
مَنْ هُمْ الصحَابَة الكرام
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله الطاهرين
في الآونة الأخيرة كثُر الجدل حول موضوع الصحابة، وتذرّع بعض المجرمين بأنّ فئة من الناس تسبُّ صحابة رسول الله، وهو مجرد كذبة ابتدعوها حتى ينفّذوا خططهم الإجرامية بغطاءٍ إسلامي، ولكن الجوهر إنما هو فتنٌ يؤسسها الماسونيون ومجموعات مخابراتية من شأنها أن تدمّر الدين من الداخل وتقتل المسلمين بأيدي بعضهم.
ولكي نفهم حقيقة الأمر كان لا بُدّ من وضع اليد على معنى الصحابة وتمييز الصالح منهم عمن تغطى بثوب الصحابة وهو عدوٌ لله ورسوله، وهم كثيرون جداً ومعروفون لدى علمائنا الكرام.
وأول ما تجب معرفته هنا هو معنى الصحبة وعلامات الأصحاب الكرام حتى يمكن تمييزهم عن مدّعي الصحبة، أو عمّن اعتبرهم البعض من الأصحاب وهم دون ذلك.
نحن ضد السب والشتم والتشهير، ولكننا مع بيان الحقيقة وإن اعتبرها البعض نوعاً من السب وهي في الواقع وقائعُ وأحداثٌ ثابتة.
إننا مخيّرون بين أمرين: إما أن نداهنهم على حساب ديننا وأئمتنا فنخسر ديننا ونضرب عقيدتنا بعَرض الحائط، أو نبيّن الحقيقة كما هي من دون زيادة ولا نقصان، ولا شك بأننا نختار الخَيار الثاني لأنه دينيٌ ومنطقي وإنساني، وإن اعتبره المبغضون غير ذلك.
هناك مفهومٌ خاطئ حول معنى الصُّحبة انتشر بين الناس مما أدى إلى هذا الخلاف الكبير بين المسلمين، أما إذا صوّبنا هذا الخطأ وبيّنا المفهوم الصحيح فإننا نكون بذلك قد تخلصنا من مشكلة كبيرة وألقينا الحجة على المفترين الذين يستعملون هذه السنفونية لتحقيق غايات حاقدة وتنفيذ مؤامرات خبيثة.
بعض المسلمين يعتبرون أنّ كل شخص عاش في زمن النبي(ص) أو جلس معه مرة أو سمع منه حديثاً أصبح من صحابته.
وهذا خطأ واضح لأن كثيراً ممن سمعوا كلامه لم يلتزموا ولم ينفّذوا أوامره ولم يعملوا بوصاياه ولم يشاركوه أحزانه وأفراحه ومعاركه وسراياه بل كان بعضهم يجلس جانباً منتظراً النتيجة فإن كانت الغلبة للرسول أتوا إليه واستفادوا من انتصاره، أما إذا كانت الغلبة للطرف الآخر ذهبوا إليه وأعلنوا ولاءهم له.
الصحابي الحقيقي هو الذي آمن بالله ورسوله وكان معه على السراء والضراء ودافع عنه وعن الإسلام بكل غالٍ ونفيس ورخيص، وآثر رسول الله على نفسه وأطاعه في كل شيء ولم يتخلى عن تعاليمه ووصاياه بعد موته ، وكانوا يقومون الليل ويصومون النهار وينشرون العدل والرحمة وتعاليم الإسلام بين الناس، ويضحّون بأرواحهم وأولادهم وأموالهم في سبيل الله ورسوله، كعمار بن ياسر والمقداد وسلمان وأبي ذر رضوان اللله تعالى عليهم.
وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض صفات الأصحاب حيث قالوا(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
إن الهدف الأساسي من هذه البحوث هو التعريف بأصحاب النبي(ص) وأهل البيت(ع) وبيان حجم الأدوار التي لعبوها في نشر الدعوة والحفاظ على الرسالة، ومن حقهم علينا أن نذكر أحوالهم ونبين فضائلهم ونحكي للأجيال عن مواقفهم الجريئة وبطولاتهم المميزة التي بفضلها انتشر الإسلام ودخل إلى كل بقعة من بقاع الأرض فلقد كان الأصحاب رضوان الله عليهم فريق عمل النبي وأهل بيته ويدهم اليمنى والدرع الواقي والحصن الحصين والصوت الذي دوى عالياً هاتفاً باتباع الحق وإيثار الإيمان على سواه وصارخاً في وجوه العتاة الظلمة الذين خافوا من إخلاص الصحابة الكرام واستماتتهم في سبيل حفظ الرسالة والرسول وإعلاء كلمة الله تعالى وإزهاق كلمة الشيطان مهما كانت التبعات قاسية والأثمان باهضة حيث استصغروا ما عدا الله فعظُم الخالق في أعينهم وصغر ما دونه في نفوسهم فكان ذلك سبب قوتهم ومصدر شجاعتهم ومنبع عزتهم لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
لقد كان تاريخ الأصحاب وما يزال حافلاً بالمواقف العزيزة والأحداث الكبرى التي أصبحت مدارس للأجيال عبر الزمن حيث كانوا المثل الأعلى في الصدق والإخلاص والإيثار.
ولذا يجب علينا كمؤمنين بالله ورسوله ومبلغين لتعاليم أهل العصمة أن نسلط الضوء على تواريخ تلك الثلة الشريفة لنستفيد منها الكثير من الدروس الكبرى للدنيا وللآخرة ونتعلم منهم كيف نترجم إيماننا على ارض الواقع وكيف نكون أقوياء وأوفياء وأتقياء وأن نؤثر رضا الله تعالى على كل شيء.
نبينا وأئمتنا سلام الله عليهم أجمعين هم الذين حثوا المؤمنين على قراءة تواريخ الأصحاب الكرام لعلمهم بأن في تواريخ هؤلاء الكرام فوائد جمة للبشرية جمعاء، ولطالما حدثنا النبي وآله عن عظمة أصحابهم وعن الدور الكبير الذي قاموا به تجاه هذا الدين فجعلوا من أصحابهم مضرِباً للمثل بل جعلوهم مثلاً أعلى للمؤمنين عبر الزمن فكانوا يذكرون فضائلهم دائماً ويستشهدون بمواقفهم وثباتهم على الحق رغم الأخطار التي أحاطت بهم ورغم التعذيب الذي وقع على كثير منهم ورغم الإعدامات الجماعية التي حصلت لبعضهم لا لذنب ارتكبوه إلا لأنهم آمنوا بالله ورسوله ووقفوا موقفاً مشرفاً تجاه هذا الدين الحنيف الذي أدركوا حقيقته فعلموا بأنه باب الخلاص للبشرية من كل فساد خُلقي وانحراف عقائدي.
لولا أصحاب النبي وآله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين لشُلّت حركة الإسلام واندثرت معالم الدين ودُفن قبل ولادته ولكن بفضل هؤلاء الذين أهدر الناس حقوقهم وأهملوا ذكرهم انتشر هذا الدين ودخل إلى كل المجتمعات الشرقية والغربية، وبمعنى أوضح كان الأصحاب رضوان الله عليهم الأداة المنفذة للرسالة أو الهيئة التنفيذية كما هو مصطلح عليه في أيامنا، وبمعنى ثالث كانوا نواباً للمعصومين وسفراء لهم إلى جميع أنحاء العالَم، ولأجل ذلك استُهدف الأصحاب كما استُهدف النبي وآله حيث لمس الناس بأن وضع الأصحاب القلبي والنفسي مشابه تماماً لأوضاع المعصومين(ع) وخصوصاً بعد أن رأوا فعل بعضهم وسمعوا عن أفعال آخرين كيف أنهم جعلوا من أجسامهم دروعاً بشرية تقي النبي وآله من سهام الغدر وسيوف الشر فأحدث ذلك خوفاً كبيراً في نفوس المشركين فراحوا يستهدفون الأصحاب المخلصين لإيمانهم وقناعتهم بأن الأصحاب يشكلون جناحي الرسالة فإذا قطعوا الجناحين فقد أسقطوا هذا الدين الجديد إلا أن إرادة الله تعالى كانت تُنبت بدل الجناح عشرة إذ يزيد الله في خلقه ما يشاء.
كان إذا استُشهد واحد ظهر آخر أو نُفي واحد قام مقامه صحابي مثله حتى أصبحوا كالنبع الذي لا ينفد ماؤه ولا يغور معينه.
هذا معنى الصحبة في العقيدة، أما معناه في اللغة فواسع جداً، وربما يعبّر عن الكافر بالصحاب كأصحاب خود وأصحاب لوط، وربما يعبّر عن الدابة بالصحاب أيضاً.
الشيخ علي فقيه



