الفكر الكربلائي

المَعْرِفَةُ أَسَاسُ نَجَاحِ الثوْرَة

دُروسٌ منْ وَحي الثورة الحسينية

 

المَعْرِفَةُ

 أَسَاسُ نَجَاحِ الثوْرَة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين سيدنا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، وأصحابهم المنتجبين.

السلام عليك يا مولاي يا أبا عبد الله الحسين، وعلى أخيك أبي الفضل العباس.

 

قال الله تبارك وتعالى(خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) وقال(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)

لا يمكن للإنسان أن يبني حياته ويستمر في عيشه من غير عِلم، فلقد خلق الله الإنسان وجعله مفطوراً على حب المعرفة، بل جعل عبادة الناس له مرتبطة بالعِلم، فلا يمكن للمرء أن يعبد الله حق عبادته إلا عن طريق المعرفة التي دعا إليها رب العالمين في محكم كتابه، وحثّ عليها النبي وآله(ص) في الكثير من مواضع الوعظ والتوجيه.

لقد بيّن الله لنا هدفه من وراء إيجاد الحياة في هذه الدنيا حيث قال(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) ولعله سبحانه عبّر عن المعرفة بالعبادة لأنها من لوازم المعرفة إذ لا تصح العبادة من دونها، فعبّر القرآن عن الواقع بالنتيجة والأثر، ومن هنا كان الفرق بين عبادة العالِم وعبادة الجاهل.

ولا تنحصر منفعة المعرفة في العبادة بل إنها تتعدى لتتطال كل شيء في هذا الوجود لأن الحياة قامت على المعرفة وتطورت بها واستمرت بسببها، فلا يوجد عملٌ ولا حِرفة ولا مهنة إلا وهي قائمة بالعِلم.

نحن لنا عقيدتنا الخاصة والثابتة والصحيحة بالوجدان، ولم يتمكّن أحد حتى هذه اللحظة أن يُثبت ما تُشان به عقيدتنا أو ما يجعلها في دائرة الإتهام لأنها الطريق الذي رسمه رب العالمين على أيدي أنبيائه وأوصيائه، ولا يمكن لهذه العقيدة أن تتزلزل أو تزول، لأنها إذا زالت فقد زال الهدف الأساسي من هذا الوجود، وإذا زال الهدف من الوجود أصبح بطن الأرض خيراً لنا من ظهرها.

واعلموا أيها الكرام أنه مهما كانت العقيدة متينة عندنا وثابتة فينا فلا يعني ذلك أن نشعر بالإطمئنان الكامل تجاه حفظها من دخول الأغيار عليها، فلا بد أن تكون عقيدتنا جامعة ومانعة، ولا يمكن أن تكون كذلك إلا بالعمل الذي تكفّل بهذه المهمة، وإن أساس العمل الذي يضمن لنا حفظ عقيدتنا، وبالتالي وجودنا، هو المعرفة، فلا ينبغي أن ندير ظهورنا للشيطان وأعوانه، فالعقيدة تحتاج إلى رعاية وانتباه وحذر ودقة في التعاطي معها لكونها المادة الحساسة والشفافة في قلب حاملها، ولا يمكن لنا أن نحافظ عليها إلا عن طريق المعرفة التي هي الأساس في هذا الوجود.

نحن كمؤمنين بالله تعالى ورسوله وأهل بيت النبوة نستمد طاقاتنا الفكرية والعلمية والعقائدية والجهادية من الله تعالى ورسوله وأهل البيت(ص) وهم خير ملجأ وأهم مصدر لتلك الخصال التي إذا فقدها الإنسان لم يعد لوجوده في الحياة أي معنى.

ولذا يمكن القول بأن العقيدة هي المعرفة حيث يستحيل على العبد أن يتعبّد لخالقه إلا عن طريقها.

فلو رجع أمر حفظ الدين إلى الجاهلين به(أمثال خلفاء الباطل وأمراء الشر) لما بقي من هذه العقيدة سوى الإسم المجرد عن المضمون والفحوى، فيصبح الدين حينئذ هيكلاً فارغاً، لأنه إذا تجرد عن المعرفة فسوف يفقد قيمته التي هو عليها، بل التي هو متقوّم بها.

فعلى كل مَن يشعر بالمسؤولية تجاه عقيدته أن يبحث عن مسبِّبات حفظها ومصادر استمرارها، فإذا بحث بشكل صحيح فسوف يدرك بأن أهم أسباب حفظ الدين واستمراره هو المعرفة الخاصة بدينه، بمعنى أن يعرف كل شيء عن هذا الدين حتى يتسنى له الدفاع عنه إذا ما تعرّض للهجوم كالعادة.

ومن خلال ما بيناه يتضح لنا ضمنياً وجود مؤثرات سلبية يمكن أن تطرأ على العقيدة بين الحين والآخر، ولا ينبغي التهاون بها أو استصغار أمرها، فلربما كانت إحداها سبباً لانهيار العقيدة، فالخطر محدق بديننا الحنيف، ولم يطرأ الخطر عليه حديثاً، بل إنه وُلد يوم ظهور الإسلام، ولكنه يزداد يوماً بعد يوم، وأمام هذا الوضع يجب علينا أن نتحلى بشيء من الوعي والحكمة وحب العقيدة.

ولا يوجد باب شر إلا وفي مقابله أبواب خير كثيرة، لأن الخير أقوى، وأنواعه أكثر، وأسبابه منتشرة ومتوفرة، ولكن يوجد لدينا ثلاثة أمور يمكن أن تقف حائلاً في وجه تلك العوامل السلبية:

الأمر الأول: ضرورة أن نؤمن بالعقيدة التي تحملها وبالدين الذي تنتمي إليه، فإن نفس إيماننا الصحيح بعقيدتنا السليمة يصد عدونا عن المس بديننا لأننا مستعدون للتضحية الكاملة في سبيل العقيدة التي نراها سبب مجدنا وعزنا في هذه الحياة، وسبب سعادتنا بعد الممات.

الأمر الثاني: أن لا نقف عند حدود الحفاظ عليها فقط، بل ينبغي أن ندعو الناس إليها عن طريق بيان فحواها الذي لا نستحي ببيان أي شيء فيه حيث لا يوجد ما في عقيدتنا شيء نُعاب عليه، ومن هنا كنا أسبق وأحرص الناس على بيان عقيدتنا لكل الناس، ومن هنا جال علماؤنا الكرام في أرجاء العالَم من أجل تبليغ الدعوة ونشر الحق بين الجميع، ونحن لا نشك بأن هناك أشخاصاً يحملون بداخلهم عقائد فاسدة وناقصة ومشينة، ولأجل ذلك فإنهم يحتفظون بعقائدهم لأنفسهم ولا يبيّنون شيئاً منها للآخرين، فهؤلاء يمكن أن نشير إلى عقيدتهم بأصابع التهمة، أما الذي يجول العالَم من أجل أن يبيّن فحوى عقيدته فهو لا شك صادق كما هي عقيدته.

الأمر الثالث: التحلي بالمعرفة حول مضمون العقيدة، ولا يمكن أن يتحقق الأمران الأولان إلا بالأمر الثالث.

وإن أفضل دليل يمكن أن أطرحه في المقام حول ضرورة المعرفة هو حديثٌ قدسي مضمونه أن الله تعالى في يوم القيامة يوجّه سؤالاً إلى أحد عباده فيقول: عبدي لما لم تعمل؟ فيقول العبد: إلهي ما علِمْتُ، فيقول له الله تعالى: لما لم تتعلّم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المَعْرِفَةُ سَبَبُ نَجَاحِ الأَنْبِيَاء(ع)

 

لقد أرسل الله تعالى أنبياءه إلى الناس كافة، وسددهم بأقوى سلاح في الوجود، وهو سلاح العلم والمعرفة، وجميع الناس يعلمون بأن الأنبياء(ع) كانوا مؤيَّدين بسلاح المعجزة أيضاً، ولكنهم لم يستعملوا هذا السلاح سوى بضع مرات طيلة حياتهم الرسالية حيث استعاضوا عن المعجزة بالمعرفة التي كان أثرها على العقل كأثر المعجزة على النفس.

فنبي الله نوح(ع) كان أطول الأنبياء أعماراً حيث مكث في قومه يدعوهم إلى الله سبحانه قبل الطوفان ما يقرب من ألف سنة، ورغم طول مكوثه فيهم لم يذكر القرآن ولا التاريخ بأنه استعمل معهم لغة الإعجاز بل كان دائماً يستعمل معهم معجزة المعرفة، وهكذا الحال لدى جميع الأنبياء(ع) الذين كانوا يقدّمون لغة المعرفة على لغة الإعجاز كما كان يصنع إبراهيم الخليل(ع) الذي استعمل مع قومه وزعيمهم لغة العلم، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من الإستعمالات المعرفية في حياة خليل الله في أكثر من سورة، ففي سورة البقرة قال تعالى(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فقد كان جواب إبراهيم للحاكم نمرود أقوى من أية معجزة أخرى، ثم لا يخفى على أحد أن الناس قد يُنكرون المعجزة أحياناً فيتهمون النبي بالسحر كما صنع الجميع أمام كل المعجزات التي جاء بها الأنبياء، أما لغة المعرفة فلا يمكن لأحد أن يتهمها بالسحر أو الجنون لأنها لا تشبههما بوجه من الوجوه.

وفي سورة الأنعام(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

وفي نفس السورة(وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)

وبناءاً على ذلك يكون أثر المعرفة في الغالب أقوى من أثر الإعجاز.

لقد حاول الحكام المعادون للأنبياء أن يكيدوا بالمعرفة النبوية فجمعوا كبارهم ليبحثوا في كيفية نقض المنطق النبوي فنقضوه بما لا يصلح للنقض، وهم موقنون بوهن كلامهم وبطلان منطقهم أمام المنطق الرسالي، ولكنهم حاولوا علهم يستميلون بعض البسطاء كالعادة، إلا أنه وكالعادة كان النبي يبطش بمخططاتهم بموقف واحد أو بعبارة موجزة، وهكذا استمرت معركة الكر والفر بين المعرفة والجهل، وقد كان الإنتصار دائماً حليف المعرفة، ولأن الأنبياء(ع) أعرف خلق الله فلقد كانوا المنتصرين دائماً، وكان الحاكم إذا فشل وأعوانه في نقض المعرفة النبوية وإنكار المعجزة يعمدون إلى قتل هذا النبي أو ذاك لظنهم بأن القتل هو الوسيلة الوحيدة للخلاص من عدوهم، فلقد استطاعوا أن يقتلوا آلاف الأنبياء، ولكنهم عجزوا عن قتل المعرفة التي زرعها الأنبياء في نفوس الناس.

 

 

 

 

 

 

 

 

دَوْرُ المَعْرِفَةِ فِيْمَا قَامَ بِهِ الإِمَامُ الحُسَيْنُ(ع) فِيْ كَرْبَلاء

 

لو لم يكن عِلم الإمام الحسين(ع) بمستوى العالَم لما كُتب لثورته أن تقتحم العالَم، ولا يمكن لأحد من الناس أن يُنكر هذا الواقع الذي يراه القريب والبعيد، ويعرفه العالِم والجاهل والكبير والصغير على حد سواء، ويمكن أيضاً استخلاص كبرى لهذا الطرح مضمونها أن الذي كتب النجاح الباهر لثورة الإمام في كربلاء إنما كان تلك المعرفة التي تمتع بها الحسين في حياته، ومن هنا كانت حركة العالِم فعَالة ومؤثّرة ومرعبة للأطراف المعادية، والناس بطبعهم لا يعبأون بالجاهل ولا يعيرونه أي اهتمام، ولا يحسبون لوجوده أدنى حساب، والسبب هو أن حركة الجاهل لا تصيب الهدف ولا تقع في الموقع الصحيح.

فالثورة تقاس بفكر قائدها وحجم معرفته، ولا أثر للمناصر الجاهل له لأن العبرة برأس الهرم، أقول ذلك كيلا يفاجئني أحد بسؤال حول مستوى عِلم أصحاب الإمام الحسين رضوان الله تعالى عليهم، وهذا طرحٌ دقيق لا يمكن أن نتجاوزه من دون أن نقف على أهم ما فيه.

ولذا ينبغي أن نشير إلى واقع الذين رافقوا الحسين(ع) في رحلته إلى الله تعالى، وهم صنفان:

الصنف الأول: هم أهل بيته(ع) كأبي الفضل العباس وأخوته أولاد أم البنين، وأبناء الإمام الحسن، فإنه لا مكان للشك في مستوى معرفتهم لأنهم عاشوا في بيوت العلم والمعرفة وتغذوا منها فقه الحياة وفلسفة الوجود.

وليس ببعيد على مَن اتصل نسبه أو من تمّ جزء من تربيته على أيدي المعصومين(ع) أن يكون عالِماً وإن كان ولداً صغيراً، فهناك أشخاص يعيبون علينا ادعاء العلم في صغير آل محمد، وهو ليس ادعاءاً بل إنه حقيقة ثابتة، فلماذا تعتقدون بعِلم أشخاص حاليين وهم صغار السن ككثير من المخترعين، ولا تؤمنون بعِلم صغار آل محمد، وثقوا بأنني لو أردت أن آتي بنماذج عن علمهم لاستغرق الكلام عنهم عشرات الصفحات، ولكنني أكتفي بذكر موقف واحد للإمام الحسين(ع) عندما كان طفلاً صغيراً، فقد ذكر المؤرخون أن أحد غاصبي الخلافة كان يتحدث عن منبر الخليفة الشرعي فصعد إليه الإمام الحسين(ع) وهو طفل صغير وقال له:إنزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك:

هذا الكلام الراقي إن دل على شيء فإنه يدل على مدى معرفة الإمام الحسين(ع) وإدراكه لحقائق الأمور وهو ولدٌ صغير.

وكذا ما صنعه الإمام الكاظم(ع) عندما كان ولداً صغيراً حيث زار عدد من الناس من بينهم أبو حنيفة والده الإمام الصادق(ع) فأحب أن يمازح الإمام الكاظم(ع) فطرح عليه سؤالاً من باب التسلية وملئ الفراغ، وإليكم نص الحديث: ففي كتاب تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة : قال أبو حنيفة : حججت في أيام أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) فلما أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه ، إذ خرج صبي فقلت : يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم ؟ قال : ” على رسلك ” ، ثم جلس مستندا إلى الحائط ، ثم قال : ” توق شطوط الأنهار ، ومساقط الثمار ، وأفنية المساجد ، وقارعة الطريق ، وتوار خلف جدار ، وشل ثوبك ، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، وضع حيث شئت ” فأعجبني ما سمعت من الصبي فقلت له : ما اسمك ؟ فقال : ” أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ” فقلت له : يا غلام ممن المعصية ؟ فقال : ” إن السيئات لا تخلو من إحدى ثلاث : إما أن تكون من الله وليست من العبد ، فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا يرتكب ، وإما أن تكون منه ومن العبد – وليست كذلك – فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف ، وإما أن تكون من العبد – وهي منه – فإن عفا فكرمه وجوده ، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته ” قال أبو حنيفة : فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله واستغنيت بما سمعت:

والجدير بالذكر هو أن العدو الأكبر للحسين والإسلام يزيد بن معاوية اعترف بمدى عِلم أهل البيت(ع) وذلك عندما طلب منه الإمام زين العابدين أن يعتلي المنبر ويتكلم بكلمات فيهن لله رضا، فرفض يزيد طلب الإمام خوفاً من الفضيحة، وهناك قال كلمته الشهيرة:إنه من أهل بيت زُقوا العلم زقاً:

وبما أن الثورة الحسينية قد نجحت بسبب معرفة قائدها لخفايا الأمور وعواقب الأحداث كان فهمنا لهذه الثورة ناقصاً ما لم نتمتع بمعرفة وافية حولها، ولا أعني بتلك المعرفة أن نقرأ أحداث المعركة التي لم تستغرق من الوقت سوى ساعات من نهار، وإنما أعني دراسة حياة قائدها العظيم، وقراءة ظروف الثورة وأهدافها بشكل معمَّق، وأنا شخصياً لا أعتقد بأن الحصول على تلك المعلومات يتم باستماع محاضرة أو مجلس لأن الأمر يحتاج إلى بذل جهد كبير وصرفِ وقت طويل، ولا أعتقد أيضاً أننا نستطيع أن نجمع المعلومات بطرق متناثرة من هنا وهناك ممن لا نعرف مستوى فهمهم للأمور، بل لا بد من الرجوع إلى أهل الذكر في هذا الشأن.

ومن هنا يمكن لنا أن ندرك دور المعرفة في جميع سلوكيات الإمام الحسين(ع) قبل المعركة وعند المعركة، فالأمر يحتاج إلى شيء من التأمل الواسع والبحث الدقيق والتمييز بين الصحيح والفاسد، لا أن نقبل كل ما نسمع من هنا وهناك، أو نصدّق بعض الخطباء الذين لا يعرفون من الثورة سوى القليل.

خطأنا تجاه الثورة الحسينية هو أننا نولي اهتماماً لآخر ساعات من حياة الإمام الحسين(ع) ونهمل عشرات السنين التي كان يخطط فيها للقيام بتلك الثورة، فهناك ترابط وثيق بين جميع الأحداث والمواقف التي صدرت من الإمام الحسين في حياته وبين ما قام به على أرض كربلاء، فلا يمكن لنا أن ندرك السر فيما صنع هناك إلا إذا قرأنا كل تاريخه بدقة وتأمُّل، وربطنا ماضيه بحاضره، وحاضره بمستقبل ثورته.

وهذا ما يحتِّم علينا قراءة تاريخه يوماً بيوم ولحظة بلحظة دون أن يعزُب عنا شيء من تفاصيل حياته الشريفة التي قضاها في خدمة الدين والدفاع عن المظلومين، إن الحسين(ع) لم يدافع عن المظلومين في كربلاء فقط وإنما كان يصنع ذلك طيلة حياته.

وأنا بدوري أُحمِّل مسؤولية جهل الناس بتلك التفاصيل للقيمين على ذكرى الثورة، وللخطباء بالدرجة الأولى، فهم إن أرادوا وسّعوا البحث أو أرادوا فضيّقوه.

ومع الأسف الشديد فإننا لو بحثنا عن العارفين بتلك التفاصيل بين محبي الإمام الحسين لوجدناهم قلة قليلة، إذ ليس العارف مَن قرأ سطور السيرة وروى قصتها، ولكن العارف هو الذي يغوص في أعماقها ويقرأ ما بين سطورها ليستنتج منها المعاني الحقيقية لتلك الشخصية النادرة الوجود في هذا الوجود.

ولو أننا رجعنا إلى السبب الأساسي في قلة عدد العارفين بها لوجدنا أنه الإهتمام ببعض التفاصيل وإهمال بعضها الآخر، مع أن الذي أهملناه هو الأهم في مسألة الكشف عن تلك الحقيقة المميزة(حقيقة الإمام الحسين وثورته المجيدة)

فإذا تجرد الإلتزام بالنهج الحسيني عن المعارف الكفيلة ببيان الحقيقة كان التزاماً بالمجهول، وهذا النوع من الإلتزام لا يحمل ثمراً، ولا يخلّف أثراً، ولا يحقق الغايات المرجوّة، ولا يوصل إلى الأهداف المطلوبة.

لقد صنع الإمام الحسين(ع) أمراً عظيماً خرج عن حدود المعركة العسكرية لأن أهداف الثورة أكبر من صراع عسكري بين ظالم ومظلوم.

فإذا أردنا أن نتعرف على تلك الشخصية العظمى لزم علينا أن نلقي نظرة على تاريخه المشرق الذي كان حافلاً بالمواقف العزيزة والبطولات الكبرى والتضحيات المميزة والعمل الصالح، فلا يمكن لنا إدراك حقيقة الثورة الحسينية بجميع أبعادها إلا من خلال دراسة صانعها(ع) وكذلك فإن معرفة حجم الثورة وقيمتها في عالم الإسلام متوقف على معرفة شخصية قائدها، وهذا يعني ضرورة الإهتمام بكلا الأمرين، حيث تتوقف معرفة أحدهما على معرفة الآخر، ولا أقصد بالتوقف هنا توقف الشيء على نفسه والذي يلزم منه الدور العقلي، وإنما أقصد بيان الإتحاد بين هذين الأمرين والحث على معرفتهما معاً، لأن هناك نقاطاً غامضة حدثت في المعركة لا يمكن معرفة معانيها، ولا يمكن تفسيرها إلا بمعرفة شخصية قائدها.

وهذا من شأنه أن يُلزم المحب له والمقتدي به أن يبحث عن تلك التفاصيل ويتعرف على جميع النقاط المتعلقة بهذه الثورة التي اعتبرناها مصدر عقيدتنا بالله سبحانه وتعالى.

 

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى