
خَصَائِصُ لِرَسُولِ اللهِ مُحَمدٍ(ص)
بعد شهادة أن لا إله إلا الله شهدت الزهراء برسالة أبيها من باب تذكير المسلمين بهذا الشخص الذي يذكرونه في صلواتهم وأذكارهم وجلساتهم العامة والخاصة فهو أبي وهو الذي قال ما قال وفعل ما فعل…
ولا تخفى بلاغة هذه العبارات وفصاحتها على أحد، فهي تخبر عن جوهر عظيم، وتدل على كون مطلقها غايةً في العظمة، حيث لا يرشح الجميل إلا من الجميل، ولا يصدر الحسن إلا عن المحسن، وسيدتنا الزهراء(ع) هي أعرف من أن تُعرّف، وأوضح من أن يُدَلَّ عليها أو يشار إليها بإصبع التعظيم والإكبار، فهي المرأة الأعلى شأناً والأرفع مقاماً من بين نساء العالم، وهي التي جعلها ربها في أرفع المستويات من العظمة لأنها تستحق هذا المنصب بجدارة، وليس ذلك منصباً فخرياً أو وساماً يوضع على الصدور بل هو استحقاق يَثبت للعامل والصادق والمخلص لله تبارك وتعالى، ولا شك بأن كلماتنا عاجزة عن التعبير وألسنتنا قاصرة عن بيان الحقيقة إذ كيف نصف شخصاً حارت به العقول ونال المدح والثناء من الله القدير وباهى به ملائكته.
وأنا أعتبر أن أعظم وصف لسيدة النساء(ع) هو عدم قدرتنا على وصفها نظراً لعلو شأنها وسمو مقامها عند الله ورسوله والمؤمنين.
فكلامها غاية في العظمة وهو ذو أعماق لا يسهل نيلها إلا بالجد والإجتهاد وهو قمة في الفصاحة والبلاغة والأبعاد.
لقد شهدت الزهراء لأبيها بالرسالة كما شهدت لربها بالوحدانية، وهما يكوّنان كلمة التوحيد، فإذا شهد المرء لله بالوحدانية ولم يشهد للرسول بالرسالة كان إيمانه ناقصاً وهو بحكم العدم، حيث يجب الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه وبالجنة والنار والثواب والعقاب وبكل ما يجب الإيمان به.
ولا شك بأنها(ع) تلقي الحجة على السامعين وتبين لهم حجم الجريمة التي ارتكبوها في حق الرسول من خلال الإعتداء على ابنته البتول التي يؤذيه ما يؤذيها ويغضبه ما يغضبها، وكأنها (سلام الله عليها) تقول لهذا الجمع من المسلمين _وما أبعدهم عن الإسلام _ إن الرسالة التي تدّعون الحفاظ عليها أنا جزء منها، وأنا التي أوصاكم أبي بي خيراً، فلم تحفظوا الوصية ولم تحافظوا على الرسالة، وبهذا يتضح لنا أن ما ادعاه هؤلاء إنما هو كذبة كبرى كذبوا بها على أنفسهم قبل أن يكذبوا بها على ربهم وعلى الآخرين، وإذا كان ما يدعونه حقاً وصدقاً فإن المرجع لهم في الدين هي الزهراء العالمة بأحكام الله وتعاليم الدين الحنيف، والإعتداء عليها يكشف لنا عن نواياهم السيئة تجاه الإسلام.
فبعد الشهادة لأبيها بالرسالة راحت تصفه بأوصاف عظيمة هي في الواقع صفاته ومزاياه فقالت(إِخْتَاْرَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ) وهذا من جملة الأمور التي يجب الإعتقاد بها حول رسول الله(ص) الذي اختاره الله لحمل رسالة السماء قبل أن يرسله رحمة للعالمين، وهذا يؤكد نظريتنا في كون الرسول خلق نبياً ومعصوماً حيث اصطنعه الله لنفسه واختاره لحمل أثقال الأمانة وأعباء الرسالة التي لا يمكن لإنسان عادي أن يحملها ويتحمل عاقبتها، والكل يعرف بأن الرسول صبر على قومه وأذاهم وتكذيبهم وعنادهم حتى يحقق الهدف الأسمى من بعثه إليهم فكان أعظم صابر لأنه تحمل أنواعاً كثيرة من الأذى حتى قال : ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت:
إذاً.. (إِخْتَاْرَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمَّاْهُ قَبْلَ أَنْ اجْتَبَاْهُ) فقبل أن يخلق الله محمداً سماه، وكان جميع الأنبياء من أولهم وإلى عهد عيسى يعرفون محمداً بالإسم ويعلمون حجم المسؤولية التي سوف تلقى على عاتقه، وقد حدثنا القرآن عن عيسى أنه أمر الناس باتباع الرسول الذي يأتي من بعده واسمه أحمد، وهذا دليل على كونه تعالى سماه من الأزل وعلم أنبياءه إسمه.
ثم قالت(ع) (وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنْ ابْتَعَثَهُ) وهذا قريب من معنى اختياره قبل إرساله، فلقد خلق الله محمداً وآله قبل أن يخلق الخلق بآلاف السنين، وهذا ما صرّح به النبي(ص) في أكثر من موضع كقوله :خلقت وآدم بين الطين والماء: وغير ذلك من النصوص التي تؤكد هذا المعتقد.
فقد اصطفى الله محمداً(إِذْ الْخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُوْنَةٌ، وَبِسَتْرِ الأَهَاْوِيْلِ مَصُوْنَةٌ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُوْنَةٌ) لقد أخبرتنا الزهراء بأن الله تعالى اختار محمداً واصطفاه قبل أن يرسله للعالمين، ثم أشارت إلى الوقت الذي اختاره فيه وهو أثناء وجود الخلائق مكنونة في الغيب لم يظهر منها شيء بعد، فقبل أن يخلق الله الأرواح في الذر كانت معدومة وأثناء كونها معدومة خلق الله محمداً وآله من نور، ونهاية العدم هو العدم الكلي أي أنه لم يكن هناك مخلوق قبلهم.
فالعالَم كله بمسلميه ومسيحييه وأبيضه وأسوده وكبيره وصغيره عرف هذا النبي العظيم وسمعوا عنه الكثير وشاهدوا ثمار أعماله ونتاج جهاده وصبره وحكمته وشجاعته، وقرؤوا تاريخه المشرق وسيرته العطرة منذ الولادة وحتى الإلتحاق بالرفيق الأعلى سبحانه وتعالى، غير أن لهذا الرسول الأكرم حكاية قبل ولادته وحكاية بعد وفاته حيث كان له دور قبل وجوده في الحياة، وكذلك له الدور الأكبر في يوم الحساب لأنه هو الذي سوف يقود الصالحين إلى رحمة الله وجنته.
فكثير منهم عرفوا رسول الله ولكنهم عرفوه من جوانب محدودة وزوايا ضيقة، حيث عرفوا منه الشخص الأمين الذي اختاره ربه للنبوة، ولكنهم أهملوا أهم الجوانب الكاشفة عن جوهر هذا العظيم وحقيقته والتي ما زالت مجهولة لدى كثير من الناس بسبب القصور تارة والتقصير تارة أخرى.
وبمعنى آخر، لقد قرؤوا تاريخه بعد ولادته، وربما بعد مبعثه فقط، ولم يعيروا اهتماماً لتاريخه قبل الخروج إلى هذه الحياة وبعد الخروج من هذه الحياة حيث كان له دور منذ عالم الذر أو قبله وكذلك فإن له أدواراً كثيرة في يوم الحساب.
فقد خلق الله عز وجل محمداً وآله قبل أن يخلق الذر بفترة حددت في بعض الروايات بألفي عام، وفي بعضها بأكثر من ذلك وفي البعض الآخر بأقل، ونحن لا نتوقف على الفترة الزمنية بقدر ما نقف على كونهم أسبق الخلق في الوجود، فلو خلقوا قبل الخلق بساعة واحدة لكان ذلك شرفاً لهم من قِبل الله سبحانه وتعالى، فقد خلقهم الله تعالى أنواراً مشرقة كانت الأرواح في عالم الذر تنظر إلى تلك الأرواح المميزة نظرة خاصة، فلقد كانت روح النبي حاضرة مع جميع الأنبياء والرسل من عهد آدم، وقد توسل الأنبياء بهذا النور العظيم، وقد استجاب الله لهم بفضل هذا التوسل المبارك، وقد حفظ الله سفينة نوح نتيجة لتوسله بمحمد وآله، وما زالت تلك اللوحة المكتوب عليها أسماؤهم في عهد نوح موجودة في أعظم متاحف العالم.
والأحاديث القدسية تؤكد هذا المعتقد، حيث يقول سبحانه :وعزتي وجلالي ما خلقت سماءاً مبنية ولا أرضاً مدحية إلا لأجل هؤلاء: أي النبي وآله(ص).
وقول الزهراء(ع) أعظم دليل على صحة هذا المعتقد، وهو أن الله تعالى اختار محمداً وانتجبه واصطفاه قبل أن يكون هناك وجود للمخلوقات، وهو معنى قولها(إِذْ الْخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُوْنَةٌ، وَبِسَتْرِ الأَهَاْوِيْلِ مَصُوْنَةٌ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُوْنَةٌ)
وهذه من أخص الخصوصيات الخاصة بالنبي وآله، وهي من جملة المميزات لهم عن باقي الخلق بل من المعتقدات الثابتة التي يجب الإيمان بها.
الشيخ علي فقيه


