منوعات تاريخية

وصول موكب السبايا إلى الشام

رحلة سيد الشهداء(ع) من المدينة إلى كربلاء

 

وصول موكب السبايا إلى الشام

 

بين العراق والشام مسافات شاسعة وطرق طويلة تنشق لها أكباد المسافرين، وبالأخص من كان يحمل منهم الهموم والأحزان، فإن ذلك يجعل الطريق أطول وأشق وأمر، وبعد هذا المسير المتعب الذي كان يحتاج من الوقت شهراً  وصل موكب السبايا إلى الشام في خلال عشرة أيام يتقدمه الرؤوس الشريفة، وفي مقدمتها رأس الإمام الحسين بن علي(ع) وأعوان يزيد يرقصون من شدة الفرح ويتسارعون لحمل الرماح التي وضعت في أعلاها تلك الرؤوس المظلوم أصحابها.

وقد كانت النساء والأطفال في وضع مزري لا يحسدون عليه، حيث كانوا فرجة لمن يرغب بالنظر إليهم، وموضعاً للشتم والضرب لمن سوّلت له نفسه ذلك.

لقد أتى بهم شمر بن ذي الجوشن باب دمشق فأوقفهم أمام المسجد الجامع حيث يقام السبي.

 

حوار بين زين العابدين(ع) والشيخ الشامي

 

جاء شيخ شامي ودنا من نساء الحسين وعياله وقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين(يزيد) منكم، فقال له الإمام زين العابدين(ع): يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قال نعم، قال(ع) فهل عرفت هذه الآية(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) قال الشيخ: نعم، قد قرأت ذلك، فقال(ع) فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت في بني إسرائيل(وآت ذا القربى حقه) فقال الشيخ قد قرأت، فقال(ع) فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية(فاعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) قال الشيخ نعم، فقال(ع) فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال(ع) نحن أهل البيت الذين خصنا الله بآية التطهير، فسكت الشيخ نادماً على ما صدر منه تجاه أهل البيت(ع) ثم التفت إلى زين العابدين(ع) وقال: بالله عليك..أنتم هم؟ فقال(ع) إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله، فبكى الشيخ ورمى عمامته على الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: أللهم إنّا نبرأ إليك من عدو آل محمد من جنّ وإنس، ثم قال الشيخ للإمام:هل لي من توبة؟ فقال(ع) نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا: فقال: أنا تائب، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ مع الإمام السجّاد(ع) فأمر بقتله فقُتل.

 

سهل الشهروزي

 

وهو من الذين شهدوا ظلم يزيد لموكب السبايا في الشام حيث كان حاضراً أثناء دخول الموكب.

يقول هذا الرجل: كنت حاضراً عند دخولهم إلى دمشق، فنظرت إلى السبايا فإذا فيهم طفلة صغيرة على ناقة مهزولة، وهي تقول: وا أبتاه وا حسيناه، ثم نظَرَت إليَّ وقالت لي: أما تستحي من الله وأنت تنظر إلى بنات رسول الله؟ فقلت لها يا بنية والله ما نظرت إليكم نظرة أستوجب بها التوبيخ، فقالت: من أنت؟ قلت أنا سهل الشهروزي قد كنت في زيارة جدك رسول الله، فهل لك من حاجة يا سيدتي؟ فقالت إن كان معك شيء من الدراهم فأعط حامل الرأس وقل له أن يتقدم برأس أبي الحسين أمامنا حتى تشغل الأنظار إليه عنّا فقد خزينا من نظرة الناس إلينا.

 

كرامة من كرامات الرأس الشريف

 

اجتمع الناس للإحتفال بهذا النصر المزعوم فرحين مستبشرين، فمرّ حامل رأس الحسين أمام نسوة شاميات قد اجتمعن للمشاركة في هذا الإحتفال، وكان من بينهن امرأة عجوز محدوبة الظهر، فحملت بيدها حجراً ورمت به الرأس المبارك، فرأتها أم كلثوم فدعت عليها وقالت: أللهم أهلكها: فوقعت العجوز من على الروشن الذي كانت واقفة عليه وماتت على الفور.

 

موكب السبايا أمام قصر يزيد

 

لقد أُدخل الموكب من باب جيرون ووقفوا بهم على باب قصر يزيد، وكان الإمام زين العابدين(ع) موثقاً بالقيود، والنساء مربطات بالحبال واحدة بالأخرى، وعندما نظر بن معاوية إليهم ابتسم وقال:

نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح

فلقد قضيت من النبي ديوني

ثم دخل شمر إلى القصر وقال ليزيد: إن السبايا والرؤوس واقفون أمام باب القصر: فأمره بأن يدخلهم حتى ينظر إليهم ويشمت بهم.

فخرج الشمر وأخذ الرأس الشريف فغسلّه وطيبه ووضعه في طشت من الذهب وأُدخل الرأس إلى يزيد، وقال حامله:

أنا صاحب الرمح الطويل المهند

أصول به على الأعداء في كل مشهد

طعنت  به  في  بني   محمد

كي أرضي به مولانا يزيد المؤيد

 

فأخذ يزيد الرأس ووضعه بي يديه وقال:

لعبت هاشم  بالملك  فلا       خبر جاء ولا وحي نزل

قد قتلنا القرم من ساداتها       وعدلناه  ببدر   فاعتدل

 

ثم طرد يزيد شمر بن ذي الجوشن من مجلسه ولم يعطه الجائزة، وقد خسر الدنيا والآخرة.

 

وبدأت المواجهة

 

بعد احتفال أهل الشام بوصول الرؤوس والسبايا إنتهى الموكب داخل قصر يزيد الذي بدت عليه ملامح الفرح والسرور، ولم يكن ذلك فرحاً بالإنتصار لأنه في قرارة نفسه لم يكن مقتنعاً بكونه منتصراً، وإنما كان ذلك فرحة الإنتقام بدليل مخاطبته للرأس قائلاً: وقد قضيت منك كل دين.

ففي داخل القصر بدأت المواجهة الثانية بين الحق والباطل، وبدأت ثمار الثورة الكربلائية تظهر منذ ذلك الحين، فلقد كانت المواجهة الكلامية بين يزيد وزين العابدين أشد على يزيد من المواجهة العسكرية في كربلاء، حيث لم يكن أثر كلام الإمام بأقل من أثر الدماء التي سفكت ظلماً على أرض الطف.

فقال الإمام زين العابدين(ع) ليزيد بن معاوية: يا يزيد فما ظنك برسول الله لو رآنا ونحن على هذه الحالة وسألك، فما يكون جوابك؟

فأمر يزيد بفك الحبال عنهم، وطلب من السبايا أن يجلسوا على الأرض، ثم راح يتنصّل من دم الإمام الحسين ويقول: ما علمت بقتل الحسين ولا بخروجه من مكة، لعن الله ابن زياد، لو كان بينكم وبينه قرابة ما صنع معكم هذا العمل.

ثم نزع الستار عن الرأس الشريف، ولمّا رأته زينب(ع) بكت ونادت بصوت حزين: واأخاه واحسيناه يل حبيب رسول الله يابن مكة ومنى يابن زمزم والصفا يا أخاه يعز على رسول الله أن يراك على هذه الحالة.

وقد أبكت كل من حضر ذلك المجلس.

ورغم هذه الكلمات المؤثرة التي أبكت الجميع لم يخشع قلبه ولم يتأثر لتلك الحادثة الإنسانية، إذ كيف يتأثر وهو الذي أمر بارتكاب الجريمة، فأخذ عود الخيزران وراح يحرك به شفتي الرأس الشريف بهدف التشفي والتحقير.

 

موقف أبي برزة الأسلمي تجاه ممارسات يزيد

 

لو كان يزيد بن معاوية يدرك عواقب الأمور لما أقدم على قتل الإمام الحسين(ع) ولكن كرهه لآل الرسول قد أعمى بصيرته عن التأمل في عاقبة فعله.

لقد فتح على نفسه أبواب جهنم من خلال محاولته لإذلال السبايا وزين العابدين(ع) لأنه واجه مشاكل كثيرة أطاحت بدولته وحطمت عرشه الذي قام على الظلم.

فبعدما ضرب شفتي الإمام الحسين(ع) بقضيب الخيزران قام رجل من الحاضرين يدعى(أبو برزة الأسلمي) وقال ليزيد: ويلك يا يزيد، تنكث ثنايا الحسين وكان جده يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول لهما: أنتما سيدا شباب أهل الجنة أحب الله من أحبكما وقاتل الله من قتلكما: فغضب يزيد على الأسلمي غضباً شديداً وأمر بضربه وإخراجه من المجلس.

 

موقف لإحدى نساء الشام الصالحات

 

وهي هند بنت عبد الله من بني هاشم.

قال سهل الشهروزي: بينما نحن جالسون عند يزيد وإذا بامرأة تدخل مجلسه وهي ترفل باذيالها فأقبلت ووقفت بين يدي يزيد فقالت له: ما هذا الرأس؟ قال لها: هذا رأس الحسين، فقالت: يعز والله على جده وأبيه وأمه وأهل بيته، والله لقد رأيت الساعة وأنا نائمة كأن أبواب السماء قد فتحت وهبط منها خمسة من الملائكة بأيديهم كلاليب من النار وهم يقولون: أمرنا الله بإحراق هذا الدار ولكن صبرنا حتى يخرج منها آل رسول الله، فقال لها يزيد: ويلك أنت في ملكي ونعمتي وتنطقين بهذا الكلام؟ فقالت: نعم، أتكلم الحق وأنكر الباطل، بجده وأبيه قد هدانا الله وأنقذنا من الضلالة والجهالة، فقال يزيد: والله لأقتلنّك شر قتلة أو تتبرئين منه وتسبيه هو وأباه وأخاه، فقامت وقالت:أيها الناس إن يزيد يأمرني أن أسب علياً وأولاده وهو الساقي على الحوض غداً، ولواء الحمد بيده، وولداه سيدا أهل الجنة، فاسمعوا ما أقول: ألا لعنة الله على يزيد ولعنة اللاعنين على كل ساع في قتل الحسين وأهل بيته، وصلاة الله وسلامه على علي وعلى أولاده وأهل بيته الطاهرين.

وبعد تلك الكلمات العظيمة أمر يزيد بقتلها فقتلها وأخفى أثرها، وقد كان لتلك الحادثة أثر عظيم في نفوس الناس حيث ازدادت بذلك حقيقة يزيد وضوحاً وجلاءاً.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى