الفكر الكربلائي

ثورة كربلاء أكبر مدارس العالَم

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

ثورة كربلاء أكبر مدارس العالَم

 

لقد اقتضت حاجة البشر أن يكون بينهم مدارس على جميع أنواعها لاعتقاد البشر بأن المدارس تصنع الرجال من أهل الفكر والعلم والوعي والحكمة، ولذا نجد أهل القرى أو المدن المحرومة من المدارس يطالبون الجهات المختصة ببناء مدرسة لهم حيث يعتقدون بأنها مصدر شرف لهم لما سوف تنتجه لهم في المستقبل من أهل العلوم التي هي في مَعرِض حاجاتهم.

وقيمة المدرسة تكمن خلف درجتها العلمية وسمعتها الطيبة واهتمامها الكامل بطلابها وغيرتها على مستقبلهم لتتوجهم بتاج النجاح وتحيطهم بثوب الفلاح فهي تحرَص على أن يتخرّج الطالب منها عالماً فاهماً حكيماً ليخدم مجتمعه وأهله ودينه، وكثير من المدارس الماضية والحالية تمتعت بصفات عالية وحافظت على وضعها العلمي وشأنها التربوي وابتكرت المناهج النافعة وجعلت للعلم أنظمة خاصة يسهل معه تلقّيه وحفظه وتصريفه، ولا يمكن  لأي مؤرخ أن يحصي أعداد المدارس التي شهدها الناس عبر القرون الماضية، وهناك تفاوت في الشهرة بين مدرسة وأخرى، ولكننا لم نسمع طيلة حياة أجدادنا وآبائنا وعلمائنا أن مدرسة قد شابهت مدرسة كربلاء أو أشرفت على القرب منها، ولا أبالغ في الكلام ولا أغلو في البيان إن قلتُ إنها أعظم مدرسة في تاريخ البشر، لأن نجاح المدرسة من نجاح عميدها أو مديرها أو رئيسها وعميد تلك المدرسة إنسان كريم على الله ومعصوم من الخطأ والزلل وهو ثالث أئمة الهدى وخامس أصحاب الكسا أبو عبد الله الحسين ابن علي بن أبي طالب سلام الله عليه، حيث بلغت مدرسته رتبة ليس فوقه رتبة واحتلت مكانة يستحيل على غيرها احتلال تلك المكانة، فهي مصدر الخير للبشرية وليس للمسلمين فقط أو لفئة من المسلمين لأنها مدرسة على مستوى العالَم كله بتعاليمها وأنظمتها وطريقتها الخاصة في إيصال العلم وتثبيت الحق.

فهي مدرسة تختلف عن باقي المدارس من حيث المنهجية والهيكل الخارجي فليس فيها غرف ولا ألواح ولا مجلس إدارة ولا ملاعب ولا دفاتر ذمة ولا نظّار ولا أساتذة، بل هي مدرسة إلهية أسسها الله عز وجل على يد إمامنا الحسين(ع) وهذا التأسيس لم يكن عفوياً بسبب جعجعة الطريق بموكب الحسين بل أُسست قبل يوم المعركة بعشرات السنين حيث مهّد لها الرسول بطريق غير مباشر قبل حدوثها بخمسين سنة تقريباً، فلقد كانت تلك الثورة في نظر الله عز وجل من الأساس ولم تكن وليدة عصرها.

إن مدرسة كربلاء خرّجت طلاباً مميَّزين عبر الزمن كانت لهم أدوار فعّالة في المجتمع الإسلامي خصوصاً والمجتمع العام عموماً فنشروا الخير وأفشَوا السلام بين الناس وزرعوا بداخلهم جرأة إمامهم وحكمته وشخصيته وفكره وبينوا لهم كل تعاليم تلك المدرسة سواء كانت تعاليم عقائدية أو سياسية أو أخلاقية أو إجتماعية.

وتمر الأيام وتنقضي الأعوام ويطوي التاريخ ملفات عديدة ويدفن في طياته أحداثاً لا عداد لها ويبدد كثيراً من الوقائع التي لم يكن الناس تجاه زوالها بمقرنين، ولكنه أمام بعض الأحداث العظيمة لا حول له ولا قوة لأن تلك الأحداث محفوظة من قبل الله سبحانه وتعالى فهي أقوى من التاريخ والقدر والزمن.

لقد شهد التاريخ ملايين الملايين من البشر على اختلاف ألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم ودوَّن أحداث دول عظمى لم يكن أحد ليحسب أنها سوف تزول في يوم من الأيام ولكنها زالت وزال ذكرها لأنها قامت على الظلم والعدوان.

في تلك السنوات الطويلة زالت جبال وطمست أودية وبددت أجيال متعاقبة وأزال الزمن أمماً لم يستطع التاريخ إحصاء أخبارها وتغيرت الأشياء وتبدلت الأمور وحكم العالم ملوك وحكام ورؤساء منهم العادل ومنهم الظالم ومنهم الفاسد ومنهم مصاص للدماء ومنهم مصاص للجيوب ولم يكتب الدوام لدولة سوى دولة الحق ولم يكتب الخلد لأحد سوى لأهل الحق الذين عاشوا عليه وماتوا من أجله وفي مقدمتهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين.

لقد طوى التاريخ صفحات دول وأمبراطوريات طال أمدها واستمر ظلمها عبر مئات السنين فلم يبق منها سوى حروف قد يمر عليها الباحث مرور الكرام من دون أن يعطيها شيئاً من اهتمامه رغم اهتمام الآلاف بالحفاظ على استمراريتها.

أما ثورة الإمام الحسين(ع) فقد بقيت واستمرت وازدهرت وازدادت وضوحاً وجلاءاً يوماً بعد يوم رغم كثرة العاملين على سحقها وتدمير أركانها وهذا يؤكد لنا صحة ما قام به أبو عبد الله(ع) في أرض كربلاء وأن ما فعله إنما كان لله وما كان لله ينمو وما كان لغير الله يزول مع الزمن كما زال الأمويون بعد ارتكابهم تلك الجريمة البشعة في حق أهل البيت(ع).

وهذا ما يؤكد معتقدنا بالحسين وثورته وأنها كانت ثورة خالصة لوجه الله الكريم وذلك على قاعدة: ما كان لله ينمو:

وعندما نتصفح التاريخ نجد فيه الكثير من الأحداث والوقائع والحروب والمواقف والخلافات والإتفاقيات والمعاهدات والمصالحات، بعضها يستحق التأمل لأنه مورد فائدة للقارئ، وبعضها الآخر مَضيعة للوقت  بسبب خلوه من الفائدة وتجرده عن القيمة العلمية أو التاريخية أو الدينية أو حتى الإنسانية والإجتماعية، ومع التأمل البسيط في بعض الأحداث التي شهدها البشر عبر تاريخهم نجد في تدوينها شيئاً من المبالغة التي صوّرها المؤرخ على مزاجه وبحسب فهمه أو بحسب عقيدته أو انتماءاته السياسية والمذهبية فيقدمها للناس على أنها محطة جديرة بالإهتمام ومملوءة بالمنافع بل يقدمها لهم على أنها مدرسة يستفيد منها الأجيال، وهو باتباعه لهذا السلوك وباستعماله لتلك الطريقة عبر هذا المنطلق المتزلزل من الأساس يُحدث خللاً في موازين التأريخ ومعايير التدوين المتفق عليها بين أهل الشرق والغرب.

فلكي يكون المؤرخ مصدر ثقة للآخرين يجب عليه أن يتمتع بحرية الضمير ونظافة القلم وأن يكون حائزاً على شهادة التجرد في تأريخه للوقائع وتدوينه للأحداث، أما إذا أمال الدفة لجهة خاصة من دون أن يكون لهذا الميل وجهٌ شرعي أو جهة منطقية فلا يكون حينئذٍ مؤرخاً موثوقاً بل إنه سوف يتحول بهذا الإنحراف في تصوير الأحداث وسرد الوقائع إلى طرف غير موثوق به، وإلى جهة لا يستفاد منها عند الجميع بل يستفيد منها من كان انحراف هذا المؤرخ منسجماً مع أهوائه وانتماءاته.

وبناءاً عليه فإننا نعتقد أن كثيراً من المؤرخين قديماً وحديثاً قد باعوا ضمائرهم للحكام والسلاطين وتحولوا إلى أدوات تحركها أيدي القيمين عليها كيفما شاءت.

وهذا ما حصل بالفعل لدى بعض المؤرخين الذين دفعهم تعصبهم الأعمى إلى تحريف الوقائع وتزوير الأحداث بغية اكتساب رضا الحكام ونيل الجوائز منهم، ومهما كانت الجوائز كبيرة فإنهم قد باعوا ضمائرهم بأثمان بخْسة لأن الكلمة الحرة لا تُقدّر بثمن والضمير الحر لا يُشترى بالمال والكنوز.

لقد تحوّل أكثر المؤرخين تجاه واقعة كربلاء إلى أعوان للظلم ووسائل إعلام لجهات الشر والجور، وقد ادعى بعضهم بأنه كان خائفاً على نفسه من جور الحاكم فكتب ما يرضي الحاكم ونسي الحَكَم الأكبر الذي إليه يرجع الأمر كله، فخوفه على نفسه أو على جيبه أو على معيشته أو على مكانته بين الناس دفعه إلى قتل الأمم والأخلاق والمبادئ وبيع الضمائر والنفوس فجعل الجزار مظلوماً والمظلوم معتدياً ووضع الشيطان في منزلة الرحمن بتلك الحجج الواهية التي يقدمها.

ففي عهد يزيد بن معاوية ومن أتى بعده من خلفاء الجور كان السلاح الأقوى  الإعلام المحرَّف والدعايات الكاذبة والأضاليل الكبرى التي بثها أعوان الظالمين بين أفراد الأمة كيلا يثور الناس عليهم عقب تلك الجريمة التي ارتكبوها في حق الرسالات السماوية بل في حق الإنسانية، ولهذا نجد بأن كثيراً من الناس قد وجّهوا السب والشتم لموكب السبايا نتيجةً لتلك الأكاذيب المختلقة التي خلّفت وراءها الويلات للأمة والتشتت الفكري والعقائدي والتبعاد عن الأخلاق والإنسانية بل عن الدين الحنيف.

وأمام هذا الواقع المرير والسلوك الخطير لا يسعنا سوى أن نكون منتبهين وواعين ومتأملين كيلا تمر على أذهاننا أكذوبة نخسر بها ديننا خصوصاً وأن هذه الأكاذيب تطال العمق من تاريخنا المشرق وديننا الحنيف، فعندما يكذب الإنسان في حادثة تخص الإسلام وتعني كل الأمة معنى ذلك أن الأمر خطير للغاية لا يُسكَت عنه بل لا يجوز السكوت عنه، لأننا إذا جلسنا مكتوفي الأيدي تجاه هذا الطعن بثوابتنا ومعتقداتنا وعظمائنا فهذا يعني أننا تخلينا عن تلك القيم والمبادئ ورضينا بما يفعله هؤلاء المجرمون بحق الإسلام وبحق الأمة بل بحق الإنسان لأن ما قام به قائدنا الحسين(ع) في ساحة كربلاء لم يكن منحصراً في بني هاشم أو آل أبي طالب أو حتى بأهل العراق وإنما كان من أجل الأمة بالدرجة الأولى ومن أجل البشرية بالدرجة الثانية.

فعندما يُكذَب على ديننا وأئمتنا ولا نُبرز الحقيقة ولا نقف في وجه الكاذب معنى ذلك أننا لم نقتد بالحسين الذي ثار من أجل أن يُظهر الحقيقة للجميع ويضع النقاط على الحروف ويزلزل صورة الحكام الظالمين في نظر الناس ويكشف تلك الأقنعة المزيفة عن وجوه الذي استعملوا الإسلام مطية لأغراضٍ شخصية لا يعود نفعها إلا إلى الأشخاص، ومن هنا يظهر الفرق بين نوايا الطرفين في العاشر من المحرم فنوايا الطرف اليزيدي كانت محدودة بأطر شخصية ومنحصرة في مصالح الحكام المتغطرسين، أما نوايا الطرف الحسيني فلقد كانت نزيهة ونظيفة لأن الحسين ومن كان معه قاتلوا من أجل المصلحة العامة للأمة بما هي أمة مسلمة.

وهذا ما يؤكد لنا أحد أبرز الأهداف الحسينية وهي إصلاح ما فسد من أمور الدين الذي كان الهم الأكبر لدى الإمام الحسين(ع) وما يزيدنا يقيناً وتأكيداً هو أن الحسين قاتل وهو يعلم بأنه مقتول من دون شك، وعندما نعلم بأن الإنسان يريد أن يضحي بنفسه ندرك صدقه ونزاهته وندرك أيضاً عظمة الأمر الذي بذل روحه من أجله، وما كان أثمن من روح الحسين في نظره هو الإسلام والمسلمون.

ولذا كان الدفاع عن تاريخ هذا القائد وأحداث ثورته المباركة مسؤولية شرعية في عنق كل مسلم، وكل مسلم يقف موقف المتفرج أو كل مسلم يُضمر ذرة من البغض لإنسان كان سبباً في بقاء الإسلام فهو عند الله ليس من المسلمين فكيف تدعي أنك مسلم وأنت تعادي رمز الإسلام وسبب بقائه…

إن الحفاظ على عاشوراء ليس منحصراً في طائفة واحدة بل هو واجب كل إنسان لأن الجميع من دون استثناء استفادوا من عاشوراء.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى