تفسير قرآن

تفسير سورة البقرة

من الآية 271 إلى الآية 286

 

إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {البقرة/271}

يجوز للإنسان أن يتصدق في العلن والسر ولكن صدقة السر أفضل حيث يكون الرياء بعيداً عنها بخلاف صدقة العلن التي يمكن للشيطان أن يلعب دوراً هاماً فيها، فإذا أنفقتم أموالكم في سبيل الله تعالى فسوف يكفر عنكم سيئاتكم وهذه من آثار النفقة في يوم القيامة، ولا شك بأن الله تعالى هنا يرغبنا بالقيام بهذا العمل العظيم الذي يستمر به المجتمع ويحكم فيه نظام التكافل الإجتماعي الذي أولاه الإسلام رعاية خاصة.

لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {البقرة/272}

إن هدى الإنسان وضلاله يعود لنفسه وما على الرسول إلا البلاغ فليس عليك يا رسول الله هداهم فقد قمت بالواجب وأكثر، وليس لك أن تجبرهم على الإيمان، ومنعهم من النفقة نوع من الإجبار، والله يهدي من يشاء الهداية لنفسه، والنفقة التي تعطونها للفقراء هي في الواقع لأنفسكم لأنكم تزيدون في رصيدكم يوم القيامة، والنفقة التي تحمل هذا الأثر يجب أن تكون لله وفي سبيله أما صدقة الرياء فليس له أثر لا في الدنيا ولا في الآخرة، واعلموا أنكم إذا أنفقتم لوجه الله فسوف يوف الله لكم أجر تلك النفقة لأنه تعالى عادل لا يظلم أحداً، أما على من تجوز النفقة فإنه بالدرجة الأولى على المسلمين المحتاجين، وربما تجوز على غير المسلم في بعض الحالات، وقد جاء في سبب نزول هذه الآية أنّ أمرأة تدعى “أسماء” كانت في رحلة عمرة القضاء مع رسول الله  فجاءتها أمّها وجدّتها تطلبان بعض العون منها،وكانتا من المشركين فامتنعت أسماء عن إعطائهما لأنهما على غير دينها فذهبت إلى رسول الله واستأذنته في الأمر فنزلت هذه الآية الكريمة تجيز إعطاء غير المسلم في حالات خاصة.

لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ {البقرة/273}

أهم وأفضل موارد الإنفاق هو للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله أي الذين شغلتهم الأعمال الهامّة كالجهاد ومحاربة العدو، وتعليم فنون الحرب عن العمل في سبيل الحصول على لقمة العيش كأصحاب الصفّة الذين كانوا خير مصداق لهذا الوصف حيث لم يكن لهم بيوت تأويهم فسكنوا المسجد واستعدوا لأي حرب مع رسول الله.

 

ثمّ للتأكيد تضيف الآية: (لا يستطيعون ضرباً في الأرض) أي الذين لا يقدرون على السفر لكسب العيش إلى القرى والمدن الاُخرى

يحسبُهم الجاهل أغنياء من التعفّف هؤلاء الذين لا يعرف الآخرون شيئاً عن بواطن أُمورهم، ولكنهم ـ لما فيهم من عفّة النفس والكرامة ـ  يظنّون أنهم من الأغنياء.

ولكن هذا لايعني أنهم غير معروفين. لذا تضيف الآية (تعرفهم بسيماهم).

والسيماء: العلامة فهؤلاء وإن لم يفصحوا بشيء عن حالهم، فإنّ على وجوههم علامات تنطق بما يعانون يدركها العارفون، فلون وجناتهم ينبيء عمّا خفي من أسرارهم.

والثالث من صفات هؤلاء أنهم لايصرّون في الطلب والسؤال: (لا يسألون الناس إلحافاً) أي أنّهم لا يشبهون الفقراء الشحّاذين الذين يلحّون في الطلب من الناس، فهم يمتنعون عن السؤال فضلاً عن الإلحاف، فالإلحاح في السؤال شيمة ذوي الحاجات العاديّين، وهؤلاء ليسوا عاديّين. وقول القرآن إنّهم لا يلحفون في السؤال لا يعني أنّهم يسألون بدون إلحاف، بل يعني أنّهم ليسوا من الفقراء العاديّين حتّى يسألوا

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{البقرة/274}

ورد في أحاديث كثيرة أنّ هذه الآية الشريفة نزلت في عليٍّ (ع) لأنّه كان لديه أربعة دراهم فأنفق منها درهماً في الليل وآخر في النهار وثالث علانيّة ورابع خفيةً، فنزلت هذه الآية، ولكن من الواضح أنّ نزول الآية في مورد خاصّ لا يحدّد مفهوم تلك الآية ولا ينفي شموليّة الحكم لغيره من الموارد فهي تشمل كل من ينفق ماله ويريد بذلك وجه الله عز وجل فإنهم إن فعلوا ذلك أمّنهم الله تعالى من مخاوف الدنيا والآخرة.

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {البقرة/275}

في الآيات التي مضت كان الكلام عن الإنفاق لمساعدة المحتاجين وفي هذه الآية يدور الكلام على الربا الذي يقف في الجهة المضادّة للإنفاق، لأنّ تعاطي الربا يزيد من الفواصل الطبقية ويركّز الثروة في أيدي فئة قليلة، ويسبّب فقر الأكثرية، والإنفاق سبب طهارة القلوب والنفوس واستقرار المجتمع، والربا سبب البخل والحقد والكراهية والدنس.

هذه الآية صريحة في منع الربا، وهي وسائر الآيات التي تخصّ الربا نزلت في وقت كان فيه تعاطي الربا رائجاً بشدّة في مكّة والمدينة والجزيرة العربية لذلك فإنّ الحرب التي أعلنها القرآن على الربا تعتبر من أهمّ الحروب الإجتماعية التي خاضها الإسلام.

(الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاَّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس).

فالآية تشبّه المرابي بالمجنون الذي لا يستطيع الإحتفاظ بتوازنه عند السير، فيتخبّط في خطواته، وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية أنّه قال: “آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتّى يتخبّطه الشيطان”.

(ذلك بأنّهم قالوا إنّما البيع مثل الربا) إن منطق المرابي غير سليم فهو يدعي أنه لا فرق بين البيع والربا ولكن هناك فرق كبير عند الله تعالى فلقد أحلّ الله البيع وحرّم الربا) وهذا من أهم الفوارق بينهما.

(فمن جاءه موعظة من ربّه فانتهى فَلَهُ ما سلف وأمره إلى الله).

تقول الآية إنّ من بلغته نصيحة الله بتحريم الربا واتّعظ فله الأرباح التي أخذها من قبل “أي أنّ القانون ليس رجعياً” لأنّ القوانين الرجعية تولد الكثير من المشاكل والإضطرابات في حياة الناس، ولذلك فإنّ القوانين تنفّذ عادةً من تاريخ سَنّها.

(وأمره إلى الله) أي أنّ النظر إلى أعمال هؤلاء يوم القيامة يعود إلى الله.

 

(ومن عاد فأُولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

أي أنّ من يواصل تعاطي الربا على الرغم من كلّ تلك التحذيرات، فعليه أن ينتظر عذاباً أليماً في النار دائماً.

يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ {البقرة/276}

الله تعالى يُنقص الربا ويذهب ببركة المال أما الصدقات التي تُدفع من المال الحلال فإن الله تعالى يزيدها ويوسع على صاحبها، ثم إن الله لا يحب الكافر ولا العاصي، وهذا يعني أن مصيرهما سوف يكون وخيماً.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {البقرة/277}

بعد ذكر نتيجة العاصين ذكر الله عاقبة المؤمنين المخلصين الذين آمنوا به وعملوا الصالحات فهؤلاء لهم أجرهم عند الله والله لا يظلم الناس مثقال ذرة ثم تضيف الآية ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذه أكبر ربح للإنسان عندما يكون في مأمن من العذاب والخوف.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {البقرة/278}

جاء في تفسير علي بن إبراهيم أنّه بعد نزول آيات الربا جاء “خالد بن الوليد” إلى رسول الله (ص)وقال: كانت لأبي معاملات ربوية مع بني ثقيف، فمات ولم يتسلّم دَينه، وقد أوصاني أن أقبض بعض الفوائد التي لم تدفع بعد. فهل يجوز لي ذلك؟ فنزلت الآيات المذكورة تنهي الناس عن ذلك نهياً شديدا، فمن آثر الربا على رضا الله فقد خسر الدنيا والآخرة، وبهذا يختبر الله إيمان عباده.

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ {البقرة/279}

بعد نزول هذه الآيات أمر النبي(ص) أمير مكة بأنه لو استمر آل المغيرة في عمل الربا فسوف يقاتلهم أما إذا تابوا إلى الله وأوقفوا المعاملات الربوية فلا يحق لهم سوى أن يأخذوا رؤوس أموالهم من المدينين لهم ومن دون أية أرباح، وهم بذلك لا يظلمون أحداً ولا يظلمهم أحد، ولذلك عندما سمع الإمام الصادق(ع) أنّ مرابياً يتعاطى الربا بكلّ صراحة ويستهزيء بحرمته هدّده بالقتل.

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة/280}

أما إذا عجز الدائن عن سداد رأس المال فعلينا أن نُنظره ونعطيه وقتاً حتى يوسع الله عليه، وإن سامحتموه فذلك صدقة يتقبلها الله تعالى ويجزيكم بها خير الجزاء.

وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {البقرة/281}

وهنا يذكرنا الله باليوم الذي نرجع فيه إليه حتى يحاسبنا على أعمالنا، فالأفضل للإنسان أن يسارع إلى فعل الخيرات قبل أن يأتي يوم لا عمل فيه، وهناك يوفي الله المؤمنين أجورهخم ويعاقب المسيئين على إساءاتهم.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {البقرة/282}

هذه أطول آية في القرآن الكريم وهي تضع أكثر من عشرة بنود للمعاملات المالية، فإذا أقرض شخص شخصاً أو عقد صفقة، بحيث كان أحدهما مديناً، فلكي لا يقع أيّ سوء تفاهم  يجب أن يُكتب بينهما العقد بتفاصيله.

ولكي يطمئن الطرفان على صحّة العقد يجب أن يكون الكاتب شخصاً ثالثاً  وعل كاتب العقد أن يقف إلى جانب الحقّ، وأن يكتب الحقيقة الواقعة (بالعدل).

ويجب على كاتب العقد، الذي وهبه الله علماً بأحكام كتابة العقود وشروط التعامل، أن لا يمتنع عن كتابة العقد، بل عليه أن يساعد طرفي المعاملة في هذا الأمر وعلى أحد الطرفين أن يملي تفاصيل العقد على الكاتب. ولكن أيّ الطرفين؟ تقول الآية: المدين الذي عليه الحق: (وليملل الذي عليه الحقّ).

من المتّفق عليه أنّ التوقيع المهمّ في العقد هو توقيع المدين، ولذلك فإنّ العقد الذي يكتب بإملائه يعتبر مستمسكاً لا يمكنه انكاره وعلى المدين عند الإملاء أن يضع الله نصب عينيه، وإذا كان المدين واحداً ممّن تنطبق عليه صفة “السفيه”، وهو الخفيف العقل الذي يعجز عن إدارة أمواله ولا يميّز بين ضرره ومنفعته، أو “الضعيف” القاصر في فكره والضعيف في عقله المجنون، أو “الأبكم والأصم” الذي لا يقدر على النطق، فإنّ لوليّه أن يملي العقد فيكتب الكاتب بموجب إملائه وعلى “الولي” في الإملاء والإعتراف بالدَين، أن يلتزم العدل وأن يحافظ على مصلحة موكّله، وأن يتجنّب الإبتعاد عن الحقّ (فليملل وليّه بالعدل) هذا بالإضافة إلى كتابة العقد، على الطرفين أن يستشهدا بشاهدين ويجب أن يكون الشاهدان بالغين ومسلمين وهذا يستفاد من عبارة (من رجالكم) أي ممّن هم على دينكم.ويجوز اختيار شاهدتين من النساء وشاهد من الرجال (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان).

ولابدّ أن يكون الشاهدان موضع ثقة (ممّن ترضَون من الشهداء). يتبيّن من هذه الآية أنّ الشهود يجب أن يكونوا ممّن يُطمأنّ إليهم من جميع الوجوه، وهذه هي “العدالة” التي وردت في الأخبار أيضاً وإذا كان الشاهدان من الرجال، فلكلّ منهما أن يشهد منفرداً. أمّا إذا كانوا رجلاً واحداً وامرأتين، فعلى المرأتين أن تدليا بشهادتهما معاً لكي تذكّر إحداهما الاُخرى إذا نسيت شيئاً أو أخطأت فيه.

ويجب على الشهود إذا دُعوا إلى الشهادة أن يحضروا من غير تأخير ولا عُذر كما قال: (ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا).

وتجب كتابة الدين سواء أكان الدَين صغيراً أو كبيراً، لأنّ الإسلام يريد أن لا يقع أيّ نزاع في الشؤون التجارية، حتّى في العقود الصغيرة التي قد تجرّ إلى مشاكل كبيرة (ولا تسأموا أن تَكْتُبُوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله) والسأم هو الملل

وإذا كان التعاقد نقداً فلا ضرورة للكتابة (إلاَّ أن تكون تجارةً حاضرةً تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألاَّ تكتبوها).

وفي المعاملات النقدية وإن لم تحتج إلى كتابة عقد، لابدّ من شهود: (وأشهِدوا إذا تبايعتم)  وآخر حكم تذكره الآية هو أنّه ينبغي ألاَّ يصيب كاتب العقد ولا الشهود أيّ ضرر بسبب تأييدهم الحقّ والعدالة: (ولا يضارّ كاتب ولا شهيد).

ثمّ تقول الآية إنّه إذا آذى أحد شاهداً أو كاتباً لقوله الحق فهو إثم وفسوق (وإن تفعلوا فإنّه فُسُوق بكم).

وفي الختام، وبعد كلّ تلك الأحكام، تدعو الآية الناس إلى التقوى وامتثال أمر الله: (واتقوا الله) ثمّ تقول إنّ الله يعلّمكم كلّ ما تحتاجونه في حياتكم المادّية والمعنوية: (ويعلّمكم الله) وهو يعلم كلّ مصالح الناس ومفاسدهم ويقرّر ما هو الصالح لهم: (والله بكلّ شيء عليم).

وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ {البقرة/283}

إذا لم يكن هناك كاتب بداعي السفر على سبيل المثال فيجب أن يضع الدائن رهاناً في يد المدين حتى يضمن له حقه، وهذا الحكم لا يختص بالسفر بل في حالة عدم وجود كاتب ولو كان في الحضر، ولا رهن عند وجود الثقة بينهما ولكن على الدائن أن يحترم تلك الثقة ويؤدي دينه للمدين وأن يتقي الله في ذلك، وهنا ينهانا الله تعالى عن كتمان الشهادة فإذا كنا نعلم بوجود أمانة عند أحد ودعينا للإدلاء بالشهادة فيجب علينا الإدلاء بها لأن كتمان الشهادة من كبائر المحرمات، وعلم الله بذلك فيه نوع من الوعيد لمن يكتم الشهادة ويخون الأمانة ولا يرد الدين إلى صاحبه.

لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {البقرة/284}

لله ملك السموات والأرض وهو العلم بهما وبشؤونهما وهو القادر على حفظهما ولا يعجزه ذلك، وبما أنه مالك السموات والأرض فهو يعلم كل ما يحدث فيهما صغيراً كان أم كبيراً، سواء أبدينا ذلك أم أخفيناه فهو عند الله سواء، وبيده جميع أمور العباد فهو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولا يشاركه في أمره وحكمه أحد من خلقه، ولكنه تعالى أخبرنا في العديد من الآيات أنه سوف يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين.

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ {البقرة/285}

من مميزات الأنبياء أنّهم مؤمنون بما جاءوا به إيماناً قاطعاً، فلا شكّ ولا شبهة في قلوبهم عن معتقداتهم، فقد آمنوا بها قبل الآخرين واستقاموا وصبروا عليها قبل الآخرين، وكذلك الذين آمنوا حقاً وصدقاً واستقاموا على الإيمان وأخلصوا لله تعالى، ولا ينبغي أن نفرق بين الله وأنبيائه وملائكته وكتبه ولا بين نبي ونبي وملك وملك بل يجب أن نؤمن بكل ما يجب الإيمان به وإلا كان إيماناً ببعض وكفراً ببعض، ولكن المؤمنين يسمعون ويطيعون ولا يكتفون بمجرد القول أو الشعور القلبي لأنهم يعلمون بأن الإيمان من غير عمل لا فائدة منه.

لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {البقرة/286}

إن الله تعالى خلق الإنسان وهو يعلم بقدراته ولهذا لم يوجه له تكليفاً خارجاً عن إرادته وفوق طاقته وهذا عين العدالة الإلهية، فللإنسان ما كسب في هذه الدنيا فإن فعل الخير فسوف يحصد الخير وإلا فإنه سوف يجازى بمثل عمله، وأما المؤمنون فإنهم يدعون الله تعالى أن لا يؤاخذهم إذا وسوس الشيطان لهم أو فكروا في المعصية، ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، وفي هذا المقطع من الآية يطلب المؤمنون من الله تعالى طلبين: الأوّل أن يرفع عنهم الفروض الثقيلة التي قد تمنع الإنسان من إطاعة الله، وهذا هو ما ورد على لسان النبيّ (ص)بشأن التعاليم الإسلامية، إذ قال “بعثت بالشريعة السهلة السمحة” وفي الطلب الثاني يريدون منه أن يعفيهم من الإمتحانات الصعبة والعقوبات التي لا تطاق، ولا شك بأن الله تعالى غفور ورحيم وأنه سوف يستجيب لعباده المؤمنين الذين نسأل الله أن نكون منهم.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى