
فَضْلُ الإِمام علي بن أبي طالب(ع)
بعد أن ذكّرتهم الزهراء(ع) برسول الله(ص) وفضله عليهم وكونه السبب في نقلهم من المستوى الحياتي الوضيع إلى مستوى عال ورفيع بدأت تحدثهم عن زوجها علي بن أبي طالب(ع) الذي كان له الدور الأبرز في انتشار الدين وبقائه حيث كان المثل الأعلى في التضحية والفداء والجهاد والإيثار، ولولا ضربته لعمرو يوم الخندق لما كُتب للإسلام بقاء واستمرار حيث مثّل نزوله يومذاك نزول الإسلام كله إلى الكفر كله، وتقول الزهراء(ع) في حق ابن عمها علي(ع):
(كلّما أوقدوا ناراً للحرب أَطفأها الله ، أو نَجَمَ قَرْنُ الشيطان ، أو فَغَرَتْ فاغِرةٌ من المشركين قَذَفَ أخاهُ في لَهواتِها)
كان المشركون بين الفترة والفترة يشنون الغارات على المسلمين ليشعلوا نار الحرب، ولكنهم في كل مرة كانوا يتفاجؤون بوجود بطل عظيم استمد قوته من جهة غيبية حيث كان مصدر خوفهم الدائم ورعبهم المستمر، فلقد كان الله تعالى يطفئ نار الحرب على يد رسوله ووصيه سلام الله عليهما، وكذلك كلما نجم قرن للشيطان، أي كلما تحرك أتباع الشيطان ضد المسلمين، أو كلما فغرت فاغرة من الشركين، أي كلما انطلقت طائفة منهم للنيل من الإسلام والمسلمين قذف أخاه في لهواتها، أي أنه أرسل لهم أخاه ووصيه ووزيره علي بن أبي طالب ليقف في وجوه الظالمين، وقد ذكر المؤرخون بأنه عندما كانت تتكاثر كتائب المشركين كان النبي يقول لعلي يا علي رد هذه الكتيبة، ويا علي رد تلك الكتيبة، فكان ينزل بينهم فيفرقهم.
وقد وصفت الزهراء صنيع زوجها بالمشركين في الحروب والمعارك فقالت
(فلا يَنكَفِئ حَتّى يَطأَ جَناحَها بأَخْمصِه ، ويُخْمِدَ لَهَبَها بِسَيْفِه)
وفي رواية أخرى (حتى يطأ صماخها بأخمصه) أي حتى يكسر شوكتهم ويهزمهم ويطأهم تحت قدميه، وتاريخ علي(ع) أعظم شاهد على هذه البيانات، حيث اشتهر بين الجميع بالمواقف البطولية والتي كان أعظمها مبيته على فراش النبي ليلة الهجرة حيث كانت تلك عملية استشهادية نوعية نفذها أمير المؤمنين وكله شوق للقاء الله ونيل الشهادة في سبيله.
وتتابع الزهراء العظيمة ذكر أوصاف لزوجها الإمام الأكبر فتقول:
(مَكدوداً في ذاتِ الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله ، سيّداً في أولياء الله ، مشمِّراً ناصحاً ، مُجِدّاً كادِحاً ، لا تأخُذهُ في الله لومةُ لائم)
علي(ع) ذائب في حب الله عز وجل لأنه عرف الحقيقة وغاص في جميع مجالات المعرفة، حيث فتح له الرسول أبواب العلم ونوافذ المعرفة، فكان مشدوداً دائماً نحو الله، فلم يبرح قلبُه ذكرَ ربه، وهو السر في نجاحه وشجاعته ومواقفه التي ما شهد التاريخ لها مثيلاً من حيث المضمون النادر.
لقد كان علي مجتهداً في أمر الله، لم يَفْتُرْ لحظة عن طاعته وأداء حقه، ولم يكسل يوماً في العبادة رغم الظروف المريرة التي كانت تمر عليه، وإنما كان يعالج أمره بالرجوع إلى الله عز وجل، وقد كان صابراً على العبادة استجابة لأمر الله تعالى الذي يقول(فاعبده واصطبر لعبادته) وقد كان قريباً من رسول الله، ولا نعني بالقرب هنا قربه النسبي حيث لم ينطلق الرسول يوماً من منطلق النسب والقرابة، فهذا قريبه أبو جهل كان أعدى أعدائه لأنه كان عدواً لله عز وجل، وإنما كان علي قريباً من رسول الله نفسياً وروحياً وعقائدياً وفكرياً حتى أصبح كالنبي في الأفعال والخصال، ولعله السبب في تعبير القرآن عنه بنفس رسول الله في آية المباهلة حيث قال سبحانه(فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) وقد ذكر المفسرون بأن المقصود بقوله(أنفسنا) علي بن أبي طالب(ع).
علي لم يتخلى لحظة عن رسول الله في أحلك الظروف وأخطر الأوضاع وإنما لازمه واتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، ولم يتركه عند الوفاة كما فعل أصحاب المطامع عندما تجاهلوا موته وراحوا يقسمون التركة على أنفسهم.
وكان(ع) سيد أولياء الله وسيد الأوصياء، وكان ناصحاً للخلق ومجداً في العمل والجهاد والسهر على المصلحة العامة، وكان كما وصفته الزهراء :لا تأخذه في الله لومة لائم: أي أنه لا يقدم مصلحة الأفراد على المصالح العامة، ولم يبع دينه من أجل الأقارب والأصحاب، ولم يفرط في حقوق الناس كما صنع غيره ممن لم يكونوا أهلاً لتولي الحكم والسلطة.
فبينما كان علي يتحمل تلك الأعباء والمسؤوليات كان جميع المسلمين غير مبالين بما يحصل إذ كان همهم البقاء والعيش، وإن كان ذليلاً، وبدل أن يشكروا أهل البيت على جهودهم راحوا يتآمرون عليهم ويساعدون العدو على قتالهم ويفرون من القتال والجهاد خوفاً من الموت العزيز، وإلى ذلك أشارت الزهراء بقولها:
(وأنتم في رفاهيّة من العيش، وادِعون فاكِهون آمِنون ، تَتَربَّصوَن بِنا الدوائر وتَتَوكَّفونَ الأخبْارَ وتَنْكِصونَ عِنْدَ النِزالِ ، وتَفِرّونَ مِنَ القِتال)
أما قولها تتربصون بنا الدوائر، أي العواقب السيئة، وأما قولها،وتتوكفون الأخبار، يعني أنهم كانوا ينتظرون أخبار السوء بأهل البيت(ع).
الشيخ علي فقيه


