
من جملة ما يمهد لنا الطريق الموصل إلى حقيقة الموت تلك الطريقة التي اتبعها القرآن والأنبياء والأئمة(ع) وهي تحريك المشاعر الإيمانية داخل المرء وإن كان منكراً للعقيدة الحقة، فإن إنكار العقيدة لا يعني خلوص روحه من تلك القوة المودعة فيه يوم خروجه إلى الحياة الدنيا والتي من شأنها أن تربط روح الإنسان بخالقه.
إن تحريك تلك القوة له طريقة واحدة، وهي الموعظة، والموعظة هي الدعوة إلى الخير بطريقة مميزة وأسلوب مؤثّر، وهي ذات طرقٍ كثيرة، فإن لكل واعظ أسلوباً خاصاً في إلقاء الموعظة وبيان المراد.
والموعظة نور للقلوب، وإنعاش للنفوس التي ماتت بغفلتها واستسلمت لهفواتها، ونزلت عند رغبة نزواتها وإشباع شهواتها، وهي الأسلوب الرائع في البيان، والطريق النافع للإخوان، وهي الوسيلة الأنجح لإعادة المرء إلى صوابه، وإرجاعه إلى أصول فطرته.
وهي النافذة المؤدية إلى القلوب والقاشعة الغشاوةَ عن العقول، وهي القوة الجاذبة التي تسيطر بطريقة خفية على أصول الآذان ومسامع الأفئدة.
وهي الوتيرة التي طالما عزف عليها الأنبياء، وترنّم بها الأولياء، وهي القوّة التي ضاهت المعجزة في التأثير، والمنبع الذي يصدر منه صدى صوت التذكير، وهي الكهف الحصين والحصن المنيع من سطوات الشياطين سبب كل بليّة، ومصدر كل رزيّة ظاهرة أو خفية.
وهي الأداة التي تحفظ روح الإنسان، وتحافظ على نفسه من مهالك الدهر ومساوئ الغفلة وأخطار الزمان في كل زمان ومكان، وهي باب الخلاص من رواسب الذنوب وتبعات العيوب والنكت السوداء داخل القلوب.
إن كثيراً من الوُعّاظ يعظون، وكثير من الناس يسمعون أو يستمعون، ولكن القلة منهم تنتفع، وإلى العمل تندفع، وبسبب العمل ترتقي وترتفع في هذه الحياة، وبعد الممات.
وأنواع المواعظ كثيرة، وأعدادها أكثر، منها ما له أثر ظاهر، ومنها ما كانت آثاره خفية ويعود السبب في ذلك إلى أمرٍ لا علاقة له بجمال الكلام وروعة سبكه وانتقاء ألفاظه، بل إلى المصدر الذي تخرج منه الموعظة، فهناك علاقة قوية قائمة بين الموعظة والواعظ والمتعظ، فإذا خرجت الموعظة من القلب فلا بد أن تدخل إلى القلوب، ولا يمكن أن تخرج من قلب الواعظ إلا إذا كان عاملاً بها قبل بيانها، فإذا لم يكن لها أثر على الناس فعليهم وعلى الواعظ أن يبحثوا عن السبب المانع من التأثير هل هو في نوع الموعظة أو في ذات الواعظ أو في نفس المتعظين، وبرأيي أن الإستفادة من الموعظة لا تتم إلا بتوجه الطرفين إليها قلبياً، فلسانٌ متكلم دون قلب واعٍ يحول بينها وبين دخولها إلى قلوب الآخرين، وكذا الحال فيهم، فلا بد أن يجتمع القلب الواعظ والقلب المتعظ حتى تؤتي الموعظة أكلها وتعمل عملها داخل قلب الإنسان.
فيما مضى طلب بعض المسلمين من خطيب جمعتهم الحديث عن أجر عتق الرقبة فلم يحدثهم بذلك إلا بعد فترة طويلة فسألوه عن سبب هذا التأخير فأجابهم ما كنت لأدعوكم إلى فعل شيء أنا عاجز عن فعله فعندما تمكنت من عتق رقبة أعتقتها ثم حدثتكم بذلك.
وقل أن تجد في هذا الزمان واعظاً يحترم الموعظة بهذا الشكل حيث دخلنا في زمن خطير انقرض فيه المتعظون بسبب انقراض روح الموعظة من قلوب الواعظين، إن الواعظين كثر ولكن لا قيمة لمواعظهم في ظل عدم العمل بها، فكثير منهم يأمرون الناس بفعل أشياء هم لا يفعلونها، وينهونهم عن أشياء هم يمارسونها، فلقد أصبح الكلام الذي يصدر منهم مجرد مادة للشهرة أو التقرب من الزعماء والأغنياء، أما في الزمن الماضي غير البعيد كان هم الواعظ أن ينير قلوب الناس بأنوار الموعظة ليسلكوا بها السبيل الصحيح، أما في زماننا الحاضر المشؤوم فلقد أصبح هم أكثر الواعظين المنافقين جمع المال وامتلاك البيوت الفخمة والأثاث المزخرف والمذهب والمفضض، وشراء السيارات الجديدة وغير ذلك من زينة هذه الحياة التي كان الأجدر بهم أن ينتبهوا منها قبل غيرهم.
كثير من الناس باعوا دينهم واستغنوا عن أخلاقهم واستغلوا المظاهر المخادعة والشعارات الفارغة والصور الوهمية التي لا تعكس شيئاً من الباطن، ولهذا أقول: لقد أصبح وجود واعظ عامل بكلامه نادراً، وهنا يكمن الخطر الفعلي على العقيدة، وأمام هذا الواقع المؤلم والوضع الديني الخطير أقول: لولا بسطاء أمتنا ولولا الطاهرون الفطريون فينا لصبّ الله علينا العذاب صباً، هؤلاء الذين ينظر إليهم بعض الواعظين على أنهم جهلة أو أصحاب شأن وضيع أو عادي على أبعد التقادير هم أطهر وأشرف من كل صاحب مظهر غشاش ومتاجر بالكلام والدين والمشاعر.
إن هذا الإنسان الذي يعبرون عنه بالبسيط هو القوي عند الله وهو العالم عند الله وهو المقرب لدى الله سبحانه وتعالى.
كيف نثق بواعظ أو نأخذ كلامه على محمل الجد ونحن لا نراه إلا راكعاً على أعتاب الأغنياء وأبواب الزعماء، وكيف نقبل أن نأخذ تعاليم النبي وآله عن شخص هو أبعد ما يكون بسلوكه عن النبي وآله.
فالذي يريد أن يحدث الناس عن الموت وما بعده عليه أن يكون متأهباً ومستعداً وعاملاً لما يفرضه ذلك الموقف العظيم وإلا فهو منافق كذاب وشيطان يرتدي ثوب ملَك.



