منوعات تاريخية

نَقْضُهُمْ لِلْعُهُودِ مَعَ الرسُوْل(ص)

أسرار الخُطبَة الفَدَكيَة

 

نَقْضُهُمْ لِلْعُهُودِ مَعَ الرسُوْل(ص)

 

فيا عجباً لسرعان نقضهم العهود التي قطعوها مع الرسول من قبل، ويا عجباً لنسيانهم الرسول الذي لم يمض بعد على وفاته ثلاثة أشهر، فقد أنساهم الطمع نبيهم الذي عانى الأمرين من أجلهم ودفع كل حياته ثمناً من أجل أن يجعلهم بشراً مؤمنين، فلم يحفظوا رسولهم فيما أوصاهم به، ولم يصنعوا مع آله خيراً، وإنما تحولوا إلى حيوانات مفترسة ونار تأكل الأخضر واليابس، وهم الذين سمعوا رسول الله مراراً يقول لهم: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي: موضحاً لهم أنهما يشكلان للأمة الصراط القويم بعده، ولكون آله(ع) هم العالمون بالقرآن الكريم والعاملون به والمحافظون عليه والحريصون على أن يسلك الناس نهجه ويستنيروا بهديه.

وقد أكد رسول الله في وصاياه على حفظ الزهراء مبيناً لهم موقعها عند الله تبارك وتعالى، وأنها الدليل على الله والجنة، وأنه(ص) كان كلما اشتاق إلى رائحة الجنة شم ابنته فاطمة(ع) وأنه من آذاها فقد آذى الرسول ومن آذى الرسول فقد آذى الله، وليس ذلك إلا لأجل كرامة الزهراء عند الخالق القدير ومنزلتها السامية عنده، وأنها نور من نور ربها، وأنها موضع عجب الملائكة الذين كانوا يتبركون بها وبذكرها، ويأنسون بإزهار السماء عندما كانت تقوم إلى محرابها للصلاة، فلقد كانت تزهر السماء وتشع فيها أنوار فاطمة.

لقد طال ما أوصاهم النبي بها ليلقي الحجة عليهم لأنه كان يعلم ما سوف يجري على ابنته من بعده، وهو الرحمة الكبرى للعالمين، وهو الذي وصفه الله تعالى بقوله(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ولكن ومع الأسف لم يفلح كثير منهم، ولم يتبع الرسول سوى قلة قليلة تكاد لا تتجاوز عدد أصابع اليد، فاقتحموا الدار المباركة وخذلوا رسول الله الذي كانت الزهراء روحه التي بين جنبيه، فقد كانت روحه حاضرة عندما اقتحم الناس دارها وكأنهم يقتحمون موقعاً عسكرياً معادياً من دون رحمة ولا شفقة ولا خوف من الله تعالى، وهم يدركون تماماً بأنهم في اقتحامهم المشؤوم يرتكبون معصية من كبائر المعاصي التي يستحق فاعلها عليها النار الكبرى بل الدرك الأسفل من النار.

لقد قست قلوبهم فكانت كالحجارة أو أشد قسوة منها، وقد كانوا ألعن من اليهود الذين كذبوا الآيات وأنكروا الدلائل والمعجزات، وهؤلاء أيضاً أنكروا الآيات بطريقة جنونية وشيطانية لم يسبقهم عليها أحد من الناس قبلهم، فلقد كانت الزهراء بينهم آية ومعجزة، ورغم ذلك فلقد تجرؤوا على تلك المعجزة الكبرى وآذوها فكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها وهتكوا حرمتها من دون شفقة ورحمة.

لقد أصبحوا بذلك أبرز عناوين الظلم والجور، وأقرب مصداق من مصاديق الخيانة والإرتداد عن الحق، فلقد تركوا كل الظالمين الذين كانوا يشكلون خطراً فعلياً على الإسلام والأمة الإسلامية فتجاهلوا خطرهم وسمحوا لهم بالعيش بينهم وتحولوا جميعهم إلى دار الطهر والنزاهة والأخلاق الحسنة والصفات الكريمة ليقتلوا كل خير بقتل صاحبة الدار(ع).

وأعظم وصف لتلك الجريمة البشعة هي أنني لا أستطيع أن أصف ما صنعه القوم في حق الزهراء البتول، ونفس عجزي عن البيان أعتبره أبلغ من أي وصف آخر.

وأنا أسأل هؤلاء ومن رضي بظلمهم، ألم تفكروا في تلك اللحظات كيف كان شعور رسول الله تجاهكم؟

ألم تفكروا في شدة الغضب الإلهي عليكم وأنتم تضربون تلك الآية العظيمة التي ببركتها وجدت السماء والأرض وما فيهن وما فوقهن وما تحتهن؟

ألم تفكروا في نوعية العذر الذي سوف تعتذرون به لله عندما يسألكم عن تلك الجريمة؟

ألم تعلموا أن النار موعدكم وأن الغضب الإلهي بانتظاركم؟

لم يفكروا في شيء لأنهم أصبحوا عبيداً مخلصين للشيطان الرجيم لا يخرجون عن دائرة أوامره.

وهنا أسألهم مرة أخرى فأقول: ماذا صنعت الزهراء لكم حتى تنزلوا بها هذا العقاب الوحشي؟ إنها لم تصنع معكم سوى الجميل، ولم ترد لكم سوى الخير، ولم تفكر يوماً في إيذائكم، بل إنها لم تدعو عليكم، إذ أنها لو توجهت لحظتها بالدعاء لما ترك الله منهم على الأرض أحداً، ولكنها لم تدع عليهم علهم يرجعون إلى الصواب ويتخلون عن الغي والضلال.

لقد شاءت إرادة الله تعالى أن تسكت الزهراء وتصبرعليهم حتى ينكشف للعالم كله حقيقة أولئك المتسترين بثوب الإسلام  كيلا ينخدع الناس بهم فلا يبقى بعد ذلك للدين أي أثر.

لقد سكتت الزهراء عن الدعاء عليهم فقط، ولكنها لم تسكت عن بيان الحق، بل تكلمت أمام الجميع حتى لا يصبح أولئك الظالمون أبطالاً إسلاميين عبر التاريخ، لأن كلماتها تلك أوضحت الحقيقة للناس وكشفت لهم عن نوايا القوم تجاه الإسلام والمسلمين.

ورغم وضوح الحقيقة وجلاء صورة الموقف ما زال بعض الناس حتى اليوم يعتبرون ما صُنع بالزهراء عملاً بطولياً، وليس ذلك إلا نتيجة للتعصب الأعمى الذي هلك به ملايين الناس عبر الزمن.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى