
بعضُ عِلَلِ الفَرَائِض
وبعد أن ذكّرتهم الزهراء بربهم ونبيهم وخليفتهم وقرآنهم راحت تبيّن لهم فلسفة أحكام الدين لتتم الحجة عليهم عبر الإحاطة بهذه المفاهيم كيلا يبقى لهم عذر أمام الله والأمة والتاريخ، فقالت(ع) (فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك)
لقد أراد الله لعباده كل الخير، حيث خلقهم ليرحمهم بشرط أن يؤمنوا به ويعملوا صالحاً، ففرض عليهم الإيمان لينزههم من الشرك وما يتعلق به، والإيمان به ليس له، بل هو للمؤمن المستفيد من الإيمان.
وقالت(ع) (والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر)
والصلاة كما تعلمون هي عمود الدين، وهي من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وذلك إذا كانت الصلاة لله تعالى، أما إذا كانت لغير الله فلن تعود بالنفع على مصليها، وكثير من الناس أصبحت الصلاة عندهم عادة لا يستطيعون التخلي عنها، وقد ورد في الحديث بأنه كم من مصل ليس له من صلاته سوى التعب، وقد فرض الله علينا هذه العبادة لينزهنا بها عن التكبر الذي يعقبه النار، فمن تواضع لله وعباده فقد خلّص نفسه من رواسب التكبر الذي يعتبر من الصفات الذميمة.
وقالت(ع) (والزكاة تزكيةً للنفس ونماءً في الرزق)
إن الزكاة تزيد في رزق صاحبها، وتعوِّده على الإيثار في سبيل رضا الله تبارك وتعالى، فلا ينبغي للمرء أن يبخل فيما يَعُود عليه نفعه، فالذي يُخرج الحقوق الشرعية من ماله لا يكون خاسراً بل هو الرابح على مستوى الدنيا والآخرة لأن الزكاة تزيد في الرزق وتنميه وتعود بالأجر الكبير والثواب العظيم على المزكي في يوم الحساب.
وقالت(ع) (والصيام تثبيتاً للإخلاص)
إنك أيها الإنسان تدعي الإيمان وتدعي بأنك تطيع الله وتتحمل المشاق في سبيله، فقد فرض الله الصيام ليعلم الصادق من الكاذب، وهو العالم بالشيء قبل حدوثه، فأنت من خلال تحملك للجوع والعطش خوفاً من الله ورجاءاً في ثوابه تثبّت إخلاصك له، ونفس الصوم يساعدك على أن تكون مخلصاً في جميع الموارد.
وقالت(ع) (والحج تشييداً للدين)
فقد جعل الله البيت الحرام قياماً للناس، وبه يشاد الدين ويقوى ساعده.
وقالت (والعدل تنسيقاً للقلوب)
فلا يوجد أجمل من العدل، لأن به الألفة والمحبة والرضا، ولا يتخاصم مع العدل إلا من كان جائراً كأولئك الذين رفضوا العدل واستحبوا الجور في زمن سيدة النساء التي نالت نصيباً وافراً من ظلمهم.
وقالت(ع) (وطاعتنا نظاماً للملّة)
وهو يعني أن موالاة أهل البيت هي الوسيلة الوحيدة لسير الأمة في الطريق الصحيح لأنهم رسموا لها طريقاً واضحاً لا ظلام فيه ولا شبهات ولا أوهام، فأوله ظاهر وآخره بيّن، وهو الطريق الذي يوصلنا إلى الرضا والرضوان والسعادة الأبدية، غير أن كثيراً من المسلمين لم يسلكوا هذا النهج فوقعوا في المحذور الذي يعقبه شقاء ليس بعده شقاء.
وقالت(ع) (وإمامتنا أماناً للفرقة)
فهم الذين نصّبهم الله ليكونوا أئمة هدى للناس، ففرض علينا موالاتهم كيلا تحصل الفرقة في صفوف المسلمين، ولأن المسلمين أنكروا إمامتهم فلقد أصبحوا فرقاً كثيرة، هذا مع العلم بأن النبي(ص) قد أخبرهم بأن فرقة واحدة من تلك الفرق هي الناجية وهي التي عملت بوصاياه من بعده، وعلى رأس تلك الوصايا إتباع أهل بيته.
وقالت: (والجهاد عزّاً للإسلام)
فلا يمكن أن يكون الدين عزيزاً إلى إذا وجد من أتباعه من يدافع عنه بجميع الوسائل الممكنة، ونلاحظ بأن نشوء الإسلام واستمراره رغم كثرة أعدائه كان سببه الجهاد الذي فرضه الله تعالى على المسلمين، فلا ينبغي أن يكون المسلمون مكتوفي الأيدي وجالسين في بيوتهم وهم يريدون البقاء لأنفسهم ودينهم، فإن العزة لا تحصل بالرجاء والتمني وإنما تحصل بالجهاد.
وقالت: (والصبّر معونة على اسيجاب الأجر)
لأنه بالصبر ينال المرء مراده، وفيه أجر وثواب عظيمان، وقد بشّر الله الصابرين بالرحمة والجنة، لأنهم بالصبر أرجعوا أمرهم إلى الله تعالى، ولجؤوا به إليه، ومن لجأ إلى الله واتكل عليه كان الله معه.
وقد ورد في الصبر كلام كثير، منه في الكتاب ومنه في السنة، أما ما ورد في الكتاب العزيز فمنه قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وقوله عز وجل(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
وأما ما ورد في السنة المطهرة حول الصبر فمنه قول النبي(ص) :الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فمن لا صبر له لا إيمان له:
والزهراء(ع) هي القدوة لنا في إمكانية الصبر على الأذى، والتحمل في سبيل الله سبحانه وتعالى، فهي الصابرة المجاهدة والراضية المرضية.
وقالت(ع) : (والأمر بالمعروف مصلحة للعامة)
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو واجب شرعي على كل مسلم ومسلمة، فلا ينحصر برجال الدين والمبلغين فقط، وإنما هو عبادة عامة أوجبها الله عز وجل على الجميع، فإذا تعاملنا بهذه العبادة فقد حفظنا أنفسنا ومجتمعنا وأمتنا من الأخطار الشيطانية، وهذه هي أم المصالح لدى الإنسان المؤمن الذي يرجو الثواب ويخشى العقاب، ولم يكن وقوف الزهراء في ذلك الموقف إلا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ارتكبه المسلمون عندما هجموا عليها وأحرقوا دارها وغصبوا حقها، فهو عين المنكر الذي يستحق فاعله العقاب.
وقالت(ع): (وبرّ الوالدين وقاية من السخط)
لعلها(ع) تحاول أن تبيّن للناس أن الإسلام لم يترك أمراً من أمور الدين والدنيا إلا ووضع له أحكاماً خاصة وأنظمة محكمة، مشيرة إلى بعض أسباب تلك الفرائض والحكمة من ورائها، وإن البر بالوالدين واجب على كل ولد، وإن لم يكن الأبوان مؤمنين، وذلك احترام لحق الأبوة والأمومة، وقد قرن الله تعالى قبول الطاعات بالإحسان للوالدين حيث يقول(وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) أي أنه كما فرض عليكم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً فكذلك فرض عليكم البر بالوالدين حتى وإن لم يكونا مؤمنين(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وأنت ببرك لوالديك تؤمّن نفسك من سخط الله عليك فلو كنت زاهداً وعاملاً وصائماً وقائماً ولم تكن مرضياً لأبويك فلن تشم رائحة الجنة التي كان مفتاحها البر بالوالدين.
وقالت(ع): (وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد)
وصلة الأرحام عبادة فرضها الله علينا كما فرض علينا الصلاة والصوم والحج والجهاد، غير أن كثيراً من المسلمين لا يلتزمون بها رغم عظيم الأجر المترتب عليها، قال تعالى(وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وهذا هو الجانب السلبي لقطع صلة الرحم، فإذا لم يزر المرء أهله وأخوته والمؤمنين فقد وقع في خسارة كبرى لا تعوض، وصلة الأرحام لها آثار للدنيا وآثار للآخرة، أما آثارها في الدنيا فهو ما أشارت إليه الزهراء بقولها(وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد) أي أنها سبب في طول العمر وزيادة العدد، وأما في الآخرة فهو الثواب الأكبر، وقد ورد في الحديث أنه لا يكون المرء مؤمناً حتى يصل من قطعه:
وقالت: (والقصاص حقناً للدماء)
فكثير من الناس يتهمون الإسلام إتهمات باطلة وينظرون إليه نظرة شر من خلال القصاص الذي فرضه على المسيئين، ونفس هذا القصاص فيه رحمة للعباد لأن الإسلام لا يقاصص إلا المسيئ، فهو دين الحق والعدل، وهو يرفض الظلم ولو كان بمقدار ذرة، ولولا هذا القصاص لما حقنت الدماء، وكثير من الناس كانوا يتجنبون الجرائم خوفاً من القصاص، وهذا يعني أن لهذا الفرض منفعة للكل من دون استثناء حيث فرض الإسلام القصاص على الجاني من دون النظر إلى هوية المعتدى عليه.
وقالت(ع): (والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة)
إن الله تعالى ليس بحاجة إلينا وإلى نذورنا وعهودنا، ولكنه بسبب رحمته الواسعة فرض علينا أن نفي بالنذور لننال بذلك رحمته في الدنيا والآخرة.
وقالت: (وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس)
لقد كانت الحياة الإقتصادية قبل المبعث النبوي الشريف رديئة بسبب الغش والربا وأكل الأموال بطرق غير مشروعة، فلقد كان كثير من الناس يبخسون الناس أشياءهم، إلى أن جاء الإسلام وحرّم هذا السلوك بشدة، بل واجهه بكل ما أوتي من قوة، وذلك من باب إصلاح المجتمع الذي كان منحطاً ومتدهوراً، فلقد كان الكبير فيه يأكل الصغير، والغني فيه يظلم الفقير، إلى أن أتى الرسول بالحق صادعاً بأمره تعالى(فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
وقالت(ع): (والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس)
لقد أراد سبحانه أن ينزهنا عن باقي المخلوقات فحرم علينا شرب الخمر الذي يضر بالنفس والعقل قبل أن يضر بالجسد، والشيطان الرجيم يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا عن طريق شرب الخمر الذي يزيل العقل ويجعل الإنسان بمستوى الحيوان، فإذا أراد الإنسان لنفسه الذل والإنحطاط فالأمر يرجع إليه، ولكن عاقبة أمره سوف تكون وخيمة، ولقد حذرنا تعالى من وسوسة الشيطان حول هذا الأمر فقال(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)
وقالت(ع): (واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية)
وهذه الأمور باتت من أوضح الواضحات للقاصي والداني فلا حاجة إلى الإطالة حولها.
الشيخ علي فقيه


