الفكر الكربلائي

لماذا قام الحسين(ع) بثورة عسكرية

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

لماذا قام الحسين(ع) بثورة عسكرية

 

لكل حدث في هذا الوجود صورٌ خاصة وطرقٌ محدَّدة وأساليب معيَّنة وخصال وصفات وأسباب تميزه عن غيره من الأحداث وتعطيه رقمه المناسب وحجمه الطبيعي وحقَّه الذي يستحقه في سجلات هذا التاريخ الذي امتلأت صفحاته بالأحداث والحوادث إذ قلَّ ما يمر يوم على البشرية وهو خال من عشرات الأحداث والمواقف.

ولكل حدث هيكلية خاصة تنتج عن مضامينه ومحاور تتعلق بشأنه العام وظرفٌ زمني وظرف مكاني، ولا يوجد حدث من دون سبب أو هدف أو خلفية بغض النظر عن نزاهتها أو قبحها.

ولكل مُحدثٍ لهذا الحدث أهدافه الخاصة به سواء ائتلفت نظرات الآخرين مع نظرته أو اختلفت معها بدءاً من المحْدِث الأول للكون سبحانه وتعالى ووصولاً إلى أصغر مخلوقاته من جميع الأصناف.

وللناس تجاه الأحداث رغم تنوعها وتعددها واختلاف أسبابها وهويات شخصياتها نظرات عديدة وآراء كثيرة تختلف باختلاف مضمون الحدث أو باختلاف الطبائع والأفهام حيث كان وما زال لكل إنسان رأيه الخاص تجاه الأمور حوله، يمكن أن يكون رأيه صائباً أو خائباً، المهم هو أن كل إنسان أو كل مجموعة من الناس آراؤها تجاه الأحداث ولا يمكن لأي أحد أن يمنع أي واحد أو أية مجموعة من إبداء آرائهم، فإذا حصل ذلك كان هناك خلل في قانون الحرية حيث كان وما زال هناك العديد من الحكام المتسلطين يفرضون آراءهم وقراراتهم على الشعوب ولا يسمحون لأحد بأن يعبر عن رأيه وإن كان رأيه أصوب من آرائهم، وعلى كل حال فإن هذه هي الحالة المسيطرة على الكرة الأرضية لا يمكن أن تتغير أو تتبدل إلا بمعجزة من الله تعالى أو بظهور صاحب الأمر والزمان الذي سوف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

فللناس تجاه الأحداث آراء كثيرة، منها ما هو منطقي مقبول، ومنها ما هو عشوائي مرفوض لأنه صدر نتيجة للتقصير في بعض المقدمات المنطقية السليمة أو نتيجةً لخطأ في دراسة الواقع وتحليل الموضوع وفهم المضمون، أو لعدم وجود الأدلة الكافية، ولكن أغلبية الآراء قامت على الحقد والتعصب الأعمى والتي يراد بها الطعن في نزاهة بعض الأحداث أو الأشخاص لسبب عقائدي أو سياسي أو عرقي، وعلى كل حال فإنهم مهما حاولوا أن يغيروا في الواقع فإن الحقيقة سوف تظهر وذلك عندما يذوب الثلح ويظهر المرج، ولقد أحسن من قال: إن الحقيقة لا تخفى على أحد:

والمؤسف في الأمر هو أننا قلَّ ما نجد نظرات حكيمةً قامت على عماد من التجرد والوعي والمنطق السليم، ولكن الأرض لم تخلُ بعدُ من أصحاب الضمائر الحية والقلوب النيّرة، والقليل خير من الحرمان.

وفي رأينا أن نظرة واحدة حكيمة ومنطقية نستطيع أن نواجه بها كل خلل في النظرات الأخرى، ونستطيع أن نبني بها ما تهدم بسبب تلك النظرات الحاقدة والهدامة والتي كان الهدف من إنشائها مواجهة الحق وزعزعة ثوابته وزلزلة المعتقد الصحيح في قلوب أهله، والذي يزرع السكينة في قلوبنا ونطمئن به هو أن الحق كان وما زال أقوى من الباطل فلم يحكي التاريخ يوماً أن الباطل استمر وتمكن بل كانت كل النهايات لمصلحة الحق وأهله، وهذا ما اقتضته المشيئة الإلهية الدائمة للحق والعاملين به، وهذا ما ذكره لنا القرآن الكريم في سورة الأنبياء حيث قال تعالى في هذا الشأن(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)

ثم ذكر القرآن لنا مثلاً بليغاً وصف فيه حالتي الحق والباطل فقال سبحانه في سورة الرعد(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ)

هذه مقدمة يمكن الإنتفاع بها في البحث الذي أريد الخوض فيه وما قلت ما قلته إلا لأجل إيضاح فكرة تتعلق بحدث الثورة الكربلائية التي شَغَلت حيزاً كبيراً في صفحات التاريخ وعقول أكثر المفكرين والباحثين والمؤرخين.

لقد تحدث التاريخ عن ثورة كربلاء الشهيرة التي باتت أحد أبرز أنواره، وقد اهتم بنقلها العديد من المؤرخين على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم وذلك مع اختلاف في الروايات، وهذا الإختلاف الواضح في نقل وقائعها له عدة أسباب سوف أذكرها بكل تجرد ووضوح ومحبة بعيداً عن التجريح وإن حاول البعض أن يفسر كلامنا بهذا المعنى.

السبب الأول: إعتمادهم على رواة غير موثوقين وهم يشكّلون العدد الأكبر من بين الرواة حيث كان أكثرهم مأجورين للحكام الذين حاولوا تزوير الحقائق وتجيير الأمور إلى مصالحهم كمعاوية الذي كان يطلب من بعض الرواة تحريف كلام الرسول الوارد في حق الإمام علي ونسفه من أساسه، وهذا ما زاد في الأمر تعقيداً بحيث أصبح من الصعب جداً أن نصل إلى الرواية الحقيقة إلا بعد جهد كبير واستعمال المعايير والقواعد اللازمة، فعلى المؤرخ الحر أن يسعى قبل نقل الرواية إلى دراسة التراجم الخاصة بالرواة كيلا يقع في المحظور الذي سبقه عليه الآلاف من المؤرخين الذين كانوا عبرة لمن يعتبر.

السبب الثاني: إعتمادهم على ثقاة لم تكتمل الصورة عندهم، فلا يكفي الإعتماد على ما نقله واحد منهم إذ أن احتمال الخطأ في الواحد ممكن، ومن هنا اعتمدوا على الشهرة والتواتر حيث لا يمكن تواطئ الجميع على الكذب.

السبب الثالث: البغض للحسين(ع) فإن بغض الكثيرين منهم لهذا الشخص العظيم دفعهم إلا إخفاء الحقائق واللعب بالعبارات بهدف التشكيك، وكان أبرز وسيلة لنشر الأفكار الخاطئة ولترويج تلك الدعايات الكاذبة التي كان مؤسسها في ذلك العهد يزيد بن معاوية.

السبب الرابع: الغلو الذي يدعو إلى محاربة الوضع بالوضع وإلى تطهير النجاسة بما هو أنجس منها، وهنا ينبغي على الراد أن يكون محيطاً بكل التفاصيل لا أن يحسب نفسه مكتفياً فإنه فوق كل ذي علم عليم، فالأمر في غاية الخطورة، ولا يمكن الإعتماد على مجرد حبك للحسين فإن هذه اللغة لا يتعاطى بها كثير من الناس، ينبغي أن تتعمق في دراسة السيرة بأدق تفاصيلها حتى تصبح واحداً من مثبتي الحق والمدافعين عنه بالأساليب المنطقية العامة المستعمَلة لدى أهل الفكر.

وهنا يأتي السؤال الأهم حول قيام الإمام الحسين بتلك الثورة، فلماذا فضَّل المنطق العسكري على منطق الحوار، ولماذا استبدل الثورة السلمية بالثورة العسكرية رغم علمه بقلة المناصرين له؟

وفي الحقيقة فإن هذا السؤال يُعتبر من الأسئلة الحساسة في المقام، ولذا يجب على المتصدي للإجابة عليه أن يكون حكيماً في أفكاره ودقيقاً في عباراته ومحيطاً بجميع تفاصيل تلك الثورة منذ البداية وحتى النهاية، وبالإضافة إلى ذلك كله يجب أن يتحلى المجيب بأسلوب مقنع بعيداً عن التشنجات والمنفرات كيلا يتحول نقاشه العلمي الموضوعي إلى معركة لسانية قد تتحول إلى معركة يدوية ثم إلى ما لا نهاية.

ولتوضيح هذا السؤال قبل الإجابة عليه ينبغي تحليله إلى ثلاثة أسئلة تكوّن بمجموعها فحوى السؤال المطروح كما تكوّن الإجابة عليها جواباً واضحاً لهذا السؤال.

السؤال الأول: هل قام الحسين بثورة عسكرية بدافع الإنتقام؟

السؤال الثاني: هل قام بها من أجل الدفاع عن النفس والولد؟

السؤال الثالث: هل قام بها من أجل استرجاع الخلافة؟

بالنسبة للسؤال الأول فإننا لا نعتقد بأن الإمام المعصوم يتحرك بدافع الإنتقام مهما كان وقع الحدث أو وقع الظلم عليه أليماً وشديداً، وتاريخ أئمتنا في هذا المجال أكبر شاهد على صفحهم عن الظالم، وأعظم دليل هو ما صنعه الإمام علي(ع) بقاتله عبد الرحمن بن ملجم بعد أن ضربه على هامته رفض أن يؤذيه أحد بل احتجزه وأوصى ولده الحسن بأن يقتص منه القصاص الشرعي في حال الوفاة أما إن بقي الإمام على قيد الحياة فإنه لا شك كان سوف يعفو عنه كما عفا عن كثيرين، وقد نهاهم الإمام عن تعذيبه أو التمثيل به بل أمرهم بأن يضربوه ضربة مقابل ضربته كيلا يغير نظام الشريعة، وقد تردد هذا الموقف كثيراً من عهد الرسول وإلى عهد آخر الأئمة.

وهذا يكشف بكل وضوح عن كون الإمام الحسين لم يقم بما قام انتقاماً منه ليزيد وهو يعرف انه لن يصل إلى يزيد الذي كان محصناً بالجنود الأشداء، ثم إن الظروف التي أحاطت بمعركة كربلاء قبلها وعندها تكشف عن كون المبادر بالمنطق العسكري هو الطرف اليزيدي وليس الإمام الحسين، فصاحب نية القتل هو الذي يتعاطى بأسلوب الإنتقام وليس صاحب نية الخير، ثم أن كل التفاصيل التي حدثت على أرض المعركة كانت تشير إلى هوية المنتقم، فليس المنتقم من قال أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، بل المنتقم هو الذي قال للحسين في ساحة المعركة: إنما نقاتلك بغضاً منا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين.

وأما بالنسبة للسؤال الثاني: فإن الحسين(ع) دافع عن نفسه وأولاده وأصحابه لأن هذا واجب شرعي وهو أولى من غيره في تطبيق الأحكام الإلهية، ولكن ليس هذا جوهر المعركة، فهناك فرق كبير بين الدفاع عن النفس والدفاع عن المبدأ والأمة والرسالة السماوية لأن أساليب الدفاع تختلف بين هذا وذاك فقد تدافع عن نفسك بعقد معاهدة أو وسيلة سلمية، أما الدفاع عن المبدأ فلا يحتمل التنازلات ولأجل ذلك لم يقدم لهم الحسين أي نوع من أنواع التنازل رغم أنهم قتلوا كل أولاده وأصحابه، وهذا يكشف لنا عن كون الأمر ليس دفاعاً عن النفس لأن الدفاع عن النفس لا يتم بهذه الطريقة، فكيف نقول بأن النية هي الدفاع عن النفس وقد قتلوا كل أولاده فأية قيمة بعد هذا للدفاع عن النفس، أترك هذا الأمر برسم القلوب السليمة والعقول النيرة فهي التي تحكم ما إذا كان الموضوع دفاعاً عن النفس أو دفاعاً عن العقيدة، وكل ما صدر عن الحسين قبل المعركة وعند نشوب الحرب إنما كان يدل على كونه دفاعاً عن الإسلام وليس عن النفس، فالدفاع عن النفس لا يستوجب بذل النفس بل الدفاع عن الدين يستوجب ذلك.

وأما بالنسبة للسؤال الثالث: فإن الحسين(ع) قام بالثورة ليس من أجل استرجاع الخلافة وإن كان هذا الهدف سامياً ونزيهاً وإنما قام بها من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل، وموضوع إرجاع الخلافة إلى مكانها الطبيعي هو من جملة الحق الذي عمل على تثبيته وإن كان يعلم بأنه لن يمكث على كرسي الخلافة لحظة حيث سوف يُقتل من أجل إرجاع الحق إلى أهله، فالذين أذاعوا الخبر بطريقة معادية وصوروا بأن الحسين(ع) طامع بالخلافة هم واهنون لأن كل القرائن تشير إلى كون الحسين(ع) كان يعمل من أجل جميع قضايا الأمة وفي مقدمتها موضوع استرجاع الخلافة إلى مكانها الطبيعي لأن السكوت من قبل الحسين عن هذا الأمر قد يوحي للبعض برضاه عن الوضع الذي كان قائماً ونحن وأنتم تعلمون بأن الحسين إنما قام بتلك الثورة لأنه لم يكن راضياً عن كل ما يجري حوله على الساحة الإسلامية فإنه كان يرى كيف أن يزيد يستبيح كل شيء لنفسه ولأعوانه من الأموال والأعراض وغير ذلك….

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى