
في البحث الماضي ذكرت لكم معنى القيامة الحقيقية والقيامة المجازية وقد انطلقت هناك من قول رسول الله(ص):إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته: وفي هذا البحث سوف يجري الكلام حول القيامة القريبة والقيامة البعيدة.
في بعض البحوث التي مرت في السابق ألقيت الضوء على هذا الأمر بشكل عابر حيث لم يكن هناك موضوع البحث، ولكنني هنا سوف أركز كلامي عليه كي نخلص بالنتيجة المطلوبة.
نقرأ في القرآن الكريم عشرات الآيات التي تتحدث عن خصوصيات يوم القيامة، وكذا في الأحاديث الواردة عن النبي وآله(ص)، ومن تلك الإشارات القرآنية موضوع بحثنا هنا وهو قرب يوم القيامة وبُعده.
إن جميع أمور الخلق بيد الخالق سبحانه، ولا يجوز لأي إنسان أن يثبت شيئاً أو ينفي شيئاً رجماً بالغيب، ولا يحق له أن يجزم بقرب يوم القيامة أو بُعده، فقد يكون البعيد من المنظار الإنساني أو الملائكي أو الجني قريباً في المنظار الإلهي، والقاعدة هي أن الآتي قريب مهما كان بعيداً، وهنا نقطة هامة هي أساس البحث هنا لا بد من التوقف عندها.
منذ آلاف السنين ورب العالمين تعالى يخبر خلقه بقرب يوم القيامة، ولعل هذا ما أخبر به أنبياءه وملائكته ومَن كان قبل الجنس البشري الحالي، قال تعالى(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا)
فمنذ قرون طويلة والله يحدثنا عن قرب يوم القيامة، فما هو إذاً مفهوم القرب والبعد في نظر رب العالمين سبحانه؟
لا شك بأن مفهوم القرب والبعد من المنظار الإلهي يختلف عن مفهومهما من المنظار البشري والملائكي أيضاً، فإن الله تعالى يرى بأن كل ما سوف يكون إنما هو قريب في علمه، وإن رآه الخلق بعيداً جداً، ثم إنه ربما يكون مفهوم القرب عند الله تعالى هو أن صورة ما سوف يحدث حاضرة في علمه فهو قريب بالنسبة إليه تعالى، ولعلنا نستفيد شيئاً من هذا المعنى من خلال بعض الإشارات القرآنية مثل قوله تعالى(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً) وقوله(يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) وقوله عن العزير(فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ)
وربما يكون المعنى أن كل آت قريب مهما طال وقت قدومه، وإلى هذا يشير الإمام علي(ع) بقوله: وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ، وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَان:
وربما يكون معنى البُعد لدى الإنسان هو نسيانه ليوم القيامة الذي يجب له العمل والإستعداد، فإن تقصير الإنسان تجاه ذلك اليوم يحمل معنى فهم البُعد لدى الإنسان، أو كمن يقول أنا ما زلت في مقتبل العمر فلا داعي للعجلة في العمل.
وربما يكون معنى البعد لدى الإنسان أنه يراه فعلاً بعيد فهو لا يحتمل حدوثه قبل آلاف السنين لأنه منذ آلاف السنين والأنبياء يبلغون الناس وينذرونهم قرب يوم القيامة، ولكن هذا قياس مع الفارق لأنه بالفعل قد يكون يوم القيامة قريباً جداً بالمعنى الحقيقي.
ثم إن الذي يموت ويبقى في البرزخ آلاف السنين فإنه عندما يُحشر للحساب فسيشعر بأن يوم القيامة كان قريباً جداً وأن الإنسان كان في غفلة عن هذا الأمر.
قال تعالى(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ) وقال(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ)
وبعد ذلك كله يمكن أن نقول قد تكون القيامة قريبة من عقول الذين فهموا معنى الحياة والموت، وأدركوا الهدف من وجود الإنسان في الدنيا، وترقّبوا أن يأتيهم الموت بين لحظة ولحظة، وإذا كانت المعيشة في الحياة الدنيا منغصة بالخوف والآلام والأسقام والظلم والحروب والأوبئة فمعنى ذلك أن الإنسان لم يعش فيها لحظة واحدة كما يجب أن يعيش، فالعاقل الذي يعلم بأن الموت باب القيامة وأول منازلها فهو يرى يوم القيامة قريباً جداً وإن بعُد.
فإذا مات الإنسان ودُفن في قبره ودخل في عالم البرزخ فإنه لن يشعر بالزمن هناك، غاية ما يشعر به هو أنه نام في المساء واستيقظ عند الصباح، وفي أوائل هذه البحوث تحدثت حول قول رسول الله محمد(ص):كما تنامون تموتون وكما تستيقظون تُبعثون:
وكان البحث هناك خاصاً حول بيان حقيقة الموت، وقلت بأن المراد من هذا الكلام هو بيان المرحلة الإنتقالية التي تشبه النوم والإستيقاظ، وهنا يمكن أن نوجّه هذا الحديث نحو أمر آخر، وهو بيان سرعة مرور الزمن على الميت مهما طال مكوثه في القبر، فعلى فرض أن أحداً مات وبعد موته بمئة ألف سنة قامت القيامة فإنه سوف يشعر بأنه قضى ليلة واحدة في ذلك المكان.
لعلنا نستطيع أن نستفيد من حديث النبي(ص) معنيين: الأول بيان كون عملية الموت مشابهة لعملية النوم، وبيان كون الزمن مختصراً جداً في عالم البرزخ بحيث لا يشعر سكان القبور بالوقت.



