منوعات تاريخية

يوْمُ عَاشُورَاء

رحلة سيد الشهداء(ع) من المدينة إلى كربلاء

 

 

يوْمُ عَاشُورَاء

 

وما أدراك ما يوم عاشوراء، إنه اليوم الذي حدثت فيه أبشع مجزرة في تاريخ الإسلام، ويوم بكت فيه أهل السموات حزناً على ما جرى، ولكنه في ذات الوقت كان يوماً عظيماً للأمة حيث فتح المجال أمام الأحرار ليقفوا في وجوه الظالمين ويدافعوا عن دينهم ووجودهم وحقوقهم التي اغتصبها الحكام ظلماً.

وقد كان لهذا اليوم وقعٌ أليم على قلوب الموالين، وما زال الموالون للحسين وبعد مرور ما يقرب من أربعة عشر قرناً يجلسون فيه ويتذاكرون ما حدث فيه سنة إحدى وستين للهجرة.

لقد دخل عبد الله بن سنان على أبي عبد الله الصادق (ع) في يوم عاشوراء ، فرآه كاسف اللون ظاهر الحزن و دموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ فقال له : مِمَّ بكاؤك يابن رسول الله ؟ قال عليه السّلام : أوَفي غفلة أنت ؟ أما علمت أنّ الحسين اُصيب في هذا اليوم ؟

ولم ينس أئمتنا(ع) ذلك اليوم أبداً، فهذا الإمام السجاد(ع) لم يُقدَّم له طعام أو شراب إلا وبلّله بدموعه حزناً على أبيه الحسين، وقد كان لهذا الحزن أثر كبير على استمرار هذا النهج القويم.

وأمّا الإمام الكاظم (ع) فلَم يُرَ ضاحكاً أيّام العشرة، وكانت الكآبه غالبة عليه ، ويوم العاشر يوم حزنه ومصيبته .

ويقول الرضا (ع) فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء.

وفي زيارة النّاحية المنسوبة إلى الإمام الحجة(عج): فلأندبنّك صباحاً ومساءً ، ولأبكينَّ عليك بدل الدموع دماً:

قال ابن قَولويه و المسعودي : لمّا أصبح الحسين يوم عاشوراء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح ، قام خطيباً فيهم حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : إنّ الله تعالى أذِن في قتلكم و قتلي في هذا اليوم ، فعليكم بالصبر والقتال :  ثمّ صفّهم للحرب وكانوا اثنين وثمانين فارساً وراجلاً ، فجعل زهير بن القين في المَيمنة ، وحبيب بن مظاهر في المَيسرة ، وثبت هو (ع) وأهل بيته في القلب، وأعطى رايته أخاه العباس.

وأقبل عمر بن سعد نحو الحسين في ثلاثين ألفاً وكان رؤساء الأرباع بالكوفة يومئذ : عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي على ربع أهل المدينة ، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي على ربع مذحج وأسد ، وقيس بن الأشعث على ربع ربيعة وكندة ، والحرّ بن يزيد الرياحي على ربع تميم وهمدان ، وكلّهم اشتركوا في حرب الحسين إلاّ الحرّ الرياحي .

وجعل ابنُ سعد على المَيمنة عمرو بن الحَجّاج الزبيدي ، وعلى المَيسرة شمر بن ذي الجوشن العامري ، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي ، والراية مع مولاه ذويد.

وأقبلوا يجولون حول البيوت فيرون النّار تضطرم في الخندق ، فنادى شمر بأعلى صوته : يا حسين ، تعجّلت بالنّار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين (ع) مَن هذا ؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن ، قيل نعم فقال (ع) يابن راعية المعزى ، أنت أولى بها منّي صِليّا :  ورام مسلم بن عوسجة أنْ يرميه بسهم ، فمنعه الحسين و قال : أكره أنْ أبدأهم بقتال:

ولمّا نظر الحسين (ع) إلى جمعهم كأنّه السيل ، رفع يدَيه بالدعاء وقال : اللهمّ ، أنت ثقتي في كلّ كرب ، ورجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ ، أنزلته بك وشكوته إليك ، رغبةً منّي إليك عمَّن سواك فكشفته وفرّجته ، فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كلّ رغبة:

ثمّ دعا براحلته فركبها ، و نادى بصوت عال يسمعه جلّهم : أيّها النّاس اسمعوا قَولي ، ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حقّ لكم عليَّ ، وحتّى أعتذر إليكم من مَقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النّصف من أنفسكم ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم عليَّ سبيل . وإنْ لَم تقبلوا مِنّي العذر ولَم تعطوا النّصف من أنفسكم ، فأجمعوا أمركم و شركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة . ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون . إنّ ولييّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين  .

فلمّا سمعت النّساء هذا منه صحنَ وبكينَ وارتفعت أصواتهنَّ ، فأرسل إليهنَّ أخاه العبّاس وابنه علياً الأكبر وقال لهما : سكّتاهنَّ فلعمري ليكثر بكاؤهنَّ.

ولمّا سكتنَ ، حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وعلى الملائكة والأنبياء وقال : عباد الله ، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر ؛ فإنّ الدنيا لَو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء ، غير أنّ الله خلق الدنيا للفناء ، فجديدها بالٍ ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر ، والمنزل تلعة والدار قلعة ، فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى ، واتقوا الله لعلّكم تفلحون  . أيّها النّاس إنّ الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالاً بعد حال ، فالمغرور من غرّته والشقي من فتنته ، فلا تغرّنكم هذه الدنيا ، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها وتُخيّب طمع من طمع فيها . وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحلَّ بكم نقمته ، فنِعمَ الربّ ربّنا وبئس العبيد أنتم ؛ أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّد (ص) ، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذريّته وعترته تريدون قتلهم ، لقد الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبّاً لكم ولِما تريدون . إنّا لله وإنّا إليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين . أيّها النّاس أنسبوني مَن أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألستُ ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه وأول المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه ؟ أوَ ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي ؟ أوَ ليس جعفر الطيّار عمّي ، أوَ لَم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فإنْ صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ ـ والله ما تعمدتُ الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ويضرّ به من اختلقه ـ وإنْ كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وسهل بن سعد الساعدي ، وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي ، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟

فقال الشمر : هو يعبد الله على حرف إنْ كان يدري ما يقول .

فقال له حبيب بن مظاهر : والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك .

ثمّ قال الحسين  فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول ، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم ، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم اتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟! أو مال لكم استهلكته ؟! أو بقصاص جراحة ؟فأخذوا لا يكلّمونه !

فنادى : يا شبث بن ربعي ، ويا حَجّار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا زيد بن الحارث ألم تكتبوا إليَّ أنْ اقدم قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب ، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة ؟

فقالو : لَم نفعل .

قال : سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم. ثمّ قال : أيّها النّاس ، إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض:  فقال له قَيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم بني عمّك ؟ فإنّهم لَن يروك إلاّ ما تُحبّ ولَن يصل إليك منهم مكروه .

فقال الحسين (ع) أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد ، عباد الله إنّي عذتُ بربّي وربّكم أنْ ترجمون ، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبِّر لا يؤمن بيوم الحساب:

خطبة زهير بن القين

وخرج إليهم زهير بن القين على فرس ذنوب وهو شاك في السّلاح فقال : يا أهل الكوفة ، نذار لكم من عذاب الله إنَّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتّى الآن إخوة على دين واحد ، ما لَم يقع بيننا وبينكم السّيف ، وأنتم للنصيحة منّا أهل ، فإذا وقع السّيف انقطعت العصمة ، وكنّا اُمّة وأنتم اُمّة ، إنّ الله ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّد (ص) ؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون . إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد ، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ سوء عمر سلطانهما ، يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثّلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النّخل ، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حِجر بن عدي وأصحابه ، وهاني بن عروة وأشباهه . فسبّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له وقالوا : لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلماً .

فقال زهير : عباد الله إنّ ولد فاطمة أحقّ بالودّ والنّصر من ابن سميّة ، فإنْ لم تنصروهم ، فاُعيذكم بالله أنْ تقتلوهم ، فخلّوا بين هذا الرجل وبين يزيد ، فلَعمري إنّه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين:

فرماه الشمر بسهم وقال : اسكت أسكت الله نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك .

فقال زهير : يابن البوّال على عقبيه ، ما إيّاك اُخاطب ، إنّما أنت بهيمة والله ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتَين ، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم . فقال الشمر : إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة . فقال زهير : أفبالموت تخوّفني ؟ فوالله لَلموت معه أحبّ إليَّ من الخلد معكم . ثمّ أقبل على القوم رافعاً صوته وقال : عباد الله ، لا يغرّنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ، فوالله لا تنال شفاعة محمّد (ص) قوماً هرقوا دماء ذريّته وأهل بيته ، وقتلوا مَن نصرهم وذبَّ عن حريمهم .

فناداه رجل من أصحابه ، إنّ أبا عبد الله يقول لك : أقبِل ، فلَعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء ، فلقد نصحتَ هؤلاء وأبلغت لَو نفع النّصح والإبلاغ.

ثم عاود الإمام الحسين(ع) كلامه معهم قائلاً: تبّاً لكم أيّتها الجماعة و ترحاً ، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم . فهلاّ ـ لكم الويلات  ـ تركتمونا والسّيف مشيم والجأش طامن والرأي لَما يستحصف ، ولكنْ أسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش ، ثمّ نقضتموها ، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ومحرّفي الكلِم وعصبة الإثم ونفثة الشيطان ومطفئيّ السّنَن ! ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ! أجل والله غدر فيكم قديم وشجت عليه اُصولكم وتأزّرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرة ، شجى للناظر وأكلة للغاصب ! ألا وإنّ الدّعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتَين ؛ بين السّلة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة ، من أن نؤثر طاعة اللئام من مصارع الكرام ، ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد وخذلان النّاصر … أما والله ، لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يركب الفرس ، حتّى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور ، عهدٌ عَهَده إليَّ أبي عن جدّي رسول الله ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون ، إنّي توكّلت على الله ربّي وربّكم ، ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط المستقيم ،  ثمّ رفع يدَيه نحو السّماء وقال : اللهمّ ، احبس عنهم قطر السّماء ، وابعث عليهم سنين كسنيّ يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة ، فإنّهم كذبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك المصير :

ثم استدعى الحسين (ع) عمر بن سعد ، فدُعي له فقال(ع): أي عمر ، أتزعم أنّك تقتلني ويولّيك الدعيّ بلاد الري وجرجان ؟ والله لا تتهنّأ بذلك ، عهد معهود فاصنع ما أنت صانع ، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأنّي برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتّخذونه غرضاً بينهم  :

توبة الحر

ولمّا سمع الحرّ بن يزيد الرياحي كلامه واستغاثته ، أقبل على عمر بن سعد وقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال : إي والله ، قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي . قال : ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال ؟ فقال : لَو كان الأمر إليَّ لقبلت ، ولكن أميرك أبى ذلك . فتركه ووقف مع النّاس ، وكان إلى جنبه قرّة بن قيس فقال لقرّة : هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال : لا ، قال : فهل تريد أن تسقيه ؟ فظنّ قرّة من ذلك أنّه يريد الاعتزال ويكره أن يشاهده ، فتركه فأخذ الحرّ يدنو من الحسين قليلاً ، فقال له المهاجر بن أوس : أتريد أن تحمل ؟ فسكت وأخذته الرعدة ، فارتاب المهاجر من هذا الحال وقال له : لَو قيل لي : مَن أشجع أهل الكوفة ؟ لَما عدوتك ، فما هذا الذي أراه منك ؟ فقال الحرّ : إنّي اُخيِّر نفسي بين الجنّة والنّار ، والله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو اُحرقت . ثمّ ضرب جواده نحو الحسين منكّساً رمحه قالباً ترسه وقد طأطأ برأسه ؛ حياءً من آل الرسول بما أتى إليهم وجعجع بهم في هذا المكان على غير ماء ولا كلأ ، رافعاً صوته : اللهمّ إليك اُنيب فتب عليَّ ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك . يا أبا عبدالله إنّي تائب ، فهل لي من توبة ؟ فقال(ع): نعم يتوب الله عليك :

وتقدّم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمى بسهم وقال : اشهدوا لي عند الأمير إنّي أول من رمى . ثمّ رمى النّاس ، فلَم يبقَ من أصحاب الحسين أحد إلاّ أصابه من سهامهم ، فقال(ع)   لأصحابه : قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه ، فإنَّ هذه السّهام رسل القوم إليكم  . فحمل أصحابه حملةً واحدةً واقتتلوا ساعة ، فما انجلت الغبرة إلاّ عن خمسين صريعاً

وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله بن زياد فطلبا البراز ، فوثب حبيب وبرير ، فلم يأذن لهما الحسين (ع) . فقام عبد الله بن عمير الكلبي ، من بني عليم ، وكنيته أبو وهب ، وكان طويلاً شديد السّاعدين بعيد ما بين المنكبين ، شريفاً في قومه شجاعاً مجرّباً ، فأذن له وقال : أحسبه للأقران قتّالاً  . فقالا له : مَن أنت ؟ فانتسب لهما ، فقالا : لا نعرفك ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو برير ، وكان يسار قريباً منه فقال له : يابن الزانية أوَبك رغبةً عن مبارزتي ؟ ثمّ شدّ عليه بسيفه يضربه ، وبينا هو مشتغل به إذ شدّ عليه سالم ، فصاح أصحابه قد رهقك العبد فلم يعبأ به ، فضربه سالم بالسّيف فاتقاها عبد الله بيده اليسرى فأطار أصابعه ، ومال عليه عبد الله فقتله . وأقبل إلى الحسين يرتجز وقد قتلهما .

وأخذت زوجته اُمّ وهب بنت عبد الله بن النمر بن قاسط ، عموداً ، وأقبلت نحوه تقول له : فداك أبي واُمّي قاتل دون الطيّبين ذريّة محمّد صلّى الله عليه وأله وسلّم . فأراد أنْ يردّها إلى الخيمة ، فلَم تطاوعه وأخذت تجاذبه ثوبه وتقول : لن أدعك دون أنْ أموت معك . فناداها الحسين(ع):جزيتم عن أهل بيت نبيكم خيراً ، ارجعي إلى الخيمة ، فإنّه ليس على النّساء قتال

ولمّا نظر مَن بقي من أصحاب الحسين إلى كثرة مَن قُتل منهم ، أخذ الرجلان والثلاثة و الأربعة يستأذنون الحسين في الذبّ عنه والدفع عن حرمه ، وكلّ يحمي الآخر من كيد عدوّه . فخرج الجابريّان وهما : سيف بن الحارث بن سريع ، ومالك بن عبد بن سريع ، وهما ابنا عمّ وأخوان لاُمّ ، وهما يبكيان، قال(ع) ما يبكيكما ؟ إنّي لأرجو أنْ تكونا بعد ساعة قريرَي العين : قالا : جعلنا الله فداك ، ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك ؛ نراك قد اُحيط بك ولا نقدر أنْ ننفعك . فجزاهما الحسين خيراً . فقاتلا قريباً منه حتّى قُتلا:

وجاء عبد الله وعبد الرحمن ابنا عروة الغفاريّان فقالا : قد حازنا النّاس إليك . فجعلا يقاتلان بين يدَيه حتّى قُتلا .

وخرج عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه وجابر بن الحارث السلماني ومجمع بن عبد الله العائذي ، وشدّوا جميعاً على أهل الكوفة فلمّا أوغلوا فيهم ، عطف عليهم النّاس وقطعوهم عن أصحابهم ، فندب إليهم الحسين أخاه العبّاس فاستنقذهم بسيفه ، وقد جُرحوا بأجمعهم ، و في أثناء الطريق اقترب منهم العدوّ فشدّوا بأسيافهم مع ما بهم من الجراح ، و قاتلوا حتّى قتلوا في مكان واحد.

ولمّا نظر الحسين إلى كثرة مَن قُتل من أصحابه ، قبض على شيبته المقدّسة وقال : اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً ، واشتدّ غضبه على النّصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة ، واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه ، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم . أما والله ، لا اُجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي ، ثمّ صاح : أما من مغيث يغيثنا ! أما من ذابّ يذبُّ عن حرم رسول الله : فبكت النّساء وكثر صراخهن .

وأخذ أصحاب الحسين (ع) ـ بعد أن قلّ عددهم يبرز الرجل بعد الرجل فأكثروا القتل في أهل الكوفة . فصاح عمرو بن الحَجّاج لأصحابه : أتدرون مَن تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين ، لا يبرز إليهم أحد منكم إلاّ قتلوه على قلّتهم ، والله لَو لَم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم . فقال عمر بن سعد : صدقت ، الرأي ما رأيت ، ارسِل في النّاس مَن يعزم عليهم أنْ لا يبارزهم رجل منهم ، ولَو خرجتم إليهم وحداناً لأتوا عليكم.

ثمّ حمل عمرو بن الحَجّاج على مَيمنة الحسين (ع) ، فثبتوا له وجثوا على الركب وأشرعوا الرماح ، فلَم تقدم الخيل . فلمّا ذهبت الخيل لترجع ، رشقهم أصحاب الحسين بالنّبل فصرعوا رجالاً وجرحوا آخرين.

ثمّ حمل عمرو بن الحَجّاج من نحو الفرات فاقتتلوا ساعة ، وفيها قاتل مسلم بن عوسجة ، فشدّ عليه مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي ، وثارت لشدّة الجلاد غبرة شديدة وما انجلت الغبرة إلاّ ومسلم صريع وبه رمق . فمشى إليه الحسين (ع) ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين(ع):  رحمك الله يا مسلم ! فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً:

ودنا منه حبيب وقال : عزّ عليّ مصرعك يا مسلم ، أبشِر بالجنّة . فقال بصوت ضعيف : بشّرك الله بخير . قال حبيب : لَو لَم أعلم أنّي في الأثر لأحببت أنْ توصي إليَّ بما أهمّك . فقال مسلم : اُوصيك بهذا وأشار إلى الحسين (ع) أنْ تموت دونه . قال : أفعل وربِّ الكعبة . وفاضت روحه بينهما . وصاحت جارية له : وآ مسلماه ! يا سيّداه ! يابن عوسجتاه ! فتنادى أصحاب ابن الحجاج : قتلنا مسلماً .

وحمل الشمر في جماعة من أصحابه على ميسرة الحسين (ع) فثبتوا لهم حتّى كشفوهم ، وفيها قاتل عبد الله بن عمير الكلبي فقتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً ، وشدّ عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى ، وقطع بكر بن حي ساقه .

 فاُخذ أسيراً وقُتل صبراً، فمشت إليه زوجته اُمّ وهب وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه وتقول : هنيئاً لك الجنّة أسأل الله الذي رزقك الجنّة أنْ يصحبني معك . فقال الشمر لغلامه رستم : اضرب رأسها بالعمود ، فشدخه وماتت مكانها ، وهي أول امرأة قُتلت من أصحاب الحسين .

وحمل الشمر حتّى طعن فسطاط الحسين (ع) بالرمح وقال : عليَّ بالنّار لاُحرقه على أهله . فتصايحت النّساء وخرجن من الفسطاط ، وناداه الحسين  يابن ذي الجوشن ، أنت تدعو بالنّار لتحرق بيتي على أهلي ؟! أحرقك الله بالنّار:

والتفت أبو ثمامة الصائدي إلى الشمس قد زالت ، فقال للحسين (ع) : نفسي لك الفداء ، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، لا و الله لا تُقتل حتّى اُقتل دونك ، و اُحبّ أنْ ألقى الله وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها . فرفع الحسين رأسه إلى السّماء وقال : ذكرت الصلاة ، جعلك الله من المصلّين الذاكرين ، نعم هذا أول وقتها ، سلوهم أنْ يكفّوا عنّا حتّى نصلّي  فقال الحصين : إنّها لا تُقبل.

فقال حبيب بن مظاهر : زعمت أنّها لا تُقبل من آل الرسول وتُقبل منك يا حمار ؟! فحمل عليه الحصين فضرب حبيبُ وجه فرسه بالسّيف ، فشبّت به ووقع عنه واستنقذه أصحابه فحملوه، وقاتلهم حبيب قتالاً شديداً ، فقتل على كبره اثنين وستّين رجلاً ، وحمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه ، وطعنه آخر من تميم برمحه فسقط إلى الأرض ، فذهب ليقوم وإذا الحصين يضربه بالسّيف على رأسه فسقط لوجهه ، ونزل إليه التميمي واحتزّ رأسه فهدّ مقتلُه الحسين :

وخرج من بعده الحرّ بن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين ـ يحمي ظهره ـ فكان إذا شدّ أحدهما واستلحم شدّ الآخر واستنقذه ، ففعلا ساعة وإنّ فرس الحرّ لمضروب على اُذنَيه وحاجبَيه و الدماء تسيل منه ، وهو يتمثّل بقول عنترة :

ما زلت ارميهم بثغرة نحره     ولبانه حتّى تسربل بالدم

فقال الحصين ليزيد بن سفيان : هذا الحرّ الذي كنت تتمنى قتله ؟ قال : نعم . وخرج إليه يطلب المبارزة فما أسرع أنْ قتله الحرّ ، ثمّ رمى أيّوب بن مشرح الخيواني فرس الحرّ بسهم فعقره ، وشبّ به الفرس فوثب عنه كأنّه ليث وبيده السّيف ، وجعل يقاتل راجلاً حتّى قتل نيفاً وأربعين ، ثمّ شدّت عليه الرجّالة فصرعته . وحمله أصحاب الحسين (ع) ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه ـ وهكذا يؤتى بكلّ قتيل إلى هذا الفسطاط ـ و الحسين (ع) يقول : قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبيّين : ثمّ التفت إلى الحرّ ـ وكان به رمق ـ فقال له ، وهو يمسح الدم عنه : أنت الحرّ كما سمّتك اُمّك ، وأنت الحرّ في الدنيا والآخرة  .

وقام الحسين إلى الصلاة ، فقيل إنّه صلّى بمَن بقي من أصحابه صلاة الخَوف ، وتقدّم أمامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي في نصف من أصحابه

ولمّا اُثخن سعيد بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول : اللهمّ العنهم لعن عاد وثمود وابلغ نبيّك منّي السّلام وابلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فإنّي أردت بذلك ثوابك في نصرة ذريّة نبيّك (صلّى الله عليه وآله وسلّم:

ولمّا فرغ الحسين (ع) من الصلاة قال لأصحابه : يا كرام ، هذه الجنّة قد فتحت أبوابها ، واتصلت أنهارها ، وأينعت ثمارها ، وهذا رسول الله والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله يتوقّعون قدومَكم ويتباشرون بكم ، فحاموا عن دين الله ودين نبيِّه ، وذبّوا عن حرم الرسول  . فقالوا : نفوسنا لنفسك الفداء ، ودماؤنا لدمك الوقاء فوالله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب.

 

شهادة علي الأكبر

عندما لَم يبقَ مع الحسين إلاّ أهل بيته ، عزموا على ملاقاة الحتوف وأقبل بعضهم يودّع بعضاً، وأول مَن تقدّم أبو الحسن علي الأكبر وعمره سبع وعشرون سنة.

وقد عزّ فراقه على النساء لأنه كان أشبه الناس يرسول الله(ص) خَلقاً وخُلُقاً.

ومن جهة أنَّ ليلى اُمّ الأكبر بنت ميمونة ابنة أبي سفيان ولذا  صاح رجل من القوم : يا علي إنّ لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد ، ونريد أنْ نرعى الرحم ، فإنْ شئت آمنّاك . قال (عليه السّلام) : إنّ قرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحقّ أنْ تُرعى . ثمّ شدّ يرتجز معرِّفاً بنفسه القدسيّة وغايته السّامية :

أنـا  علي بن الحسين بن علي      نـحن وربُّ البيت أُولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي      أضرب بالسيف اُحامي عن أبي
ضرب غلام هاشميًّ قرشي

ولَم يتمالك الحسين (عليه السّلام) دون أن أرخى عينيه بالدموع وصاح بعمر بن سعد : مالك ؟ قطع الله رحمك كما قطعتَ رحمي ، ولَم تحفظ قرابتي من رسول الله (ص) وسلّط عليك من يذبحك على فراشك. ثمّ رفع شيبته المقدّسة نحو السّماء وقال : اللهمّ اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم أشبه النّاس برسولك محمّد خَلقاًَ وخُلُقاً ومنطقاً، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه ، اللهمّ فامنعهم بركات الأرض ، وفرِّقهم تفريقاً ، ومزِّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً ، فإنّهم دعونا لينصرونا ، ثمّ عدَوا علينا يقاتلونا  :

فقاتل قتالاً شديداً حتى أنهكته الجراحات، فنادى رافعاً صوته : عليك منّي السّلام أبا عبد الله، هذا جدّي قد سقاني بكأسه شربةً لا أظمأ بعدها ، وهو يقول : إنّ لك كأساً مذخورةً فأتاه الحسين (ع) وانكبّ عليه واضعاً خدّه على خدِّه وهو يقول : على الدنيا بعدك العفا ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول ، يعزّ على جدّك و أبيك أنْ تدعوهم فلا يجيبونك ، وتستغيث بهم فلا يغيثونك .

ثم أمر فتيانه أنْ يحملوه إلى الخيمة ، فجاؤوا به إلى الفسطاط الذي يقاتلون أمامه ، والنساء ينظرن إليه محمولاً قد جللته الدماء ، وقد وزع جثمانه الضرب والطعن ، فاستقبلنه بصدور دامية وأمامهنّ عقيلة بني هاشم زينب الكبرى صارخةً نادبةً فألقت بنفسها عليه.

وخرج من بعده عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، واُمّه رقية الكبرى بنت أمير المؤمنين،  وهو يقول :

اليوم ألقى مسلماً وهو أبي    وعصبة بادوا على دين النبي

فقتل جماعة بثلاث حملات،  ورماه يزيد بن الرقاد الجهني ، فاتقاه بيده فسمرها إلى جبهته ، فما استطاع أنْ يزيلها عن جبهته فقال : اللهمّ انّهم استقلونا واستذلونا فاقتلهم كما قتلونا . وبينا هو على هذا إذ حمل عليه رجل برمحه فطعنه في قلبه ومات.

وخرج أبو بكر ابن أمير المؤمنين واسمه محمد فقتله زحر بن بدر النخعي.

وخرج عبد الله بن عقيل فما زال يضرب فيهم حتّى اُثخن بالجراح وسقط إلى الأرض ، فجاء إليه عثمان بن خالد التميمي فقتله .

وخرج أبو بكر بن الحسن بن أمير المؤمنين (ع) ، وهو عبد الله الأكبر ، واُمّه اُمّ ولد ، ويقال لها رملة ، فقاتل حتّى قُتل.

وخرج من بعده أخوه لاُمّه وأبيه القاسم ، وهو غلام لَم يبلغ الحلم ، فلمّا نظر إليه الحسين (عليه السّلام) اعتنقه وبكى ثمّ أذن له ، فبرز كأنّ وجهه شقّة قمر وبيده السّيف وعليه قميص وإزار وفي رجلَيه نعلان ، فمشى يضرب بسيفه فانقطع شسع نعله فوقف يشدّ شسع نعله وبينا هو على هذا إذ شدّ عليه عمرو بن سعد بن نُفيل الأزدي ، فقال له حميد بن مسلم : وما تريد من هذا الغلام ؟ يكفيك هؤلاء الذين تراهم احتوشوه . فقال : والله لأشدنّ عليه . فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف ، فوقع الغلام لوجهه فقال : يا عمّاه ! فأتاه الحسين كالليث الغضبان ، فضرب عمراً بالسّيف فاتّقاه بالسّاعد فأطنّها من المرفق ، فصاح صيحةً عظيمةً سمعها العسكر ، فحملت خيل ابن سعد لتستنقذه ، فاستقبلته بصدرها ووطأته بحوافرها فمات . وانجلت الغبرة وإذا الحسين (ع) قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه  والحسين (ع) يقول : بُعداً لقوم قتلوك ! خصمهم بوم القيامة جدّك  ، ثمّ قال : عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك ثمّ لا ينفعك ، صوتٌ والله كثر واتره وقلَّ ناصره .

ولمّا رأى العبّاس (عليه السّلام) كثرة القتلى من أهله قال لإخوته من اُمّه وأبيه ، عبد الله وعثمان وجعفر : تقدّموا يا بني اُمّي حتّى أراكم نصحتم لله ولرسوله . والتفت إلى عبد الله وكان أكبر من عثمان وجعفر وقال : تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً وأحتسبك فقاتلوا بين يدَي أبي الفضل حتّى قُتلوا بأجمعهم .

ولَم يستطع العبّاس صبراً على البقاء بعد أنْ فُني صحبُه وأهلُ بيته ، ويرى حُجّة الوقت مكثوراً قد انقطع عنه المدد ، وملأ مسامعه عويل النّساء وصراخ الأطفال من العطش ، فطلب من أخيه الرخصة ، ولمّا كان العبّاس (ع) أنفس الذخائر عند السّبط الشهيد (ع) ؛ لأنّ الأعداء تحذر صولته وترهب إقدامه ، والحرم مطمئنّة بوجوده مهما تنظر اللواء مرفوعاً ، فلَم تسمح نفس أبي الضيم القدسيّة بمفارقته فقال له : يا أخي أنت صاحب لوائي   قال العبّاس : قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين واُريد أنْ آخذ ثأري منهم ، فأمره الحسين (ع) أنْ يطلب الماء للأطفال ، فذهب العبّاس إلى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب الجبّار ، فلَم ينفع . فنادى بصوت عالٍ : يا عمر بن سعد ، هذا الحسين ابن بنت رسول الله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته ، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى ، فاسقوهم من الماء قد أحرق الظما قلوبهم ، وهو مع ذلك يقول : دعوني أذهب إلى الروم أو الهند واُخلي لكم الحجاز والعراق . فأثّر كلامه في نفوس القوم حتّى بكى بعضهم ، ولكنّ الشمر صاح بأعلى صوته : يابن أبي تراب ، لو كان وجه الأرض كلّه ماء وهو تحت أيدينا ، لَما سقيناكم منه قطرة ، إلاّ أنْ تدخلوا في بيعة يزيد.

فرجع إلى أخيه يخبره ، فسمع الأطفال يتصارخون من العطش فلَم تتطامن نفسه على هذا الحال ، وثارت به الحميّة الهاشميّة :

ثمّ إنّه ركب جواده و أخذ القربة ، فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنّبال فلَم ترعه كثرتهم ، وأخذ يطرد اُولئك الجماهير وحده ولواء الحمد يرفّ على رأسه ، ولَم يشعر القوم أهو العبّاس يجدل الأبطال أم أنّ الوصي يزأر في الميدان ؟! فلم تثبت له الرجال ، ونزل إلى الفرات مطمئنّاً غير مبال بذلك الجمع .

ولمّا اغترف من الماء ليشرب ، تذكّر عطش الحسين ومَن معه ، فرمى الماء وقال:

يا نفس من بعد الحسين هوني      وبـعده  لا كـنت أن تكوني
هـذا  الـحسين وارد المنون      وتـشـربين بـارد الـمعين
تالله ما هذا فعال ديني

ثمّ ملأ القربة وركب جواده وتوجّه نحو المخيّم ، فقُطع عليه الطريق ، وجعل يضرب حتّى أكثر القتل فيهم وكشفهم عن الطريق.

فكمِن له زيد بن الرقاد الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي ، فضربه على يمينه فبرأها فقال :

والله إنْ قـطعتُمُ يـميني      إني أُحامي ابداً عن ديني
وعـن إمام صادق اليقين      نجل النبيِّ الطاهر الأمين

فلَم يعبأ بيمينه بعد أنْ كان همّه إيصال الماء إلى أطفال الحسين (ع) وعياله ، ولكن حكيم بن الطفيل كمِن له من وراء نخلة فلمّا مرّ به ضربه على شماله فقطعها وتكاثروا عليه ، وأتته السّهام كالمطر ، فأصاب القربة سهم واُريق ماؤها ، وسهم أصاب صدره ، وضربه رجل بالعمود على رأسه ففلق هامته .

وسقط على الأرض ينادي : عليك منّي السّلام أبا عبد الله . فأتاه الحسين (ع) وعندما رآه على تلك الحال قال كلمته الشهيرة: الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي.

واللافت في الأمر أن العباس(ع) هو الوحيد من بين شهداء كربلاء الذي لم يُصطحب إلى الخيام، ولا شك بأن في الأمر سراً لدى الحسين(ع).

ورجع الحسين (ع) إلى المخيّم منكسراً حزيناً باكياً يكفكف دموعه بكُمّه ، وقد تدافعت الرجال على مخيّمه فنادى : أما من مغيث يغيثنا ؟ أما من مجير يجيرنا ؟ أما من طالب حقّ ينصرنا ؟ أما من خائف من النّار فيذبّ عنّا ؟  فأتته سكينة وسألته عن عمّها ، فأخبرها بقتله . وسمعته زينب فصاحت : وآ أخاه ! وآ عبّاساه ! وآ ضيعتنا بعدك ! وبكين النّسوة وبكى الحسين معهنّ:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى