الفكر الكربلائي

دَوْرُ الإِعْلَامِ فِيْ فَهْمِ أَحْدَاثِ الثَوْرَة

دُروسٌ منْ وَحي الثورة الحسينية

 

دَوْرُ الإِعْلَامِ فِيْ فَهْمِ أَحْدَاثِ الثَوْرَة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين سيدنا محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، وأصحابهم المنتجبين.

السلام عليك يا مولاي يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلّت بفَنائك وأناخت برحلك.

 

في أكثر الأحيان وأغلب الظروف يخضع الإنسان للعديد من الأنظمة التكوينية، ويركن إلى الكثير من القوانين الطبيعية التي تفرض نفسها على محيطها، وتُحكم سيطرتها على الجنس البشري بغض النظر عن نوع العقيدة التي يتديّن بها، ونوعية انتمائه وهويته القومية، لأن تلك القوانين تتحكّم بطباع البشر وبعض تصرفاتهم، فهي تسيّرهم كما تريد، وتأخذهم من مكان إلى مكان كتابع لا ينفصل عن إرادة متبوعه، إلا إذا حرّكوا القوة العقلية عندهم واستثمروها للحفاظ على أنفسهم من آثار بعض الأنظمة وعواقب بعض القوانين التكوينية.

ومهما أحكمت تلك القوى سيطرتها على الإنسان يبقى هو الأقوى في ساحة الوجود، حيث أنه مسدَّد بقوة نورانية لا توازيها قوة في الخلق، وهي القوة التي امتاز بها الإنسان عن سائر المخلوقات الحسّاسة والمتحركة بالإرادة، إنها قوة(العقل).

فالعقل قوة هائلة جعلها الله تعالى من أوائل مخلوقاته نظراً لأهميتها ودورها الأساسي في الحكمة من وراء إيجاد الخلق، وهي محور الحياة وقطب رحى الإمتحان الإلهي.

وهي الوسيلة التي يتعرف بها الإنسان على خالقه، ويدرك بها أنظمة الأشياء وحقائقها، ويميز بها بين الصحيح والفاسد، وهي أساس المعرفة الدافعة للعبادة، وهي محور الثواب والعقاب لِما ورد في الحديث القدسي الذي خاطب الله به العقل قائلاً: بك أُعرَف وبك أُعبَد وبك الثواب وبك العقاب:

فلو كانت القوانين الطبيعية هي الحاكمة بلا منازع فقد انتفى أثر الحكمة من وراء إيجاد الخلق لأن الغاية القصوى من إيجاده إنما هي الإفتتان الرباني الذي يتميز به المطيع عن العاصي، ولكن شاءت حكمة الله تعالى أن لا يمرّ مخلوق عاقل في مرحلة الدنيا من دون اختبار تنزُّهاً عن اللَّغوية في الخلق، حيث لا فائدة من وجود الإنسان في الحياة الدنيا دون هدف سامٍ، وإلا أصبح حكم الإنسان في الحياة كحكم الجمادات والعجماوات المسخَّرة له، فبدلاً من أن يكون الإنسان مسخَّراً له فسوف يصبح مسخَّراً، وهنا تنتفي الحكمة الأساسية المستفادة من قوله تعالى(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)

وهذا يعني وجود دور هام للمسخَّرات، ولهم مدخلية واسعة النطاق في استقامة الإمتحان الإلهي لذوي الألباب، ولأجل ذلك كان وجود المسخَّرات حجة علينا من قبل الله سبحانه وتعالى حيث أشار إلى هذه النقطة في أكثر من موضع، ففي سورة إبراهيم(اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)

وفي سورة النحل(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)

وهذا يعني بكل وضوح مشاركة المسخَّرات في مسألة امتحان الإنسان.

وبعد هذه المقدمة نقول: إذا رأى الإنسان شيئاً أو سمع بشيء فلا بد وأن يصدّق شيئاً مما يرى أو يسمع، لأن الطبيعة البشرية تفرض مثل هذا الشعور عند أية جملة خبرية، وربما يقتنع بما يرى أو يسمع إذا لم نعطه الدليل على كذب ما رأى أو سمع، وحتى مع إعطائه الدليل تبقى آثار هذا الخبر الكاذب موجودة بداخله كما يقول علماء النفس، وهذا يكشف لنا بكل وضوح عن أهمية أثر الإعلام على سلوك الإنسان، وضرورة أن نكون السبّاقين إلى زرع الحق في نفوس الناس قبل أن يسبقنا إلى ذلك غيرنا، وهو عمل يحتاج إلى استنفار دائم وجهوزية تامة قبل حدوث أية كارثة أخلاقية تنجم عن الإعلام الكاذب.

هناك ميزانٌ حكيم عادل يرضى به كل ذي عقل، وقد وضع الله تعالى هذا الميزان التكويني ليكون مناسباً للقوانين التشريعية دون أن يُظلم عبدٌ من عباد الله، ولا سلطة لغير الخالق على هذا الميزان، بل لا يستطيع الخلق بأجمعهم أن يتدخلوا في هذه الإرادة.

وإذا رجعنا إلى كلام الله عز وجل في كتابه المجيد لوجدنا فيه العديد من الآيات التي تنفي صدور أي ظلم من الخالق للمخلوق، مثل قوله تعالى في سورة آل عمران(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) وقوله في سورة النساء(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)

هاتان آيتان من عشرات الآيات النافية للظلم من قِبل الله تعالى، ثم بيّن لنا جوهر ذلك الميزان بقوله(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)

تتحدث هذه الآية الكريمة عن الميزان التكويني الذي يتناسب مع الأحكام التكليفية التي وجّهها الله تعالى إلى كافة عباده، ولكن الذي يكشف لنا حقيقته أكثر هو ضربُ الأمثلة حوله.

فمثلاً: لقد وضع الله تعالى خمسة أنواع من الأحكام التكليفية:واجب ومحرم ومستحب ومكروه ومباح: وجميع هذه الأحكام تناسب طاقات المكلفين، فإذا ظهر من بينهم مَن يعجز عن شيء منها لخروجها عن طاقته كمن يضر الصوم به فيسقط عنه الوجوب حينئذ، وهذا الإسقاط يُعتبر حكماً شرعياً إستثنائياً، وكذا الحكم في باقي التكاليف.

وقد صرّح النبي(ص) بهذا الميزان في حديث الرفع الشهير حيث قال:رُفع عن أمتي تسعة:الخطأ والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استُكرهوا عليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة:

لقد علم الله تعالى مستوى قدرة الإنسان على التحمل فوجّه إليه التكاليف بحسب قدرته، وهذا ضربٌ من ضروب الرحمة الإلهية الواسعة.

فلو كانت قوى الشر أقوى من قوى الخير في الإنسان لكان مظلوماً، وذلك لعجزه التكويني عن القيام بالواجب المفروض إذا خرج عن حدود طاقاته.

فلو لم يضع الله سبحانه هذا الميزان العادل بين التكوين والتشريع لَفَقَد الإمتحان جوهره ومصداقيته، وذلك لانتفاء التكافؤ بين قدرة الممتحَن وحجم الممتحَن به.

ونفس هذا الكلام يقال فيما إذا كانت القوّتان متساويتين إذ لا بد أن تكون قوى الخير أقوى وأكبر وأكثر حتى تستقيم موازين الإمتحان الرباني، غير أن الحكمة الإلهية شاءت أن تكون القوى الرحمانية في النفس أقوى من أية قوة شيطانية فيها.

ولو أننا نظرنا إلى عدد القوى المتناحرة داخل الإنسان لوجدنا بأن عدد قوى الشر أكثر، ولكنها وإن كانت أكثر من قوى الخير، غير أن قوة واحدة من قوى الخير باستطاعتها أن تتغلب على جميع قوى الشر في الإنسان.

ففي مقابل القوة الشيطانية والوهمية والغضبية والسبعية والشهوية والبهيمية يوجد القوة العقلية الملكية التي تسيطر على النفس الزكية والمطمئنة واللوامة.

وبعد هذه المقدمة المطولة نأتي إلى موضوع أثر الإعلام على الثورة الحسينية.

هناك جملٌ خبرية كثيرة وردت في التاريخ حول أهداف تلك الثورة المجيدة، ولا يخفى على أحد ذلك الحظر الإعلامي المفروض عليها من قِبل أنصار النهج الحسيني، ولا يخفى أيضاً تلك الجهات المنظمة والمدعومة من دول غنية بهدف تغيير الأحداث وتزوير الحقائق، وهو عملٌ سهل عليهم لأنهم احتكروا التاريخ منذ زمن بعيد، وأحرقوا تعاليمنا ووثائقنا وجُلَّ ما ورد عن أئمتنا(ع).

فمنذ قرون عديدة وأبناؤهم يتوارثون عن الآباء والأجداد ذلك الحقد الأعمى تجاه النبي وآله(ص) ولا ندري سبباً لذلك سوى أنهم منصاعون لأوامر الشيطان الغوي، وقد سلكوا طريقة أبي سفيان وأبيه اللذين أوصيا أبناءهما بنصب العداء لبني هاشم الذين ألقى الله تعالى حبهم في قلوب البشر.

ولا شك بأن تلك الدعايات قد أثّرت سلباً على الرأي العام في بعض مراحل التاريخ، وما زال جزء من هذا التأثر قائماً بين الناس، ولكن وبفضل حكمة وصبر ووعي الموالين للإمام الحسين(ع) ظهرت الحقيقة جلية رغم تلك المؤامرات الكبرى الهادفة إلى التعتيم الإعلامي الذي من شأنه أن يغيّر مسار الزمن.

وأنا بدوري أنصح هؤلاء الحاقدين بأن يوفروا أوقاتهم وأموالهم ويستسلموا للأمر الواقع لأنهم مهما حاولوا أن يضللوا الناس فسوف يبقى نور الحسين مسيطراً ومشعاً لأنه النور الذي أخبرنا الله تعالى عنه في كتابه العزيز حيث قال(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)

يجب علينا كمؤمنين بالله ورسوله وموالين لآل محمد(ص) أن نكون بمستوى الرد على تلك الدعايات، وأن نعمل على تطوير إعلامنا النزيه الصادق بكل ما أوتينا من قوة فإن هذا واجب مفروض علينا، فإذا أهملنا الواجب أو قصّرنا بالمهمة كنا شركاء لأولئك الظلمة الذين أرادوا أن تشيع الفاحشة بين الناس.

وفي ذات الوقت يجب أن نكون متنبّهين لطرقهم الوسوسية وأساليبهم الشيطانية الإغرائية التي استعملها معاوية من قبل.

فمنذ أن قام الإمام الحسين بثورتهم وسيوفهم حتى اليوم لم تعرف أغمادها لأنها مشهورة علينا سراً وعلناً، ولا ندري متى تُغرز في ظهورنا كما غرزوها في صدور وظهور أئمتنا(ع).

 

 

 

 

الإِشَاعَاتُ الكَاذِبَةُ جُرْثُومَةٌ فِيْ المُجْتَمَعِ البَشَريّ

 

لا يكون الإنسان إنساناً إلا إذا مارس دوره في الحياة كإنسان عاقل له حقوقه وعليه واجباته تجاه ربه ومجتمعه، ولا يمكن له أن يدرك حقوقه ويعرف واجباته إلا عن طريق العقل والسير في الطريق الصحيح الموصل إلى هذا الهدف السامي.

ولا ينبغي للإنسان العاقل أن تحكمه أهواؤه وغرائزه وخصوصاً في الأمور المصيرية كيلا يصبح شأنه في الحياة كشأن مَن فضّله ربه عليهم، لأن باستطاعة الإنسان أن يرتقي بعقله وسلوكه إلى أعلى مستويات الكمال البشري، وبإمكانه أيضاً أن ينزل بعمله وتفكيره إلى أوضع مستوى يمكن أن يُتصور.

وبما أن الشيطان الرجيم موجود داخل الإنسان، وملازمٌ له في حياته، ومسلَّط على نفسه، فهذا يعني أن الوقوع في الخطيئة محتمَل في أية لحظة، وإنه وإن كانت أساليب الشيطان كثيرة ومختلفة إلا أنّ لونها ومصدرها واحد، وبات الإنسان العاقل مدركاً لأولوان تلك الوسوسات، وطريقة الإدراك الصحيحة هي أن يعرض ما يُعرَض عليه على عقله وأحكام دينه قبل أن يأتي بأية حركة، فإن رضي بها العقل وأقر بها الشرع فهي أمرٌ صحيح، وإلا فلا بد من تركها حذراً من الوقوع في أفخاخ الشيطان المنصوبة هنا وهناك.

لقد أصبح من السهل على العاقل-خصوصاً في زمن التطور هذا- أن يحذر من وسوسات الشيطان الرجيم، وهناك نقطة حساسة ومهمة يجب على العاقل أن يعرفها، وهي أنّ أساليب الشيطان في تجدد مستمر فإذا علم الشيطان بأنك اكتشفت أسلوبه السابق وأنه لا يمكن له الوصول إلى قلبك من خلال هذا الأسلوب فسوف يأتيك بأسلوب آخر لا محالة، وهكذا فإنه سوف يقوم بالمحاولة معك عشرات المرات، وربما مئات المرات، وربما آلاف المرات، لأنه لا يكل ولا يمل ولا يتعب.

هناك شيء واحد يُتعب الشيطان ويجعله بائساً يائساً وهو إخلاص المؤمن لربه، فإن الشيطان مهما حاول أن يستدرج المؤمن إلى المعصية فإنه لا يقدر على ذلك بل سوف تبوء جميع محاولاته بالفشل الذريع، وهذا ما يدفع بالعاقل المؤمن إلى أن يكون يقظاً أمام هذا العدو الخطير الذي أمرنا ربنا سبحانه بأن نتعامل معه على أساس كونه أخطر عدو لبني آدم حيث قال تعالى(وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)

وقال(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)

وقال(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)

وهناك الكثير من الآيات القرآنية التي تحذرنا من سطوات هذا العدو.

إن وسوسة الشيطان الرجيم تواكب تطور الإنسان، فهو يستعمل كل شيء في سبيل الإيقاع بنا لينتقم من جنسنا الذي كان أصله سبباً لغوايته كما يدّعي، واعلموا أن الشيطان موجود في كل شيء من دون استثناء، فإذا كنا ننام أو نغقل فإنه لا ينام ولا يغفل لأنه يعمل أربعة وعشرين ساعة في اليوم، فكلما زادت الصناعات والإبتكارات والإكتشافات كلما زادت وسوسات الشيطان بقدرها.

ولذا يمكن القول بأن وظيفة الشيطان تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والظروف النفسية والخارجية، ففي زمن آدم كانت وظيفته محصورة في العدد الموجود على الأرض، وهكذا فإنها تزداد مع زيادة عدد البشر وأنواع الصناعات عندهم وكل ما شأنه أن يُستعمل لإغراء الإنسان.

أما في هذه الأيام فإن مهمة الشطان موزعة على مليارات البشر ومليارات الصناعات، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية تجاه وسوسة إبليس.

وقد يقول لي أحدهم: ما هو الرابط بين الثورة الحسينية أو بين أثر الإعلام وحديثك عن الشيطان؟

لعلي أنتظر دائماً طرح مثل هذا السؤال لقناعتي بأن السؤال مفتاح العلم، وجوابي على هذا السؤال ينحل إلى جوابين، عام وخاص:

أما الجواب العام: فهو أن ثورة أبي عبد الله الحسين(ع) تتعلق بكل مسألة دينية لأنها إنما فُجرّت من أجل سلامة الدين وبقائه واستمراره، ومن هنا فلا يمكن الفصل بينها وبين أية مسألة دينية.

وأما الجواب الخاص: فهو أن كل ما جرى على يد يزيد وأعوانه منذ البداية وحتى النهاية إنما كان تنفيذاً منهم لإرادة الشيطان الرجيم الذي لا ينفصل عن أي شر في هذا الوجود مهما كان هذا الشر صغيراً أو قليلاً أو أمراً عابراً.

فالذي أعمى بصيرة يزيد وابن زياد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن والكثير الكثير ممن شاركوا بتلك الجريمة بطريق مباشر أو غير مباشر إنما كان ناجماً عن وسوسة الشيطان التي طالما حذّرنا منها الله تبارك وتعالى.

ولم تكن مهمة أعوان يزيد أن يقتلوا الحسين(ع) وأصحابه وأهل بيته، ويسبوا نساءهم، بل كانت أولى مهماتهم هو الحظر الإعلامي من أجل التعتيم وتزوير الحقائق، فزوروا الأحداث والوقائع ليكون ذلك ذريعة لهم، ولكن جميع وسائلهم التعتيمية التضليلية قد باءت بالفشل عندما اسطدمت بوسائل إعلامية بشرية نقلت الأحداث كما هي، وفي مقدمة أولئك إعلامي حضر المعركة من أولها إلى آخرها، وهو حميد بن مسلم الذي ينقل عنه أكثر المؤرخين إذ لعله الإعلامي الوحيد الذي سُمح له بالدخول، وربما كتب الأحداث خفية عن العيون اليزيدية.

ولم يكن حميد بن مسلم الإعلامي الوحيد الموجود في الساحة، بل تحوّلت كل امرأة وطفل وطفلة إلى وسيلة إعلامية متحركة كشفت الحقائق وأبطلت الأكاذيب وفضحت تلك الدعايات الكاذبة والإشاعات الحاقدة، ولأجل هذا خاف يزيد من الفضيحة وتجييش مشاعر المسلمين من خلال تلك الوسائل التي نعتقد بأن الإمام الحسين(ع) قد أخرجهن معه من أجل هذه الغاية لأنه(ع) كان على معرفة بأسلوب يزيد في إخفاء الحقائق وتزوير الأحداث فكان الحسين أسبق من يزيد.

ولأجل هذا أحسن يزيد معاملة السبايا قبل خروجهن من عنده خوفاً من إفشاء أمره في كل البلاد التي سوف يمر بها موكب السبايا، ولا ينبغي أن ننسى الدور الإعلامي الكبير الذي لعبه الإمام زين العابدين(ع) الذي بقي حياً بقدرة الله تعالى ليقضي به أمراً كان مفعولاً.

لقد سبقت الحرب الإعلامية الحرب العسكرية حيث أشاع يزيد الشائعات الكاذبة حول موكب الإمام الحسين(ع) فصوّر للناس بأنهم قوم خرجوا على أمره وحكمه وهو يريد أن يقيم الحد عليهم، ولأجل هذا فإننا لا ننكر بأن بعض الذين جلبهم يزيد إلى ساحة المعركة لم يكن لديهم أدنى فكرة عن هوية الطرف الآخر، بدليل أن بعض الذين بارزوا الإمام(ع) في ساحة المعركة تراجعوا عن قتاله وتابوا على يديه عندما علموا بأنه الحسين بن علي، فقد كان هؤلاء ضحية الإعلام الكاذب الذي تعاطى به يزيد في تلك المرحلة.

وإن من أهم واجباتنا نحن الموالين للإمام الحسين(ع) أن نجعل من أنفسنا وسائل إعلامية متنقلة ونبذل قصارى جهدنا في سبيل التصحيح والكشف عن الحقيقة والدفاع عن تلك الثورة التي هي مصدر قوتنا وسبب بقائنا واستمرارنا، فبمحافظتنا عليها إننا نحافظ على أنفسنا ووجودنا وعقيدتنا وإسلامنا الحنيف.

يجب علينا أن نرد الإعلام الكاذب بكل جرأة ووضوح، بعيداً عن الغلو والأساليب التي لا تليق بشأننا كمؤمنين بالإمام الحسين(ع) وثورته المجيدة.

وإن إمكانيات الدفاع والإصلاح عندنا متوفرة بكثرة، وهي أقوى من إعلامهم الكاذيب ودعاياتهم المغرضة التي كانت جرثومة المجتمع البشري، فيجب أن يكون إعلامنا النزيه الواضح والشفاف بمثابة مضاد حيوي نقتلع به تلك الجرثومة من أساسها.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى