الفكر الكربلائي

التشابه بين أساليب أهل الحق وأهل الباطل عبر الزمن

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

 

التشابه بين أساليب أهل الحق وأهل الباطل عبر الزمن

 

إن لمبدأ الثورة الكربلائية تاريخان، أحدهما معلوم ومألوف يتبادر إلى الأذهان مباشرة عند ذكر الثورة، وذلك بسبب كثرة استعمال اللفظ في المعنى، وثانيهما غامض نوعاً ما بسبب البُعد الفكري عن المعاني العميقة لتلك الثورة المباركة التي ينظر إليها الناس من منظارين، الأول: منظار سطحي لا يطال سوى القشور الرقيقة، والثاني: منظار عميق يدخل إلى الجوهر ليطال لب الموضوع، وبعد هذه المقدمة نقول:

لم تبدأ الثورة الحسينية عام إحدى وستين للهجرة في العاشر من شهر محرم، ولم تنته باستشهاد الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه، وإنما بدأت قبل ذلك، وهذا المبدأ له أصلان، أصل يتصل بحركة الرسول(ص) وأصل يتصل بحركة الصراع بين الحق والباطل، ويرجع تاريخ هذا الصراع إلى مبدأ الوجود البشري على الأرض، وذلك عندما بدأ الصراع بينهما في عهد ابني آدم قابيل وهابيل.

ويمكن لنا أن نعتمد كلا هذين المبدأين، ولكننا لو اعتمدنا الرأي الأول تكون البداية مع بداية الرسالة المحمدية، أما النهاية فإننا نقول إن ثورة كربلاء لم تنته بعد ولن تنتهي ما دام هناك صراع قائم بين الحق والباطل، واعتقادنا هو أن الذي يكمل هذه الثورة هو الإمام الحجة(عج)

وهنا لا بد من إلقاء نظرة سريعة على بعض الأحداث التي تَواجه فيها أهل الحق مع أهل الباطل ليكون ذلك دليلاً حياً على النقطة الأساسية التي نبحث بها، ولكي نثبت للعالَم كله _من خلال التشابه بين أساليب أهل الحق وأهل الباطل _ أن الإمام الحسين(ع) كان على الحق وأن يزيد ومن عاونه ومن سلك نهجه هم على الباطل.

نبدأ من بداية العصر البشري على كوكب الأرض حيث كان هناك صراع حاد بين أهل الحق وأهل الباطل رغم قلة سكان أهل الأرض ومحدودية عددهم، فلقد جرى صراع بين الحق والباطل اللذَين كانا متمثلين بابني نبي الله آدم قابيل وهابيل حيث مثّل الأول جهة الباطل والثاني جهة الحق فاعتدى الباطل على الحق كالعادة وقتل قابيل أخاه هابيل لا لذنب ارتكبه المغدور به إلا لأنه كان قريباً من الله عز وجل ومميَّزاً لدى أبيه آدم بسبب سلوكه الحسن ونفسه الزكية، وصحيح أن قابيل غلب هابيل عندما قتله ولكن ذلك لا يعني انتصار الباطل على الحق بل يعني عكس ذلك حيث انتصر هابيل وما زال منتصراً حتى يومنا الحاضر أي منذ آلاف السنين ولم يندثر حقه ولم يُمح ذكره بل أصبح مضرباً لأمثال الخير عبر الزمن، وقد نال هذا الحدث حظاً في الذكر الحكيم حيث سجّل القرآن الكريم هذه الحادثة مادحاً أهل الحق وذاماً أهل الباطل فقال سبحانه(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ  لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ  إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ  فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

ثم نعرّج بالذكر على قضية نبي الله نوح(ع) الذي عانى الأمرّين من قومه فتحمّل ظلمهم له وتكذيبهم إياه واستهزاءهم به واعتداءاتهم المتكررة عليه وعلى عائلته والقلة التي آمنت به فصبر عليهم ثم انتصر عندما أنزل الله غضبه على قومه فأغرقم بالطوفان، وهنا ومن باب التشبيه نقول: إنه لا فرق بين هابيل ونوح من حيث الثبات على المبدأ والتضحية في سبيل الحق، ولا فرق بين قابيل وقوم نوح من حيث السلوك السيئ والنفسية الدنيئة التي دفعت بهم إلى ارتكاب الأخطاء المتكررة.

وكذلك سجّل القرآن المجيد تلك الحادثة مع ذكر بعضٍ من تفاصيلها والتركيز على النهاية التي كانت لصالح أهل الحق، والآيات القرآنية الحاكية عن ذلك كثيرة جداً حيث تعرّض القرآن لذكر نوح(ع) في أكثر من خمسة وعشرين سورة كآل عمران والنساء والأنعام والأعراف والتوبة ويونس وهود وإبراهيم والإسراء ومريم وغيرها من السور المباركة التي ذكرت لنا تلك العبرة.

ثم شهد التاريخ بعد ذلك صراعاً دامياً بين هذين النهجين اللذين يشكّلان خطين متوازيين لا يلتقيان أبداً مهما امتدّا، ففي عهد خليل الله إبراهيم تمثّل الحق بهذا النبي الكريم الذي كان أبا الأنبياء وتمثّل الباطل في زمانه بالعديد من البشر وفي مقدمتهم نمرود بن كنعان الحاكم الظالم الذي شابه بسلوكه كل طواغيت الأرض، فإبراهيم لم يرتكب خطئاً في حق أحد ولم يعتد على كرامة أحد ولم يظلم واحداً من الناس مقدار ذرة بل الناس هم الذين ظلموا إبراهيم منذ البداية أي منذ أن كان في مقتبل العمر لأنه أنكر ربوبية الأوثان ولفت أنظار القوم إلى وحدانية الله عز وجل فلقي عداوة بغيضة من قومه الذين حكموا عليه بالإعدام حرقاً لأنه آمن بالله تعالى، فأمروا بحرقه فنجاه الله لأن الله مع الذين اتقوا، وفي ذكر هذا الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل قال سبحانه(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ  أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ  قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)

ثم استمر الصراع هذا بين الأفراد والجماعات والأمم والشعوب حتى جاء عهد موسى(ع) الذي عانا الأمرّين من ظلم فرعون وجنوده فحصل بين الفريقين العديد من الصراعات العسكرية والنفسية وانتصر فيها الحق في كل مرة وذلك عندما كانت تُدحض مؤامرات فرعون وأعوانه، وأقوى تلك الصراعات هو تلك المواجهة التي حصلت في يوم الزينة والتي ذكرها الله في قوله(فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى  قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)  وهناك جرى التحدي الكبير بين الحق والباطل بعد أن انتشر خبر هذه المواجهة بين أكثر الناس فألقوا حبالهم وألقى عصاه فتجلت لهم آيةً كبرى فتغلب على أهم الجوانب التي كانت فرعون يعتمد عليها وهم السحرة الذين كانوا أول المؤمنين بموسى بعد تلك الحادثة التي كان فيها للسحرة الدور الأبرز في إثبات الحق لأنه لو لم يسجد السحرة ويعلنوا إيمانهم بإله موسى لبقي الناس مصرين على كون موسى ساحراً، ونلاحظ بأن نفس الأساليب التي استعملها قوم موسى معه أشبهت أساليب قوم نوح وإبراهيم، وقد اختُتم هذا الصراع بانتصار الحق وأهله على الباطل وأذنابه، وقد أشير إلى هذا النصر في العديد من سور القرآن الكريم نذكر لكم واحدة ذكرها الله في سورة طه،قال تعالى(فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى  قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى  فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى  قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى  فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى  قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى  وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى  فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) فلقد اتهموا موسى بالسحر كما اتهم قوم نوح نبيهم بالجنون وكما اتُهم كل نبي بمثل ذلك مما يدل على كون أسلوب أهل الباطل واحد وأسلوب أهل الحق واحد مهما طالت السنين ومهما كثر الناس وتمدنوا وتطوروا لأن الله تعالى واحد وله طريقة واحدة ويحب أن يعبده خلقه بنفس الطريقة، وكذا فإن الشيطان له أسلوب واحد، ومن هنا نرى هذا التشابه بين المؤمنين في زمن آدم ونوح وبين أهل الإيمان اليوم ومن سيأتي بعدنا ولو بعد آلاف السنين حيث يتحرك الإنسان في الحياة بالروحية التي هو عليها.

ثم استمر هذا الصراع وهذا التشابه إلى أن جاء عهد خاتم الأنبياء محمد(ص) الذي شهد في تاريخه ما لم يشهده نبي قبله من أنواع المواجهات العنيفة التي جرت بينه وبين أقبح مجتمع بشري شهده التاريخ حيث كان قومه معاندين وهم أهل فن في إلصاق التهم وتزوير الحقائق واختلاق الأكاذيب حتى عُدّ الواحد من أمة خاتم الأنبياء بمئاتٍ من الذين عاصروا الأنبياء قبله، فلقد جرت بينه وبينهم مواجهات كلامية ونفسية وعسكرية واقتصادية حتى عبّر(ص) عن تلك الحالة المزرية التي عاشها مع قومه بقوله الشريف: ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت، فصحيح أن نوحاً لبث في قومه ألفاً إلا خمسين عاماً ولكنه في النهاية استراح منهم عندما استجاب الله له دعاءه عليهم فأغرقهم بالطوفان ولم يترك منهم أحداً إلا من آمن بنوح، ولكن الرسول(ص) التحق بالرفيق الأعلى وأيادي الشر ما زالت موضوعة عليه وعلى أهل بيته وعلى المؤمنين به وعلى الرسالة السماوية.

فلقد شابه العرب في شبه الجزيرة أشرار الخلق من الأقوام الذين واجهوا الأنبياء وكذبوهم وقتلوهم ولكن عرب شبه الجزيرة كانوا يقتلون محمداً مئة مرة في اليوم الواحد، وقد اعترف كل أهل الأرض بأن المجتمع العربي عند المبعث النبوي الشريف كان أقبح المجتمعات وأشرها على الإطلاق فهم أقبح من قوم نوح ومن قوم إبراهيم ومن قوم موسى وعيسى وكل الأقوام التي سبقتهم، فنوح(ع) عانى أقل من ألف سنة أما نبينا الأعظم(ص) فما زالت روحه تعاني حتى هذه الأيام وسوف تبقى تعاني إلى يوم القيامة ما دام هناك أشرار في الأرض.

ثم إن الذي مر على الزهراء(ع) لم يكن بأحسن حالاً مما مر على أبيها فلقد جرى صراع بينها وبين قومها على غرار تلك الصراعات التي دارت بين الأنبياء وأقوامهم غير أن الظلم الذي حل بالزهراء لم ينته حتى استشهادها.

ولم يكن وضع أمير المؤمنين أفضل من وضع الزهراء وأبيها لأن الصراع بين الحق والباطل قد بلغ ذروته في ذلك العهد الذي استماتت فيه الرجال أو أشباه الرجال على غصب الحق وإشغال مناصب هي شرعاً وعقلاً وقانوناً ليست لهم ولا هي من حقهم لأنها بعيدة عنهم وهم بعيدون عنها، وما زالت آثار تلك الصراعات قائمة حتى اليوم.

ثم جاء عهد الإمام الحسن الذي كان مشابهاً بصراعاته وأحداثه لعهد أبيه(ع) فلقد تمثّل الحق كله بالحسن ومن كان معه من المؤمنين الخلّص وتمثل الباطل كله بمعاوية ومن عاونه على ظلمه.

وكل رواسب الصراعات التي دارت بين الرسول وأبي سفيان ومن يمثل كل واحد من الطرفين، والصراعات التي جرت بين الزهراء وظالميها، والصراعات الكبرى التي جرت بين علي والطامعين بالحكم وفي مقدمتهم معاوية وطلحة والزبير، والصراعات التي جرت بين الحسن ومعاوية كلها انصبت على رأس الإمام الحسين الذي فضّل ألم السيوف وفراق الأحبة وفصل الرؤوس عن الأجساد على أن يداهن أهل الباطل، فلقد كان الصراع بين الحق والباطل في عهد الحسين حاسماً كما حدث في معركة الخندق تماماً عندما نزل الإيمان كله يعني علي ابن أبي طالب إلى الكفر كله يعني ابن ود العامري ومن عاونه، فلو أن الباطل في معركة الخندق انتصر على الحق لانتفى ذكر الله من الوجود، ولو أن الباطل انتصر على الحق في كربلاء في العشر من المحرم عام إحدى وستين للهجرة لكانت نفس النتيجة المذكورة غير أن إرادة أهل العزم والثبات والقوة والشجاعة أبت إلا أن ينتصر الحق وأهله مهما كانت الضريبة غالية والثمن كبيراً.

وبعد كل ما ذكرناه يتلخص لدينا أن أسلوب أهل الحق واحد منذ بداية الحياة وأسلوب أهل الشر واحد منذ ذلك الوقت أيضاً فلا يتغير سوى الزمان والمكان والأشخاص.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى