قصص وحكايات

رِحْلَةٌ فِيْ قَلْبِ الصَحْرَاء(الجزء الرابع)

قصص وحكايات

 

 

حوَارُ رَئيسُ القَبيْلَة مَعْهُم حَوْل رأسِ المَال

 

قبل مغادرتهم لتلك القبيلة اجتمع بهم رئيسها الذي فاجأه قلة المال الذي ينوي أمجد ورفاقه الإتجار به، وقد بدأت الجلسة بضحك شديد استمر لدقائق، فكان الرئيس يضحك والشباب يضحكون ولا يعرفون سبب الضحك، فسألهم عن رأس مالهم الذي ينوون التجارة به فأخبروه بأنهم قد جمعوا ست عشرة قطعة ذهبية، وبعدها ازداد ضحكه، ثم قال لهم: يا أبنائي الأعزاء، لا شكّ بأنّ الذي شجعكم على التجارة بهذا المال كان يكذب عليكم، أو أنه كان جاهلاً بالأمر، ولا أظنه كذلك، فبالله عليكم أصدقوني القول، مَن الذي حثّكم على الخروج بهذا المبلغ الزهيد؟

فقال ماجد: في الحقيقة يا سيدي، إنه رحّالة غربي كان قد زار قبيلتنا منذ مدة ومكث في ضيافتنا بضع أيام، فقطع الرئيس كلامه وقال لماجد: إن كان هو مَن أظنه فقد كذب عليكم، فهل تعرفون اسمه؟ فقالوا: لا، لم يُخبرنا باسمه ولم نسأله عنه، فقال الرئيس: أقسم إنه هو الذي أقصده، إنه أخبث إنسان صادفته في حياتي، أتمنى أن يريحنا الله من شره، فقال مجيد: لقد استجاب الله لك قبل أن تدعو، وجدناه جثة هامدة في الطريق وقد دفنّاه بأيدينا، فقال الكبير: الحمد لله الذي أراح قبائلنا منه، إنه جاسوس خبيث مهمته تدمير قبائلنا وتشريد شبابنا وسلب الحياء من فتياتنا، وأتمنى أن لا تكونوا قد وقعتم في أفخاخه، فقال ماجد: إنّ كبير قبيلتنا يشابهك في الحكمة، ولولاه لوقع الجميع في فتنة الرحّالة، فلقد تنبّه كبير قبيلتنا له وحذّرنا منه في الوقت المناسب، فقال الرئيس: إن كان ما تقوله صحياً فلماذا سمعتم كلامه وتركتم قبيلتكم؟ فقال ماجد: نحن مَن قرّر السفر بغض النظر عن كلامه معنا، فلو لم نسافر اليوم فسوف نسافر غداَ، ولا نخفيك أمراً أنني ورفاقي كنا نتمنى التجوال منذ سنوات، وقد رأينا أنه جاء الوقت المناسب بعد أن كنا نخشى مفاتحة كبير قبيلتنا بهذا الأمر، واستعملنا كلام الرحالة المعسول ذريعة لنا لاتخاذ هذا القرار، وعزمنا على الخروج حيث كانت فرصة لن تتكرر، فقال الرئيس: على أي حال بموته انتهينا من شره، ولنعد إلى حديثنا الأول، فقاطعه ماجد وأحب أن يعرف المزيد عن ذلك الرحالة حتى يتنبّه في المستقبل لأمثاله، فطلب من رئيس القبيلة إخباره كيف اكتشف كذبَه، فطلب منهم الجلوس والإصغاء، وأراد من خلال حديثه عنه تنبيههم وليس التشهير به بعد موته.

 

مَا حَدَثَ بَيْنَ الرئيْس والرحالَة

 

جلس رئيس القبيلة وطلب من الشباب الإصغاء والإنتباه لما سوف يذكره أمامهم عن ذلك الخبيث بهدف تعليمهم وتنبيههم لمكائد البعض من البشر كيلا يحكموا على الناس من خلال الظاهر، ولو لم يكن رئيس القبيلة أذكى من الرحالة الغربي لَوَقع شعبه في ورطة يصعب التخلص منها، ثم قال لهم: إنتبهوا جيداً لما سوف أقوله لكم، وأرجوا أن يكون كلامي واضحاً عندكم ومفيداً لكم، فقال ماجد: تفضل يا سيدي فكلنا آذان صاغية وقلوب واعية، وسوف نكون عند حُسن ظنك دائماً، ثم بدأ كلامه عن الرحالة المشؤوم فقال:

منذ شهر تقريباً وبينما كان مجلس القبيلة منعقداً لدراسة شؤون الناس في قبيلتنا دخل علينا ولدي مسرعاً وأخبرنا أنه التقى برحّالة غريب في بعض مضاربنا كان يأخذ قسطاً من الراحة فدعاه إلى ضيافتنا فلبى الدعوة مسرعاً وكأنه كان ينتظرها بفارغ الصبر، وكنا نتمنى دائماً أن يحل الناس علينا ضيوفاً حتى نتعلم منهم شيئاً عن ثقافتهم وما خفي عنا من أمور البلاد الأخرى، فطلبت من ولدي إدخاله علينا فوراً، فدخل إلى خيمة اجتماعنا فوقفنا احتراماً لقدومه وإكراماً لوفادته، ورحّبنا به أشد ترحيب بعد أن تصافح معه الجميع، ثم قمنا بواجب الضيافة معه فأعددنا له جميع وسائل الراحة، ولكنّ نظراته كانت غريبة وحركاته أغرب، بحيث لو نظرتُم إليه لظننتم بأنه يبحث عن شيء معيّن قد ضاع منه، فلم يترك زاوية في خيمتنا إلا وتفحّصها بعد أن نظر إلى وجه كل واحد منا بتمعُّن، ولهذا شعرت أنا وجميع مَن كان حاضراً بشيء غريب تجاهه، وأنا شخصياً لم أرتح له لحظة أن نظرتُ في وجهه، ولم أطمئن لمكوثه بيننا حيث كانت نواياه السيئة تملأ صفحة وجهه الملوّن بألوان الشر.

على أي حال فقد عمِلنا ما يفرضه علينا الواجب، وأرسلناه إلى خيمته للراحة وتناول الطعام، وفي صباح اليوم الثاني أحببتُ أن أخدمه بنفسي، فحملت أطباق الطعام وأتيت إلى خيمته، فاستأذنتُ ودخلت مسرعاً حيث كانت الأطباق ثقيلة الوزن وخفت أن تسقط من يدي، فارتبك حين رآني واسود وجهه وخبّأ رقعة كان يحملها بيده، فأخذني الفضول لمعرفة ما في الرقعة، وإن كنت معتقداً بسوء تصرّفي وأنّ ما في الرقعة أسوأ، ولكن خوفي على مصلحة القبيلة أجبرني على التقصي عنه، فلا يجوز لي الإستهتار تجاه أي شك يراود قلبي لأنني مسؤول عن أمن القبيلة وحياة أهلها.

ثم راح يُشعرني بأنه غير متوتر وأنه يحب المطالعة دائماً وأنه لا يحب أن يضيّع الوقت من دون أن يستفيد علماً ومعرفة، ثم سألني إن كنتُ أُحسن القراءة والكتابة فكذبتُ عليه ونفيت معرفتي بهما فاطمأن لي.

ولم يكن بالإمكان أخذ الرقعة منه إلا بحيلة ذكية وخطة محكَمة، فخرجت من الخيمة وأنا أفكر بطريقة للحصول عليها دون أن يساوره الشك فيخفيها ولا نعلم بعدها بنوايا، وفجأة خطرَتْ لي فكرة عملتُ على تنفيذها فوراً، فذهبتُ إلى داري مسرعاً وطلبت من ابني الذهاب إلى خيمة الرحالة ودعوته لتناول طعام الغداء في داري، فذهب ودعاه وكان الرحالة متجشعاً ومطمئناً لظنه بأننا أغبياء.

ثم طلبتُ من ولدي أن يستقبله ويلهيه حتى أنجز مهمتي في خيمته، وكان كل دقيقة يٍسأل ولدي عني فيقول له إنه في اجتماع طارئ وسوف يدخل علينا بعد لحظة، فذهبتُ إلى خيمته واستخرجت الرقعة من صندوقه وكانت عبارة عن تكليف له من أحد أمراء الروم يأمره فيها بتمزيق ثقافتنا من دون رحمة، وتشتيت شملنا وتخريب عقول شبابنا وفتياتنا، فارتعدت فرائصي عندما قرأتها، فأرجعتها إلى مكانها وخرجت من الخيمة متوتراً لا أعرف كيف أتصرف معه كونه ضيفاً عندنا، ولكن هناك تجاوزات للعادات والتقاليد تفرض نفسها في بعض الأحيان.

ولم أشأ أن أتخذ القرار منفرداً دون الرجوع إلى مجلس القبيلة كيلا يعيبوا عليّ تصرفي ويعتبروه انتقاصاً من شأنهم، فاستدعيت جميع أعضاء المجلس للتشاور في موضوع الرحالة ورقعته.

أخبرتهم بما حصل دون زيادة أو نقصان، وقد تعددت آراؤهم في شأنه، فمنهم من أشار على المجلس بقتله، ومنهم من اختار سجنه، ومنهم من رأى الإنتظار حتى يرحل بنفسه كيلا يشهّر بنا إن نحن طردناه من قبيلتنا.

فقال ماجد: وأنت يا سيدي، ماذا رأيت في هذا الشأن؟

فقال رئيس القبيلة: كان رأيي أن أخبره بالحقيقة وأننا عرفنا نواياه تجاهنا، فخيّرتُه بين السجن أو الرجوع إلى بلاده بشرط أن لا يُكمل جولته في بلادنا فوافق مكرَهاً وجمع أغراضه ورحل في اليوم الثاني قبل طلوع الشمس.

فقال ماجد: إنه لم يلتزم بما طلبتَه منه بل أكمل رحلته نحو قبيلتنا، فقال الرئيس، كان مأموراً بذلك ولن يعود قبل تحقيق أهداف أميره، فقال له ماجد: ولماذا لم تقتلوه أو تسجنوه على الأقل، فأجابه الرئيس بقوله: لا أخفي عليك يا ولدي أنني فكرت في ذلك، ولكنني خشيتُ من غضب أسياده علينا، فنحن شعب لا طاقة لنا على مواجهة أي جيش يغزو أرضنا، فرأيت أنّ إبعاده عنا أسلم لنا، فقال له الشباب: نِعم ما فعلتَ، إنه الرأي السديد.

 

الرئيْسُ يَدْعَمُهُم بِرَأْسِ مَالٍ كَبيْر

 

بعد أن حدثهم رئيس القبيلة عما جرى بينه وبين الرحالة تابع حديثه معهم حول رأس المال الذي سيحتاجون إليه في رحلتهم، فقال لهم: إسمعوا يا أعزائي: إنَّ هذا المال الذي تحملونه بالكاد يكفيكم لمصاريف رحلتكم الطويلة، إنكم بحاجة إلى رأس مال أكبر بكثير، إنكم حديثوا عهد بهذا العمل، ولعله لم ينصحكم أحد قبل خروجكم، فقال ماجد للرئيس، ولكنه معنا جواهر ثمينة، يمكن لتجارتنا أن تزدهر بثمنها، وكان الشباب ما يزالون يعتقدون بأن الزجاج الذي أعطاهم إياه الرحالة الدجّال هي جواهر نظراً لألوانها المختلفة وشدة لمعانها، فقال الرئيس أين هي؟ ومن أين حصلتم عليها، فأخرجها ماجد من صندوق كان يحمله، فأخذها الرئيس وراح يطيل النظر إليها ويتفحصها، ثم سأل ماجداً، من أين حصلتَ عليها؟ فأخبره بقصة الرحالة الغربي الذي أهداهم تلك الجواهر، فابتسم الرئيس وقال: لقد خدعكم يا بني، إنها مجرد نوع من الزجاج الملون لا قيمة له، إنه طلاء من الخارج فقط، إكسر واحدة منها وسوف ترى الأمر بنفسك، فكسر ماجد واحدة فكانت كما قال الرئيس، وقد شعروا بإحباط شديد، وقد لاحظ الرئيس ذلك فبادرهم بالقول: لا عليكم يا أبنائي، سوف أقرضكم ألف قطعة ذهبية، وعندما ترجعون بالسلامة غانمين ترجعونها إليّ، ما رأيكم؟ فلم يكن للشباب خيارٌ آخر، فأخذوا الذهب من الرئيس ووعدوه بإرجاعه بعد أن تربح تجارتهم.

 

القَبيْلَةُ تُودعُ ضُيوفَها

 

كان من المفترَض أن يرتاحوا ليلة واحدة في تلك القبيلة ثم بعدها يغادرونها لمتابعة رحلتهم الأساس، ولكنهم مكثوا فيها أكثر من ذلك بسبب ما استجد لهم فيها مما أجبرهم على المكوث في القبيلة خمسة أيام، ولم تكن تلك المدة متعارَفاً عليها في القبائل حيث كان من المفروض أن يغادروها قبل ذلك الوقت حتى يتفرّغ أهل القبيلة لشؤون حياتهم.

ولكن للضرورة أحكام، وصاحب الحاجة أرعن، والحب يُعمي البصيرة، وهذا ما جعلهم غير منتبهين للمدة التي قضوها هناك.

والأهم من ذلك كله هو أنهم اتفقوا مع والد الفتاة على الزواج بشرط أن يرجعوا إليهم برفقة والد أمجد ليخطبها رسمياً لابنه.

وفي صباح اليوم السادس ودّعت القبيلة ضيوفها الشباب بعد أن شعر أهلها بالأُنس معهم وكأنهم أبناء قبيلتهم الأصليون، فقد أحبهم الصغير قبل الكبير، ولكنها سُنّة الحياة التي تفرض قوانينها على البشر فلا تسمح للرياح أن تجري دائماً مع وُجهة السفن.

خرجوا من تلك القبيلة وبقيت قلوبهم فيها وبالخصوص الشاب المحب(أمجد) الذي لولا الملامة لما خرج منها.

 

فِكْرَة الزَوَاجِ من الغرباء

 

اعتادت أكثر القبائل العربية أن تزوّج بناتها لشباب أهل القبيلة على قاعدة الأقرب فالأقرب، وغالبيتها كانت تعتبر الزواج من الغريب أمراً مَعيباً كيلا يظن الغرباء بأنّ القبيلة خالية من الرجال الأكفاء، وكان عقاب الفتاة التي ترغب بالزواج من الغريب السجن بلا طعام وشراب، والتعذيب، وربما القتل حيث يعتبرونه عاراً عليهم، وكان لابن عم الفتاة سلطة مباشرة عليها لا يستطيع والدها أو أشقاؤها منعه منها.

أما في قبيلتنا هذه.. فقد كان الأمر مختلفاً عن غيرها من القبائل العربية الأخرى لأنه خرج العديد منهم عن قيود وأغلال تلك العادات التي كانت مساوئها أكبر من منافعها، وقد رأى الكثيرون منهم بأنَّ هذا السلوك يضع الحواجز الكثيرة بينهم وبين الآخرين، ويفكك روابط القبائل التي اجتمعت عن طريق المصاهرة، وقد كان زواج واحد من قبيلة بفتاة من قبيلة أخرى يجعل القبيلتين شبه واحدة، ولطالما حدّت المصاهرة من الغرباء كثيراً من المعارك والمذابح.

وأهل قبيلتنا، منهم مَن تمسك بعاداته القديمة اللامدروسة، ورفض أن يزوّج بناته للغريب، ومنهم من تخلّى عنها، وأولهم والد فتاتنا(ليلى) الذي رحّب بزواج ابنته من ضيفه بعد أن لمس فيه الزوج المناسب لها.

 

بعْضُهُم يُوسْوِسُ لوَالدِ الفَتَاة

 

انتشر خبر خطبة الشاب لابنة كبير القبيلة الذي كان في قبيلته مَن يحسده على مكانته وفطنته وحُبّ الكثيرين له بسبب طيبته وحكمته في إدارة شؤون الناس، والحاسد كما نعرف يبقى مترقّباً لكل ما يرى ويسمع، ومنتظراً لأية فرصة تسمح له بالإنقضاض على محسوده، وقد جاءت لبعض الحاسدين فرصة ذهبية ربما استطاعوا من خلالها أن يُبعدوا الكبير عن منصبه ويتفرّدوا في الحُكم دون منازع.

اجتمع سبعةٌ من رجال القبيلة تحت لواء واحد منهم كان من أشد الناس بغضاً وحسداً لزعيمهم، وراح يُلقي فيهم الخطابات التحريضية التي كان الهدف منها مصلحته الخاصة فقط، ومع الأسف استطاع أن يؤثّر عليهم بكلماته الشيطانية حتى أصبحوا وكأنهم دُمى بين يديه يحركها كيفما يشاء.

اجتمعت كلمة السبعة على مواجهة الكبير وإلقاء التُّهم عليه، وأنه خرج عن عادات وتقاليد الآباء والأجداد، وأنه سوف تزول كرامتهم بين الناس بسبب هذا التجاوز، فأرسلوا واحداً منهم لطلب الإذن من الكبير باللقاء معه فأذِن لهم بالحضور على الفور، وقد شعر بما يدور في نفوسهم بعد أن علِم بأن مناوءه هو الذي يترأس الوفد، فجهز نفسه للقائهم والرد على جميع أسئلتهم.

دخلوا عليه وألقوا التحية المتعارَف عليها وجلسوا بين يديه كتلامذة أمام معلّمهم، ولم يكن ذلك احتراماً منهم، بل وسيلة شيطانية للتأثير عليه.

وفور دخولهم عليه أمر لهم بطعام وفاكهة، ورفض أن يبدأ الكلام معهم إلا بعد أن يأكلوا ويشربوا وكان ذلك.

ثم أذن لهم بالكلام فبدأ الحاسد بإلقاء ما في جعبته من سموم دون أي احترام لمكانة الكبير وداره حتى انزعج منه بعض أعوانه السبعة لخروجه عن المألوف، وكان ذلك مخالفاً لأعرافهم، ثم راح يعيّره على قبوله الزواج من الغرباء، وأنَّ الذي يرتكب مثل هذه المخالفة للأعراف لا يصلح أن يكون زعيماً، ولم يتفوّه الكبير بأية كلمة حتى انتهى الحاسد من كلامه تماماً.

بقي رئيس القبيلة ساكتاً متفكراً بما كان يسمع، وكان ينظر إليهم واحداً واحداً وهم يطأطئون رؤوسهم ثم قال لهم: هل ما فعلتُه برأيكم مخالف لأعرافنا وتقاليدنا؟ فقال نعم: فقال: هل ارتكاب المخالفة للعُرف تمنع المرء من هوية انتمائه؟ قالوا: بالطبع: قال: وما المطلوب مني؟ قالوا: أن تتراجع عن موافقتك لذلك الزواج أو أن تتنحى عن منصبك، قال لهم: برأيكم الزواج من الغرباء مخالفٌ للتقاليد، فما رأيكم بخُلف الوعد؟ هل هو مخالف لتقاليدنا أم لا؟ فقال الحاسد: بالطبع مخالف لتقاليدنا فنحن قوم نفي بوعودنا، فقال له الكبير: إذا قطعت وعداً لتاجر غريب أن تبيعه بضاعتك أو تشتري بضاعته فهل يجوز لك أن تغيّر رأيك فلا تشتري منه ولا تبيع؟ فقال الحاسد: الموت أهون عليَّ من أن أخالف وعدي، فقال الكبير: كيف تريد مني إذاً أن أخالف وعداً قطعتُه؟ فارتبك الحاسد ثم قال: الزواج غير التجارة، فقال الكبير: ولكن الوعد وعد في كل شيء، فوقع الحاضرون في حيرة من أمرهم، ثم خطرت للكبير فكرة يستطيع من خلالها أن يقتل أطماعهم، فقال للحاسد: أريد أن أزورك الليلة في دارك هل لديك مانع، فأراد الحاسد أن يستنبط في تلك اللحظة ما يرمي إليه الكبير فلم يصل إلى شيء، ولم يكن أمامه سوى الموافقة، لأنه إذا رفض طلبه فهذا يعني نهايته بين أهل قبيلته، ثم بعد أن وافق قال له الكبير: وأرجو أن تدعو أكبر عدد ممكن من أهل القبيلة، فقال الحاسد: أهلاً بك وبكل من يحضر، واتفقا على موعد محدد ثم افترقوا.

 

إِجْتِمَاعٌ مَهيْب فيْ دَارِ الحَاسِد

 

بعد أن طلب رئيس القبيلة من الحاسد أن يزوره في داره دعا الحاسد وجهاء أهل القبيلة بناءاً على طلب الزعيم، وكان الحاسد ينوي إحراج زعيمه أمام الحاضرين حتى تسقط هيبتُه عندهم فيخلو له الجو ويصل إلى الزعامة.

حضر جميع المدعوين، ثم وصل الزعيم فقام الجميع احتراماً له وترحيباً به، وبهذا التهبَتْ نيران الحسد أكثر في قلب الحاسد الذي لم يكن يعرف من أين يبدأ وماذا يقول.

وقف زعيم القبيلة وشكر المضيف وأثنى على الحاضرين ثم حكى لهم الحديث الذي دار بينه وبين الرجال السبعة وكبيرهم في داره، فانقسم الحاضرون بين مؤيِّد لرأي الزعيم ورافضٍ له، ولم يكن لدى أحدهم حُجة يُدلي بها أمام هذا الواقع الذي أوقعهم في حيرة كبيرة كادت تقضي على القبيلة ومستقبلها لولا حكمة زعيمهم الذي وقف واقترح عليهم الإستفتاء في موضوع تزويج بناتهم للغرباء، ثم قال لهم: أنا أحترم آراءكم وعاداتكم، ولكن الأمور تجري لغير صالحكم إن بقيتم متمسكين بهذه العادات التي كان ضررها أكبر من نفعها، وهنا استغل الحاسد الفرصة ووقف قائلاً: هذا اعتراف صريح منك يا حضرة الزعيم بأنك خرجت عن عاداتنا، وأراد بقوله أن يؤلِّب القوم عليه، فقال له الزعيم: إذاً، نحن في ورطة ولا بد من وضع حلٍ مناسب لها، وأنا أرضى بأي حلٍ يختاره أهل قبيلتي، فهل لدى أحدكم قولٌ فصلٌ؟ سنعود إلى الحل الذي طرحه الحاسد بعد أن نرجع معاً بالذاكرة إلى الوراء أسابيع قليلة.

 

عَوْدَةٌ إلى الوَرَاءِ قَليلاً

 

كان الحاسد يكيد بكبير القوم قبل وصول الشباب إلى القبيلة بفترة طويلة، ولكنه لم يعثر طيلة تلك المدة على فرصة للإنقضاض عليه، ولم يقع في أي خطأ يوجب إضعافه، وفي اجتماع خاص مع أعوانه السبعة بعد أن فشلوا في جميع محاولاتهم لإزاحة الزعيم اقترحوا على الحاسد أن يسلك نهج الزعيم في تقديم المساعدات لأهل القبيلة، فأنكر عليهم القول لعدم امتلاكه ما يقدمه لهم، فاقترح عليه أحد أعوانه أن يسطو على خزائن زعيم القبيلة فيسرقها ويقدمها للناس على أنها منه، فأعجبته الفكرة وأدار مسامع قلبه حينها إلى تلك الفكرة الشيطانية دون أن يفكّر لحظةً في عواقب الأمور حيث أعمى الطمع قلبه، وذهب الحسد ببصيرته، فكلّف أعوانه بسرقة مخازن الزعيم، ولم يتركوا سوى القليل كيلا يُفتضح أمرهم ووزعوها على الناس خفية عن عيون كبيرهم بهدف استمالتهم نحو مُرشّحهم، ثم جاء موضوع خطبة الشاب الغريب لابنة الزعيم فانتهزها الحاسدة فرصة له، ولا ندري إن كانت خطته ستنجح أم لا.

 

الحَاسِدُ يَقتَرحُ حلاً

 

أراد الحاسد بكبير القوم شراً فانقلب السحر على الساحر وتجرّع مرارة كأسه عندما حاول استغلال الظروف الطارئة لمصلحته البائسة بتأليب الرأي العام على زعيم القبيلة الذي يرون فيه الأب العطوف، فاغتنم الفرصة ليضرب ضربته القاضية، فوقف بين الناس وأشار عليهم بالإستفتاء مبيناً لهم بأن رئيسهم لا يلتزم بالعادات والتقاليد، ثم قال للزعيم: سأجعل أهل القبيلة حَكماً بيني وبينك، فَهُم من يجب أن يختاروا زعيمهم، فقال له الزعيم: أنا موافق على اقتراحك، وسوف ألتزم بكل ما يختاره أهل قبيلتي، فإنْ رجحت كفة الإستفتاء لك فسوف أغادر القبيلة دون عودة، وإن رجحت لي فالأمر يعود إليك بين البقاء عزيزاً بيننا أو الذهاب إلى أي مكان تختاره.

لقد أثّرت تلك الكلمات في نفوس أهل القبيلة الذين أجروا حينها مقارنة سريعة بين زعيمهم الحالي ومن سوف يخلفه، فاختاروا الصواب، وبدأ الإستفتاء وانتهى باختيار الزعيم الحالي مدى الحياة، ولم يختر الحاسد للزعامة حتى الرجال السبعة الذين كانوا يوسوسون له، وعندما ظهرت النتيجة سلبيةً بالنسبة له ذهب إلى خيمته وأشعل النار فيها وخرج من القبيلة دون أن يصرّح بوجهته، وانتهت تلك المشكلة بعد أن كان وضع القبيلة متزلزلاً، وقد نزل أهلها عند رغبة كبيرهم وتخلوا عن عاداتهم القديمة ووافق الجميع على تزويج بناتهم من أي غريب كفؤ.

وبعد ظهور النتيجة لصالح الزعيم أرسل في طلب الحاسد قبل أن يخرج من القبيلة، فهناك أمرٌ ضروري يجب أن يعرفه الناس قبل رحيله، فحضر ثانية ولم يجلس، فسأله الزعيم: أتعرف مَن سرق المحاصيل من حزانتي ووزّعها على أهل القبيلة، فاسود وجهه ولم يتفوه بأية كلمة، فقام واحد من الرجال السبعة واعترف بالحقيقة، ولم يكن أمام الحاسد سوى الهروب من القبيلة كيلا يُحاسب على تلك الجريمة، ثم تاب السبعة وأصبحوا مخلصين للزعيم بعد أ، رأوا من سمو أخلاقه ما لا يوصف، فقام واحد من أهل القبيلة وسأل الزعيم: لماذا لم تخبرنا بهذه السرقة قبل إجراء الإستفتاء؟ فأجابه: كيلا يعتبره البعض تأليباً عليه واستغلالاً للظروف، فصفّق الجميع له وراحوا يهتفون باسمه وطول عمره.

 

ابنُ عَم الفَتَاةِ يَغْضَب

 

انتهت مشكلة الحاسد على خير، وواجه الزعيم مشكلة أخرى كان وَقْعُها عليه أشد من سابقتها، فقد كان لابنته ليلى ابنُ عمٍ يُدعى(حامد) ولكنه لم يكن حامداً ولا محموداً، فهو مجرد اسم يُطلق عليه ليس أكثر لأنّ أفعاله لم تكن متفقة مع معنى اسمه.

كان حامدٌ هذا لا يعبأ بابنة عمه التي أحبته من صميم قلبها، ولكنه كان حباً من طرف واحد، وكان لا يلتفت إليها رغم وجود صفات فيها يتمناها أي شاب آخر، وكانت والدته قد ذَكَرَتْها عنده مراراً لتلفت انتباهه نحوها كونها الفتاة المناسبة للزواج وتربية الأولاد، ورغّبته بالزواج منها حيث لا يوجد لها في القبيلة نظير، ولكنه كان غارقاً في اللهو واللعب ورحلات الصيد والتجوال من مكان إلى مكان بهدف التنزه برفقة مجموعة تماثله في قُبح سلوكه، فلقد كان عالةً على قبيلته بسبب سلوكه السيء ولا مبالاته في شؤون العيش، وكان أهل القبيلة يتمنون خروجه منها دون رجعة.

كان حامدٌ يأكل مما لم يزرع، ويشرب مما لم يستخرج، وينام على أسرّة نسجتها أيدي غيره في خيمة لم يُقم فيها عاموداً، وكان يسرق أهل قبيلته ليُشبع شهواته على حساب عناء غيره، وكان يشرب الخمر كل ليلة مع قرنائه.

كان على خلاف باقي شباب قبيلته الذين بُنيت قبيلتهم بفضل سواعدهم، فلم يخرج للرعي يوماً، ولم يهتم بشجرة ولم يسقي نبتة، ولم يساعد أحداً في شيء، وفوق ذلك كان كثير المشاكل والخصومات بين أفراد قبيلته الذين لم يواجهوه بالمِثل احتراماً لعمّه كبير القبيلة الذي أعاله منذ أن كان صغيراً بعد وفاة والده في سنٍ مبكرة.

وكانت والدته كثيرة النُّصح له رغم معاناتها منه ولؤمه عليها، فلم يعبأ بكلامها يوماً، ولم يعمل بنصائحها مرة، فكان الخاسر الأكبر في النهاية، وكان لا يحمل أثقال الحطب والطعام عنها، بل كان ينظر إليها كخادمة له ليس أكثر.

وذات مرة أراد عمه أن يوزع الحبوب والدقيق على أهل قبيلته، فأتى جميعُ شباب القبيلة لحَمل حصص ذويهم إلا حامد ابن أخيه الذي أتت أمه وحملت فوق رأسها حِملاً ثقيلاً ورجعت إلى دارها، وفي أثناء عودتها كان ولدها المشؤوم يجلس بالقرب من بئر مائهم مع رفقائه وهم يضحكون بصوت عال، فنظر إلى أمه والعرق يتصبب من جبينها، فتابع لهوَه معهم وكأنّ شيئاً لم يحدث، فكتمت أمه الأمر عن عمه كالعادة، وهذا السلوك لوحده يكشف لنا عن سوء الروحية التي استسلم لها هذا الشاب المستهتر.

وكانت والدته في كل مرة تختار له العروس المناسبة، وكان كعادته رافضاً لفكرة الزواج من أساسها لأنه لا يحب أن يتحمّل أية مسؤولية.

وبعد خروج الشباب من القبيلة بيومين عاد حامد إلى القبيلة بعد رحلة تنزّهية برفقة رفقاء سوءٍ كان قد اتخذهم أخلاء لَشَبه سلوكهم بسلوكه، وفي مساء يوم عودته أخبرته والدته بخطبة ابنة عمه ليلى وهي تأسف لتلك الخسارة بعد أن كانت تتمناها زوجة له، فسألها عن خاطبها فأخبرته بأمر الشاب الغريب الذي خطبها من عمه، فجنّ جنونه، وذهب إلى دار عمه غاضباً مستنكراً، وقد طلب من عمه بكل وقاحة وسوء أدب أن يفسخ اتفاقه مع الشاب، فسأله عمه: ولماذا أفعل ذلك؟ فقال: لأننا لا نزوج بنات قبيلتنا من الغرباء: فقال عمه: إن كنتَ ترغب بالزواج منها فلا مانع لدي: فقال حامد: أنا لا أفكر في الزواج، ولكن يجب عليك أن تفسخ اتفاقك مع ذاك الغريب وإلا..، قال عمه: وإلا ماذا أيها الوقح؟ فقال حامد، وإلا فسوف تندمون جميعاً، فقال له عمه: إذاً.. هذا شأنٌ خاص وأنا مسؤول عنه، فلا تتدخل فيما لا يعنيك، فلو كنتَ خطبتَها مني قبل ذلك لَما آثرتُ غيرك عليك، ولكنك شاب مستهتر لا تصلح أن تكون زوجاً صالحاً، هيا انصرف من داري وإياك أن تتكلم بهذا الموضوع مرة أخرى.

فعندما سمع حامد كلام عمه ازداد غضبه على الشاب وقرر أن يؤذيه دون أن يُصرّح بشيء، ولكن عمه يفهمه، فقد أدرك نيته السيئة تجاه الشاب البريء، فقرر أن يحميه بشتى الوسائل، فخرج حامد من دار عمه غاضباً والشر يتطاير من عينيه، ولم يكن لدى كبير القبيلة الوقت الكافي لحماية الشاب الذي إذا أصابه مكروه بسبب حماقة حامد فستسقط هيبة القبيلة في نظر الناس، وإليكم ما فعله العم، وما فعله ابن أخيه.

 

إجْتِمَاعٌ طارئ لِوُجهَاء القَبيْلَة

فور خروج ابن أخيه من عنده شعر زعيم القبيلة بخطرٍ يتهدد ضيوفه الذين خرجوا من القبيلة منذ فترة، وكان لزاماً عليه حمايتهم من شر حامد بأية وسيلة ممكنة، فدعا إلى اجتماع طارئ شاور فيه أعضاء مجلس القبيلة في أمر ابن أخيه بعد أن أخبرهم بنواياه المجرمة ضد شبابٍ أبرياء لم يروا منهم سوى الخير، وبعد مشاورات دامت لأكثر من ساعتين توصّل المجتمعون إلى حلٍ لم يكن أمامهم سواه، وهو إرسال رجال مسلحين يراقبون ابن أخيه، ويرصدون تحركاته ويلاحقونه أينما ذهب هو وزمرة السوء خاصته حتى يتدخّلوا في الوقت المناسب لمنع الوقوع في المحظور، ومن تلك اللحظة انتدبوا لتلك المهمة سبعة من أفضل رجالهم ذوي الخبرة في الفروسية والقتال، خرجوا سريعاً من القبيلة على أحصنة أصيلة سريعة العَدْوِ، ومعهم الأمر من مجلس القبيلة بالدفاع عن الشباب الأربعة مهما كان الثمن.

هذا ما كان من أمر زعيم القبيلة، وأما ما كان من أمر حامد الحاقد فستعرفونه الآن.

 

حَامِد يلاحِقُ الشبَابَ الأربَعَة

 

لم يكن حامد هذا مدافعاً عن الشرف الذي لا يعنيه، ولا عن العادات التي لم يعبأ بها من قبل، بل كان هدفه إثبات وجوده بين بني قومه الذين ينبذونه لسوء فِعله، فلقد وجدها فرصة مناسبة لتغيير رأي أهل قبيلته فيه على حساب شباب أبرياء لم يرتكبوا أي خطأ في حق القبيلة وأهلها، وفي ذات الوقت كان حامد يمتلك نفساً سبعية غضبية تطلب الإشباع باستمرار.

ذهب إلى رفقاء السوء وطلب منهم المساعدة للإنقضاض على الشباب ومنعِهم من العودة إلى القبيلة أوقتلهم إذا لزم الأمر والإستيلاء على قافلتهم، ويكون بذلك قد ضرب عصفورين بحجر واحد(إثبات وجوده وربح المال) وقد اتفقت كلمتهم على اللحاق بالشباب فجراً، ولكن زعيم القبيلة كان أسرع منهم حيث أرسل رجاله في منتصف الليل ليُدركوا الشباب قبل وصول حامد إليهم.

 

وُصولُ رجَالِ الزعِيْم إِلَى الشبَاب

 

إنطلق رجال الزعيم نحو هدفهم مسرعين دون أية راحة أو نوم، وكان قد مضى على رحيل الشباب يومين، وكان مسيرهم بطيئاً، ولهذا أدركهم رجال الزعيم في صباح اليوم الثالث.

وعندما رأى الشباب فرساناً تتجه نحوهم بسرعة أخذتهم الرجفة من شدة الخوف فادارك أحد الفرسان الأمر وصاح بهم من بعيد لا تخافوا فنحن رجال الزعيم أتينا لحمايتكم، فهدأ روعهم واطمأنوا، ونزل الفرسان إليهم وعقدوا جلسة صغيرة معهم اتفقوا من خلالها على خطة محكمة يردُّون بها كيد حامد بعد أن أخبروهم بعزمه على إيذائهم.

 

فَحْوَى الخُطة

 

بما أنّ حامداً كان عازماً على أذيّة الشباب، وكان معه عصبة مثله في السلوك المنحرف، وبما أنّه ومَن معه أعرف من الشباب بشعاب الصحراء، كان لا بد من مساعدتهم بأقصى سرعة لأنهم الحلقة الأضعف، والغلَبَةُ من نصيب أهل الديار، وبالتالي هم شباب مظلومون، وقد خرجوا من القبيلة وهم بإجارة زعيمها، وأي أذى يلحق بهم فسيكون عاراً على القبيلة بالدرجة الثانية وعلى زعيمهم بالدرجة الأولى، ولهذا كان لا بد من وضع خطة محكمة يتغلبون بها على المعتدين ويحمون ضيوفهم ويحفظون بين الناس مكانتهم، ولهذا جلس الرجال السبعة مع الشباب الأربعة وطلبوا منهم التخييم في المكان ريثما يصل إليهم حامد ومَن معه، وطلب الرجال السبعة من الشباب أن لا يخافوا أبداً، فإن خافوا فسوف تفشل الخطة ويلحق بهم الأذى، فنصبوا خيمة بجانب الطريق وأشعلوا النار على بابها، وربطوا نياقهم بالقرب منها، واختبأوا مع الرجال في مكان قريب يستطلعون فيه الأمر، إلا شاباً واحداً جلس داخل الخيمة للتمويه، واستمر كمينهم منصوباً حتى ليل ذلك اليوم.

 

تَنْفيذُ الخُطة

 

بعد نصْب كمينٍ استمر لساعات خلف صخورٍ كانت بالقرب من خيمتهم، وصل حامد ومعه مجرمون أمثاله ليكيدوا بالشباب، فنزلوا من على ظهور خيولهم كالذئاب الكاسرة وهم يصرخون بأصوات عالية ليُرعبوهم ويشلّوا حركتهم، فدخلوا الخيمة بهدف الإنقضاض عليهم دون أن يكون لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم، فلم يجدوا فيها غير واحد فقط، فأدركوا بأنه كمين، وخرجوا حتى لا يحاصرهم الخصم داخل الخيمة، ولدى خروجهم منها بهدف تطويق المكان وجدوا أنفسهم محاطين بسبعة رجال أشداء ومعهم باقي الشباب يحملون سيوفهم، فأجبروهم على إلقاء أسلحتهم، ولم يكن أمام حامد إلا أن يقوم بخدعة كعادته، فأوهمهم بأنه يضع السلاح على الأرض ثم هجم على واحد من شبابنا بسرعة البرق فكان الشاب أسرع منه حيث ضربه على يده التي تحمل السيف فسقطت على الأرض، وبدأ حامد يصرخ من شدة الألم مما زرع الخوف في نفوس رفاقه فألقوا سلاحهم واستسلموا، أما رجال القبيلة فقد كان معهم الأمر بالتخلص من حامد نهائياً ليحموا أنفسهم من شره إن عاد إلى القبيلة حيث كانوا موقنين بأنه لن يسكت، وسوف ينتقم من القبيلة كلها، ففعلوا ما تقتضيه المصلحة، فضربه أحد الرجال ضربة على رأسه فقضى عليه، وقد دفنوه في ذلك المكان، وهددوا رفاقه إن أخبروا أحداً بالأمر فسوف يكون مصيرهم كمصيره ولو بعد عقود من الزمن فوعدوهم بالكتمان.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى