الفكر الكربلائي

الأخطار المصيرية التي أحدقت بالأمة عبر تاريخها

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

الأخطار المصيرية التي أحدقت بالأمة عبر تاريخها

 

منذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها الإسلام بدأ الخطر يحيط به من كل الجوانب ويحدق به من أعلاه وأسفله وجوانبه الأربعة، فلم يمر يوم على هذه الأمة إلا وهي محاطة بالنيات الشريرة والفتن الكبرى والظروف المريرة، وكأنه اقترن إسم الإسلام بالخطر، وكُتب على منتحليه ارتداء جلباب الخطر الدائم حيث لم يكن المستهدَف إسم الإسلام بل معناه المكوَّن من أفراده الدالين عليه والمُظهرين له بسلوكهم وطرق تعاطيهم مع الآخرين، فالدين من دون حَمَلة له لا وجود له، فمثله مثل الضوء الذي لا يُرى ولا يُلحظ إلا بالأجسام التي تعكس نوره.

فكانت فحوى المؤامرات ضد الإسلام من الأساس هي إفراغ الساحة من حامليه والمؤمنين به مهما كانت الوسيلة والثمن، وهذا ما دفع بهم إلى قتل مجموعة كبرى من المسلمين الأوائل وتعذيب آخرين وسجن ونفي الباقين بهدف تضييق الخناق عليهم وإجبارهم على ترك هذا الدين الذي رأوا فيه السعادة لأنفسهم ولمسوا فيه كل الخير على مستوى هذه الحياة الدنيا وعلى مستوى الحياة الأخروية، وهذا ما دفع بالبعض منهم إلى التضحية بنفسه وأولاده وأمواله ووطنه في سبيل ثباته على المبدأ الذي آمن به واعتقد بصحته من الأساس أو من لحظة ظهوره كما صنع المسلمان العظيمان والدا الصحابي الكبير عمار بن ياسر حيث أعطيا للأجيال القادمة درساً في التضحية والبطولة، ولأنهما رفضا التراجع عن الحق والتبرء من الإسلام كان عقابهما الموت بعد أن عُذِّبا أشد تعذيب من قبل مشركي مكة.

ثم راح هذا الخطر يشتد يوماً بعد يوم ويأخذ بالإزدياد الملحوظ وذلك بحسب نسبة الإقدام عليه من قبل معتنقيه، فكان يمر أسبوع دون أن يسلم أحد أو دون أن يعلن أحد إسلامه، وفي بعض الأحيان كانت النسبة هذه تزيد أو تنقص، وهذا ما يمكن أن نعرفه من خلال مراجعة التاريخ المختص بهذا الشأن.

وقد امتاز هذا الدين بسرعة انتشاره واعتناق الناس له وذلك بسبب جوهره العظيم ومستقبله الباهر في الدنيا والآخرة، فلقد رأى فيه الناس العدالة والمساواة والرحمة والإنصاف والخلاص الحقيقي من تلك القيود التي كانت تحكمهم وتسيطر عليهم وتلتف حول أعناقهم بوسائل شتى وصورٍ مختلفة، فلقد رأوا بأن في الإسلام خلاصاً لهم من تلك الأنظمة الجائرة التي كانت من نسج أيدي الجائرين والطامعين والنفعيين بلا حدود والتي كانت تقضي بعيش القوي والغني وإن كانا جاهلين وأحمقين، وبموت الفقراء والضعفاء وإن كانوا عقلاء حكماء.

لقد كانوا غارقين في عادات وتقاليد مجتمع قلَّ نظيره في تاريخ الوجود الإنساني حيث تحول الفرد منهم إلى ذئب كاسر ووحش ضار يريد أن يفترس كل شيء من دون رحمة ولا شفقة ولا ضوابط تمنعه من ذلك ولا قانون يحمي الفريسة من العدوان، وبمعنى آخر لقد كان وضع المجتمع العربي كوضع أية غابة تسكنها الحيوانات المفترسة.

لقد بقي المجتمع العربي غارقاً في تلك المتاعات والعادات والدوامات مدة طويلة من الزمن عُدَّت بمئات السنين إلى أن ظهر فيهم نور الهداية عن طريق خاتم الأنبياء محمد(ص) الذي أرسله الله رحمة للعالمين عندما جاءهم بنعمة الإسلام والإيمان والعلم فكان مبعثه الشريف سبباً مباشراً في إنقاذهم من تلك الشدة التي كانوا تحتها، وهذا ما أشار إليه الكتاب العزيز حيث قال سبحانه في سورة الأعراف(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)

وكان كلما علا شأن الإسلام درجة ارتفت نسبة الخطر عليه درجات، ويمكن القول بأن حجم الخطر على الإسلام والمسلمين فاق نسبة الخطر الذي شكّله الإسلام عليهم حتى أصبح السعي للقضاء على الدين شغلهم الشاغل وحديث ساعتهم.

والأخطار نوعان وكلاهما لهما أثر واحد، لأنه مرة كان الخطر يواجه شخص الرسول(ص) ومرة كان يواجه الأمة أو أفراداً من الأمة، أما الأخطار التي واجهت شخص الرسول فهي أكثر من أن تُحصر حيث لم يخلُ يوم من إحداق الخطر بشخصه على صعيد فردي أو جماعي، وكذا لم تخلُ فترة من إحداق الخطر بالأمة والتي كان ينتج عنها في الغالب معركة عنيفة.

ورغم كثرة الأخطار التي كانت وما زالت محدقة بالإسلام والمسلمين نهجاً وفكراً وعدداً وإمكانيات فإننا سوف ننتخب في بحثنا الحديث عن خمسة أخطار كانت بالنسبة للدين والأمة مصيرية.

الخطر الفعلي الأول: وهو الخطر الذي أحدق بالرسول والرسالة والرساليين قُبيل هجرته إلى المدينة حيث تآمرت عليه كل القبائل وقد انتُخب من كل قبيلة شخص للقيام بمهمة قتل الرسول على فراشه وبهذه الطريقة يضيع دمه الزكي بين تلك القبائل فلا يطالَب به أحد.

غير أن المشيئة الإلهية كانت وما تزال هي الواقعة والمسيطرة وإن لم تكن الظروف مؤاتية لمصلحة الأمة، فقد شاءت إرادة الله تعالى أن يبقى الرسول لتبقى الرسالة وتكتمل مضامينها وتعاليمها وأحكامها، فأوحى الله إلى رسوله بأن يغادر مكة بعد أن أخبره بنية القوم، ولكن خروج الرسول من مكة في تلك الظروف الصعبة كان أمراً خطيراً للغاية لأن تلك القبائل كانت قد فرضت حصاراً واسعاً حول منزل الرسول فمنعت الدخول إليه والخروج منه بحرية، فاحتاج الأمر إلى عملية تمويه شديدة الخطورة، ولا يمكن لأحد أن يقوم بها إلا إذا كان من عشاق الشهادة ورواد البطولة والتضحية في سبيل الله ورسوله.

ولم يكن لتلك المهمة منفّذ سوى بطل الإسلام الأول علي بن أبي طالب(ع) الذي كان يرى قمة السعادة في القيام بهذه المهمة التي يُحفظ بها الرسول والرسالة فبات على فراش رسول الله دون أن يهتم للسيوف والرماح التي لا تميز بين جسد وجسد، فكما شاءت إرادة الله أن يُحفظ الرسول فكذا شاءت أن يُحفظ من كان سبباً مباشراً في حفظ الرسول وهو إمام الأمة علي(ع) ومن هنا فإننا ندعو كل من يؤمن بالرسول ويعظّم هجرته ويحتفل بها أن ينظر إلى كل تفاصيل تلك الحادثة وأن يقرأ بطولات شخصياتها ولم يكن يومها من أبطال سوى الرسول والإمام حيث فضّل الآخرون الخروج مع رسول الله ليضمنوا السلامة لأنفسهم، فعلى المهتمين بشأن الهجرة أن يعتنوا بأدق تفاصيلها وبأسباب نجاحها فإن سبب النجاح فيها ليس الخروج مع الرسول بل تسهل أمر خروج الرسول، وهنا يظهر لنا جلياً من هو صاحب المنقبة في تلك الحادثة، فإن صاحب المنقبة هو البطل الذي فدى الرسول بنفسه وليس من كان ملتصقاً بالرسول وهو يشعر بالخوف.

نلاحظ بأن اهتمام أكثر المسلمين في حادثة الهجرة قد انصب على قوله تعالى(إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا) ولو أنهم تعمقوا قليلاً في المعنى المراد من الآية لوجدوا أن فيها توبيخاً واضحاً لمن اعتبروه بطلاً بسبب رفقته للرسول، وأهملوا في احتفالهم بذكرى الهجرة ما هو المنقبة الحقيقية وما نال في القرآن مدحاً واضحاً وهو القول الذي طمأن الله به قلب رسوله الذي كان خائفاً على ذراعه الأيمن علي(ع) حيث قال تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) وهذه الآية تحمل مدحاً واضحاً في مقابل الذم الواضح الذي حُمل في الآية السابقة، ففهم الرسول من خلال الآية الثانية أن الله تعالى قد نجى علياً، وبهذا دُفع الخطر الكبير عن الإسلام والمسلمين في تلك الآونة من الزمن.

الخطر الفعلي الثاني: كان في زمن أمير المؤمنين علي(ع) وقد تمثّل هذا الخطر في معركة الخندق عندما تحزّبت الأحزاب وأجمعت أمرها على محو الإسلام من الوجود ومعاقبة كل من انتحل هذا الدين، فكانت النتيجة أن الله تعالى قد درأ هذا الخطر المصيري عبر شجاعة الإمام علي(ع) الذي كان في تلك المرحلة بمقتبل العمر حيث بارز أشجع فرسان العرب عمر بن ود العامري الذي كان يمشي ويتبختر ويتنقل من مكان إلى مكان ويخترق صفوف الجيوش ويدعو إلى المبارزة بكل ثقة واطمئنان فبرز له علي بكل جرأة وبسالة وبارزه وقتله شر قتلة وقد كان ذلك عبرة للمعتبرين، وفي تلك المعركة عبّر الرسول بتعبير بيّن من خلاله مكانة علي وفضله حيث قال نزل الإيمان كله إلى الشرك كله، والمعنى من ذلك أن حفظ الرسالة السماوية توقف على نتائج تلك المبارزة فلو قتل عمرو علياً لزال الإسلام من الوجود ولكن شاءت إرادة الله أن يُدفع هذا الخطر عن الدين بفضل أمير المؤمنين.

الخطر الفعلي الثالث: كان في زمن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) عندما أجمع القوم على اغتصاب حقها الذي لم يكن سوى غطاء لمؤامرتهم الواسعة النطاق آنذاك حيث لم يكن المستهدَف من ذلك التحرك شخص فاطمة أو قطعة أرضها فدك بل كان المستهدف شريعة الإسلام حيث أراد أولئك من خلال صنيعهم أن يغيروا حكم الله تعالى، وهذا ما يمكن أن نستفيده من كل فقرة وردت في كلام الزهراء(ع) الذي قالته أمام تلك الجموع المتآمرة.

الخطر الفعلي الرابع: كان في زمن الإمام الحسن(ع) عندما عمل معاوية على تفكيك جيش الحسن وإغرائهم بالأموال فنجح معاوية في تنفيذ هذا الدهاء وعندها لم يكن أمام الحسن خيار بعد الخيار العسكري سوى إقامة الصلح مع معاوية، ولم يكن فيه أي نوع من أنواع الإذلال للطرف الإسلامي المحق الذي تمثّل بالحسن ومن تبقى معه من أفراد الجيش، فلقد بثّ أعوان معاوية دعايات كاذبة لا أساس لها صوّروا فيها بأن الحسين بايع معاوية، وهناك مسافة بعيدة بين معنى الصلح وجوهره ومعنى المبايعة وجوهرها، لأن الصلح يعني المعاهدة، أما المبايعة فإنها تعني الإستسلام.

الخطر الفعلي الخامس: كان في زمن الحسين الذي قام بالمعركة العسكرية حيث لم يبق أمامه سوى هذا الخيار المر لأن المؤامرة التي حاكحها الطرف اليزيدي تحتم على الحسين ومن معه أن يفجر ثورة عسكرية تكون بداية سلسلة طويلة من الثورات والتحركات العسكرية، المنطق الذي يفهمه الطرف الآخر، فلو كان سلاح المنطق مؤثراً فيهم لتأثروا بمنطق الحسين قبل الثورة، ولكنهم لم يفهموا يوماً سوى منطق السلاح فكلّمهم الحسين بالمنطق الذي يفهمونه ويتعاملون به مع القضايا والأحداث سواء كان الظرف داعياً إلى ذلك أو لا.

فبثورة كربلاء حُفظ الإسلام من شرور القوم وصلحت أموره بعد أن أفسدتها اليد الأموية الحاقدة، وبناءاً على ما ذكرناه يكون حكم ثورة الحسن وجوهرها وآثارها على الأمة والمبدأ حكم الهجرة النبوية وحكم مبارزة علي لعمرو بن ود، وحكم وقفة السيدة الزهراء وصلح الإمام الحسن، لم يتغير من الأمر شيء على الإطلاق رغم اختلاف الزمن والشخصيات ولكن المبادئ كانت لا تزال على حالها فأهل الحق هم أهل الحق، وأهل الباطل ما زالوا أهل باطل.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى