
مَاذَا بَعْدَ ثَوْرَةِ كَرْبَلاء
فجْرَ اليوم العاشر من شهر محرم عام إحدى وستين للهجرة بدأ القتال العسكري بين جيش الإمام الحسين(ع) الذي لم يتجاوز عدده المئة، وبين جيش يزيد بن معاوية الذي تجاوز عدده ثلاثمائة ضعف جيش الحسين(ع) حيث قُدِّر بأكثر من ثلاثين ألف مقاتل جمعهم أعوان يزيد من بقاعٍ مختلفة.
وانتهت تلك المعركة عصر اليوم نفسه بالنتيجة التالية:
استشهاد الإمام الحسين(ع) وسبعة عشر رجلاً من أهل بيته وما يقرب من سبعين رجلاً كانوا معه على السراء والضراء، فكان الحر الرياحي أول شهيد في تلك المعركة، والإمام الحسين(ع) آخر شهدائها.
ولم تقتصر الخسارة في الأرواح على الطرف الحسيني فقط، وإنما شملت الطرف الآخر بزيادة ملحوظة في عدد قتلاهم وجرحاهم، فإذا كان قد سقط من معسكر الحسين مئة رجل فقد سقط من معسكر يزيد المئات حيث لم يستشهد بطلٌ من أبطال كربلاء إلا بعد أن يقتل مجموعة من الطرف الآخر ويجرح مجموعة أخرى.
والجدير في الأمر هو أنّ الأنظار توجهت إلى عدد شهداء الطرف الحسيني ولم تعط الإهتمام لعدد قتلى الطرف اليزيدي، مع أنّ إحصاء عدد قتلاهم ينفعنا كثيراً في دراسة شؤون الثورة الحسينية.
فبعد استشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه عطاشى في تلك الصحراء هجم القوم الظالمون على خيام النساء والأطفال فأحرقوها وألقوا الرعب في قلب كل طفل وامرأة انتقاماً منهم للحسين وتشفياً من أهل البيت(ع) من دون أي سبب يدعو إلى ذلك، هذا بالإضافة إلى أن العطش لم يقتصر على الرجال فقط وأنما طال النساء والأطفال لأيام، وكذلك لم يكتف القوم بأسرهن وسبيهن وسبّهن بل راحوا يضربونهن ضرباً مبرحاً.
لملم الجيش اليزيدي عتاده ودفن قتلاه وداوى جرحاه، ولا ندري كم من الجرحى ماتوا بعد ذلك بسبب الجراحات، وأتاهم الأمر بسبي بنات الرسول بهدف التشفي والإنتقام، ولم يكن معهن من الرجال سوى واحد عليل لا يقوى على الوقوف بسبب المرض، وهو الإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع).
وعلى ذِكر مرض الإمام السجاد تجدر الإشارة إلى مسألة مهمة في هذا المجال.
لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا موضوع الحكمة الإلهية التي تدخلت في بعض شؤون هذه الثورة، فلقد حاول الجيش اليزيدي أكثر من مرة أن يقتلوا الإمام السجاد، ولكن السيدة زينب(ع) كانت تمنعهم في كل مرة وتحول بينهم وبين قتله، وكانوا يتراجعون عن قرارهم مع أن الأمر أتى بإفراغ الساحة من جميع رجال أهل هذا البيت.
وكذلك فإنهم عندما أسروا الإمام(ع) لم يكن لديه القدرة على الجلوس فوق ظهر الناقة فربطوه ببطنها واصطحبوه معهم، ولم يفعلوا هذا حتى مع بعض أهم رجالهم من الجرحى، فكيف صبروا على الإمام؟
الجواب: إن الإرادة الإلهية هي التي حالت بينهم وبين الإمام السجاد لأن الله تعالى أراد له أن يبقى حتى ينجز الجزء الآخر من تلك الثورة الإلهية(الثورة الحسينية) ولا أقول بأن الإرادة الإلهية نظرت إلى كون الإمام زين العابدين هو مصدر باقي الأئمة(ع) لأن الإمام الباقر(ع) في تلك الأثناء كان موجوداً مع أبيه ولكنه كان طفلاً صغيراً، فعلى فرض أن الجيش اليزيدي أقدم على ارتكاب تلك الجريمة وقتل الإمام السجاد فإن الأئمة سوف يستمرون بسبب وجود الإمام الخامس(ع)
وقد شاءت حكمة الله تعالى أن يشفى الإمام السجاد من مرضه بشكل سريع بحيث أن آثار البرء من المرض بدأت تظهر عليه فور خروج القوم من كربلاء لأنه(ع) هو الذي أتى بعد يومين تقريباً ودفن جثث شهداء كربلاء مع بني أسد.
نَدْبَةُ الحَوْرَاءِ زَيْنَبَ(ع) لِجَدِّهَا(ص)
مهما تكن قدرة الإنسان على التحمّل قوية فلا بد أن ينهار أمام بعض الأحداث المفجعة، ومهما كان واعياً ومدركاً فلا يمنعه ذلك من أن يبدي مشاعره الإنسانية تجاه بعض النكبات والمصائب، ولكن المهم هو أن لا يخرجه حزنه عن صوابه فتزداد بذلك حجم مصيبته.
فعندما نظرت العقيلة زينب(ع) إلى تلك الأجساد الطاهرة مطروحة على ثرى كربلاء صاحت قائلة: يا جداه يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء هذا حسين مرمّل بالدماء مقطع الأعضاء وبناتك سبايا وإلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء وامحمداه هذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العماة والرداء، بأبي من أضحى معسكره يوم الإثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، ولا جريح فيداوى، بأبي من ردت له الشمس حتى صلى.
لقد أبكت بهذه العبارات كل عدو وصديق، وقد سألتها سكينة: من تخاطبين؟ فقالت(ع): أخاطب أباك الحسين، فألقت بنفسها من محملها إلى جسد أبيها واعتنقت جثته، وقد بكى لها الأعداء، فقال ابن سعد: نحّوها عن جسد أبيها، فاجتمع عليها أكثر من رجل فجروها من على جسد أبيها.
ونفس هذه الكلمات المؤثرة التي صدرت من زينب(ع) تحكي لنا الحالة النفسية التي كانت عليها تلك المرأة الجليلة، أم المصائب واللوعات، زينب ابنة علي عليهما السلام.
الشيخ علي فقيه


