
مَثَلُ من انسلخ من آيات الله
إن من أخسر الناس حظاً في يوم القيامة شخصاً منّ الله عليه في الدنيا بنعمة الإيمان والمعرفة فانسلخ من إيمانه ولم يعمل بمعرفته، والحجة على مثل هذا الشخص قوية إذ لا يوجد لديه ما يعتذر به فكيف يعتذر وهو يعلم الحق فلن يقول لم أعلم بل سوف يقر بأنه كان يعلم فقصّر واستهتر واتبع هواه وآثر الحياة الدنيا على الآخرة، هذا النوع من الناس ضرب الله فيهم مثلاً بيّن فيه حقيقتهم وفي نفس الوقت وجّه إليهم في هذا المثال توبيخاً هم يستحقونه بسبب تقصيرهم واتباعهم للشيطان القوي، قال تعالى(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) لقد أمر الله تعالى رسوله(ص) بأن يخبر الناس عن شخص من بني إسرائيل كان قد منّ عليه الله بالعلم والمعرفة حيث أوتي من علم الكتاب شيء ولكنه لم يتمسك بهذا العلم بل آثر الهوى على الهدى والكفر على الإيمان فصار قريناً للشيطان الغوي، والإنسان في هذه الحياة مخير بين الإيمان والكفر فلا يجبره الله على واحد منهما لأن الإجبار ينافي العدالة ويخل بالإمتحان المفروض من قبل الله على العباد، والله قادر على أن يثبت الإنسان على الشيء ولكنه يتركه وخياره فهو مسؤول عما يختاره في هذه الدنيا، قال تعالى(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) لو شاء الله لرفعه عبر تثبيته على ما أوتي من علم الكتاب ولكنه تعالى اختبره فمال إلى الكفر واستحب الدنيا وزخارفها ونسي الآخرة التي هو يعلم بأنها خير من الدنيا وأربح وأبقى، فلو شاء الله لرفعه بعلمه وعمله ولكن هذا الإنسان أخلد إلى الأرض أي أنه مال إلى الدنيا وسمع كلام الشيطان وأصبح واحداً من جنوده على الأرض.
فكانت النتيجة أنه خسر الدنيا والآخرة بسبب اغتراره بالحياة التي كانت وما تزال رأس كل خطيئة ومعصية وشر، وهنا يضرب الله لنا مثلاً لهذا النوع ممن آثروا العاجلة ونسوا الآخرة فقال سبحانه(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
وفي هذه الآيات إشارات عديدة: منها أنه تعالى شبّه سلوك المنسلخ عن آيات الله شبّهه بالكلب الذي يلهث في الحر والبرد والتعب والراحة بمعنى أن الذي اختار الدنيا هو كذلك في جميع الحالات سواء أوتي مت علم الكتاب شيء أو لم يؤتَ منه فالأحوال عنده سواء لأنه انقاد إلى الدنيا وتوجه إليها كلياً.
ومنها: أنه تعالى يقول لكل الذين كفروا بأن هذا هو مثلهم في الدنيا ويعقب هذا المثل عذاب أليم، ويدعو نبيّه إلى أن يقصص القصص والعبر والدروس على الناس لعلهم يتفكرون ويرجعون إلى الله عز وجل، ثم أخبره بسوء هذا المثل وكسوء أهله فكل من ينطبق عليه هذا المثل يكون من أهل السوء في الدنيا والآخرة.
ومنها أنه تعالى يطمئننا بأن الهداية من عنده فمن أراد أن يهتدي فسوف يعينه الله ويهيئ له أسباب الهداية وأما الذي يريد الغواية فهو المسؤول عن ممارسته.
ومن جملة الأمثلة الواردة في القرآن الكريم قوله تعالى(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) وهذا تشبيه للكفار بالبهائم التي مهما صاح بها الصائح فإنها لا تفهم معنى الكلام والكفار أحط شأناً من البهائم فإن البهائم لا عقل لها فلأجل ذلك هي لا تفهم شيئاً أما الكفار فقد أعطاهم الله تعالى عقولاً ليفكروا بها ولكنهم لم يستعملوا عقولهم في المجالات الشريفة بل استعملوها في الحرص على الدنيا والسير في سبل الضلال والإنحرام فكانوا كما وصفهم ربهم بأنهم صم وبكم وعمي لا يعقلون شيئاً.
الشيخ علي فقيه



