إن كان عاجزاً عن الصوم لكبر سنه أو كان مريضاً يضر الصوم بحاله فلا يكون الصوم خيراً له، وإن لم يكن كذلك فلماذا قال الله وأن تصوموا خير لكم؟
ذهب بعض المفسرين إلى أن وجوب الصوم في بداية التشريع كان مخيّراً بينه وبين الفدية ولهذا أخبرهم الله بأن الصوم خير من الفدية ثم نُسخ هذا الحكم ليصبح وجوب الصوم عينياً لا تخيير فيه، وقيل إن عبارة وأن تصوموا خير لكم هو حكم عام يستثنى منه من لا يقدر على الصوم.
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {البقرة/185}
إن الأيام المعدودات التي فُرض فيها الصوم هي أيام شهر رمضان لأنه من أقدس الأزمنة عند الله تعالى فهو الشهر الذي نزل فيه القرآن هدى للناس وتفريقاً بين الحق والباطل والخير والشر إن في القرآن آيات بينات لا ينكرها إلا الكافر المعاند الذي لا يخشى ربه بالغيب والذي آثر الدنيا على الآخرة.
ولا بد من بيان كيفية نزل القرآن في شهر رمضان مع العلم بأنه نزل بالتدريج وأن يوم المبعث هو من أيام رجب وليس من أيام شهر رمضان فكيف يكون القرآن قد نزل في شهر رمضان؟
ففي هذه الآية أخبرنا الله بأنه أنزل القرآن في شهر رمضان، وفي آيات أخرى بيّن لنا أنه أنزله في ليلة القدر تحديداً، وليلة القدر هي من ليالي شهر رمضان.
هناك آيات تدل على النزول الدفعي للقرآن وهي المعبر عنها بلفظ أنزل أو أنزلنا، وآيات تشير إلى النزول التدريجي مبينة الحكمة من التدريج كما في قوله تعالى(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) وقيل إنه نزل تبعاً للوقائع والأحداث، فإذا كان كذلك فكيف يكون نزل في شهر رمضان خصوصاً وأن أكثر آياته نزلت على الرسول في غير هذا الشهر.
هناك احتمالات وأقوال: منهم من قال إنه نزل إلى السماء الدنيا دفعة واحدة في شهر رمضان ثم راح ينزل شيئاً فشيئاً، وقيل إن معنى القرآن ونوره قد نزل على قلب رسول الله في شهر رمضان عندما كان يعتكف في غار حراء طيلة الشهر.
ثم تؤكد هذه الآية عدم وجوب الصوم على المسافر فتقول(فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ويمكن لنا أن نستدل من هذا التأكيد على حرمة الصوم في السفر إلا في حالات حددها الفقهاء.
وربما تكون الآية الأولى ناظرة إلى الصوم عندما كان مخيراً بينه وبين الفدية وهذه الآية ناظرة إليه عندما أصبح واجباً دون تخيير، والسبب في ذلك هو رحمة الله بعباده فهو يريد بهم اليسر لا العسر، فيجب على المريض والمسافر أن يقضي ما فاته مع الإستطاعة حتى يكمل عدة شهر رمضان ويكبر الله ويشكره على هذه الهداية التي تعود بالمنفعة على الإنسان في الدنيا والآخرة.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{البقرة/186}
إن الأمر المشار إليه هنا يكشف عن مدى الإرتباط بين مفهومي الدعاء وشهر رمضان خصوصاً وأن البعض يطلق على شهر رمضان عدة أسماء وصفات..من جملتها أنه شهر الدعاء، ولا غرابة في كونه شهر الدعاء لأن الداعي يبحث عن أقدس وقت في الزمن ويتوجه فيه نحو الله سبحانه وتعالى، لأن الدعاء في الأوقات المقدسة يكون أسرع إجابةً من الأوقات الأخرى، وأقدس وقت خلقه الله تعالى واختصه لنفسه من بين سائر الأوقات هو شهر رمضان، وبطبيعة الحال سوف يجعل المؤمن من هذا الشهر ظرفاً لدعائه.
هذا الإله العظيم والكبير الذي يحول بين المرء وقلبه هو موجود فينا وحولنا وفوقنا وفي كل مكان وجهة وفي القلب والروح والنفس والعقل وهو أقرب إلينا من حبل الوريد أي أنه أقرب لأنفسنا من قربنا لأنفسنا.
وفي الفقرة الأولى من الآية الشريفة يوجد كشف عن هذه الحقيقة حقيقة قرب الله من الإنسان(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب)
إنني أستجيب للإنسان إذا دعاني حقاً وصدقاً أي إذا توفرت عنده شروط الإستجابة، وبما أنني قريب منكم فما عليكم سوى أن تدعوني لأستجيب لكم عاجلاً أم آجلاً، فاستجيبوا لله بالسؤال والدعاء الخالص ليجيبكم ما سألتموه.
وفي سبب نزول هذه الآية ورد أن رجلاً أتى رسول الله وسأله عن الله هل هو قريب حتى يدعوه بصوت خفيف أم أنه بعيد ليرفع صوته فنزلت هذه الآية لتدل على مدى قرب الله من الإنسان.
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ {البقرة/187}
روي بأن الأكل بعد النوم في ليالي شهر رمضان كان محرماً، وكذا النكاح فإنه كان محرماً في الليل والنهار في ذلك الشهر، وكان رجل من أصحاب النبي صائماً فغفت عيناه قبل أن يفطر ثم أفاق وقال لزوجته إن الطعام محرم عليّ هذه الليلة فضعف جسده في اليوم الثاني فأحل الله الأكل في ليالي شهر رمضان حتى بعد النوم، وكذا كان بعض الرجال يأتون نساءهم في تلك الليالي سراً فأحل الله لهم ذلك في ليالي شهر رمضان.
أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم أي يجوز لكم معاشرة النساء بعد كل غروب من ليالي شهر رمضان وقد علم الله بأنكم كنتم تختانون أنفسكم وتباشروهن سراً فتاب عليكم وأحل لكم ذلك، واللباس يقي الإنسان من شرور الحر والبرد ويضفي عليه جمالاً وقد عبّر الله عن الرجل بأنه لباس للمرأة وكذا العكس وهو من أروع ما شبّه الله به العلاقة الزوجية، ثم أذن للمسلمين بأن يأكلوا من الغروب وحتى مطلع الفجر سواء ناموا قبل الفجر أو بقوا مستيقظين وهذا تخفيف واضح من رب العالمين الذي يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر ثم يجب الإمساك عن الطعام والشراب من الفجر وحتى الليل، وأمر الله بمباشرة النساء في الآية لا يدل على الوجوب وإنما على الجواز بعد المنع وهكذا الحال في كل أمر يأتي بعد الحظر.
ثم تشير الآية إلى حكم الجماع في وقت الإعتكاف وهو حرمة ذلك فلا يجوز للمعتكف أن يباشر الزوجة، وهذه بعض الحدود الإلهية وإياكم أن تخالفوا تلك القوانين فإن ذلك خلاف للتقوى المطلوبة من الجميع، وإن أية مخالفة لحدود الله تعتبر معصية يستحق عليها الإنسان العقاب المناسب.
وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{البقرة/188}
من سبل البر في هذه الدنيا أن يأكل الإنسان طعامه من مال الحلال وأن يطعم أولاده من كد جبينه فإن أكل مال الحرام له أثر مباشر على سلوك الإنسان بالإضافة إلى المصير الأسود الذي ينتظره بعد الموت، وطرق الباطل في الحياة كثيرة منها مايؤكل بالغصب أو السرقة أو القمار أو البخس أو غير ذلك من تلك الطرق التي حذر الإسلام منها فلا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل حيث لا يحل مال أحد لأحد إلا بالطرق المشروعة وإلى هذا أشار الله بقوله في موضع آخر(يا أيُّها الَّذينَ آمَنوُا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُم بَينكُمْ بِالبِاطِلِ إلاّ تكونَ تجارةً عَن تراض مِنْكُمْ) ومن مساوئ أكل المال بالباطل أنه يدمر اقتصاد الأمة، وقد وردت هذه الآية بعد حديث الله عز وجل عن الصوم مما يدل على وجود ترابط بين الأمرين فهناك نهى الله الناس عن الأكل والشرب من الفجر وحتى الغروب لأن ذلك يشكّل عبادة لله، وكذا النهي عن أكل مال الحرام فإنه صوم عن الأكل المحرم وفي ذلك عبادة لله أيضاً لأن المؤمن يراقب ربه في كل شيء وفي العلن والخفاء والليل والنهار وفي الصلاة والصوم والحج والتجارة وفي أية كلمة تصدر عنه وهذا هو المعنى الحقيقي للخشية والتقوى، بعض المسلمين يراقبون الله في الصلاة فيحافظون عليها ويراقبونه في الصوم فيلتزمون أحكامه ولكنهم عند الإمتحان بالمال يفشلون، فالعبادة لا تتحقق إلا بجميع أطرافها أما الإلتزام بأمر دون أمر فهو نوع من الإستهزاء بالله عز وجل وبالإستهزاء لا تتقوم العبادة، فلا تكون الصلاة مقبولة إلا إذا انتهى المصلي عن الفحشاء والمنكر، ولا يكون الصوم حقيقياً إلا إذا صامت العين والقلب والروح والنفس عن جميع المحرمات وقد أخطأ كثيراً من ظن بأن العبادة محصورة في بعض الأفعال والحركات فليس كل من صلى قُبلت صلاته ولا كل من صام فقد صام فعلاً فإن كثيراً من المصلين والصائمين ليس لهم من ذلك سوى الجوع والعطش والتعب، والسبب أنهم لم يكملوا العبادة ولم يحافظوا على هيكلها.
فما نفع الركوع والسجود وأنت تأكل أموال الناس بالباطل، وأما المراد بقوله لتدلوا بها إلى الحكام فإن له معنيين، الأول: أن يعطي الإنسان شيئاً من ماله للقضاة بعنوان الرشوة أو الهدية حتى يتملك الباقي والملكية فاسدة فإنه إن كانت الملكية فاسدة فلا يحل لك المال حتى ولو حكم لك القاضي به، الثاني: أن تتحاكم إلى القاضي بحق مالي وأنت لم تُحسن التصرف من الأساس كأن تدع أمانة عند أحد دون أن يكون هناك شهود فإن القاضي في هذه الحالة سوف يحكم للطرف الآخر، ولعل الآية تشمل المعنيين، وقد صرحت الآية بأنكم تريدون أن تأكلوا قسماً من أموال الناس بالإثم والعدوان وهذا حرام سوف يحاسب الإنسان عليه في يوم القيامة وسوف يكون حسابه عليه عسيراً.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {البقرة/189}
الأهلة جمع هلال، ومفردة الهلال هي في الأصل من استهلال الصبي أي من بكائه يوم ولادته، وقد استُعمل للهلال يوم ولادته، وكذا استُعمل في الحج حيث يقال أهل القوم بالحج أي أنهم بدؤوا مناسكهم، ويستفاد من لفظ المضارع(يسألونك) أنهم كرروا هذا السؤال على رسول الله أكثر من مرة، وقد ورد أن اليهود كانوا يسألون الرسول والمسلمين عن المراد بتلك التغيرات التي تطرأ على الهلال فأنزل الله هذه الآية ليُثبت لهم أنه لم يخلق نظاماً إلى من أجل نظام وحكمة، وتلك الحكمة إما أن تكون ظاهلاة أو غامضة، فإذا سألوك يا رسول الله عنها فقل لهم إنها مواقيت للناس والحج، وهذه التغيرات المنتظمة تشكّل تقويماً طبيعياً للناس يساهدهم على نظم أمورهم الحياتية التي تقوم على التوقيت، وقد امتاز الإسلام بأن أحكامه تقوم على مقاييس طبيعية تكون عادة في متناول الجميع فإن الجميع يعرفون بداية الشهر ووسطه وآخره من خلال تلك التغيرات في القمر، وكذلك فإنهم يعرفون أوقات عباداتهم من خلال هذا النظام كمعرفة وقت الصلاة من خلال الشمس.
وهنا نسأل: هل كان هدف الذين سألوا رسول الله عن الهلال معرفة الفائدة من تلك التغيرات أو أنهم سألوا كيف يولد الهلال وكيف يصبح بدراً؟
لم يكن باستطاعتهم آنذاك أن يفهموا معنى هذا التغيير وكيفيته ولهذا أجابهم القرآن بما يترتب عن تلك التغييرات ولم يجبهم عن كيفيتها لأن عقولهم لا تطيق ذلك.
ثم ذكرت لنا الآية الكريمة عادة من عادات الجاهلية وهي أنهم كانوا إذا لبسوا لباس الإحرام حرموا على أنفسهم دخول بيوتهم من أبوابها فكانوا يصنعون ثقباً من الخلف ويدخلون إلى منازلهم من خلاله فنهاهم القرآن عن تلك العادة مبيناً لهم أنها ليست من أعمال البر ولكن البر هو أن تتقوا الله وتقلعوا عن تلك العادات السيئة.
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ {البقرة/190}
ذكر المفسرون سببين لنزول هذه الآية:
السبب الأول: أنها نزلت في قتال الكفار الذين أعلنوا الحرب على المسلمين، وأما الذين لم يعلنوا الحرب فلم يقاتلهم النبي حتى نزل تشريع قتال المشركين وجهادهم.
السبب الثاني: أنّ هذه الآية نزلت في صلح الحديبيّة وذلك أنّ رسول الله (ص) لمّا خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة، وكانوا ألفاً وأربعمائة، فساروا حتّى نزلوا الحديبيّة فصدّهم المشركون عن البيت الحرام، فنحروا الهدي بالحديبيّة، ثمَّ صالحهم المشركون على أن يرجع النبي من عامه ويعود العام المقبل، ويخلوا له مكّة ثلاثة أيّام، فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فرجع إلى المدينة من فوره. فلمّا كان العام المقبل تجهّز النبيّ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك وأن يصدّوهم عن البيت الحرام ويقاتلوهم، وكره رسول الله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية لتبيح للمسلمين القتال إن بدأهم المشركون به.
والقتال في سبيل الله يعني أن الحرب ليست للإنتقام بل لطاعة الله وتنفيذ أوامره والدفاع عن النفس لأن الله تعالى لا يحب المعتدين حتى ولو كان اعتداءاً من المسلمين على المشركين.
الشيخ علي فقيه



