الفكر الكربلائي

أحوال جيش يزيد(1)

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

 

أحوال جيش يزيد(1)

 

إن المدرسة الكربلائية بحر من المعرفة لأنك كلما تأملت في أحداثها كلما ظهر لك أمور لم تكن بالحسبان، فهي ساحة فيها الكثير من الأحداث والمواقف والآراء، فيمكن للباحث أن يضع بنانه على أية نقطة وسيخرج ببحثٍ فيه الكثير من النفع للأمة.

وهناك موضوع من مواضيع الثورة الحسينية قلّ من يتحدث فيه أو يطرح شيئاً منه على طاولة التداول، وسبب عدم الخوض في مثل هذه البحوث يعود إلى عدة أسباب: منها عدم إدراكهم لهذا الموضوع، ومنها: خوفهم من الخوض فيه كيلا يشار إليهم بإصبع الإتهام، ومنهما: عدم وجود المنفعة في مثل هذه المواضيع بحسب آرائهم، وهناك أسباب غيرها لا يسع المجال لطرحها في هذا البحث، وأنا من الذين آمنوا بأنه لا يوجد شيء يتصل بأهل البيت من قريب أو بعيد إلا وفيه منفعة للبشر، ولكن هذه المنفعة إما أن تكون مألوفة ومتداوَلة بين الناس وإما أن تكون غريبة نوعاً ما، أما المألوف والمعلوم فلا يستفاد منه إلا بالتذكرة وتحريك ما استقر في القلوب منذ زمن، فقد يحصل الملل لدى البعض من تكرار شيء بذاته، أما إذا بحثنا دائماً واستخرجنا المفاهيم التي يعتقد البعض بأنها غريبة فسوف يكون ذلك دعماً وتثبيتاً للمألوف والمعروف، وقد يكون ذلك ضرباً من ضروب اللامبالاة بواقع الأمر، وعدم الشعور بالمسؤولية، وأنا هنا أحمّل المسؤولية لمن نصّبوا أنفسهم خداماً لمنبر أهل البيت، فكل من التزم هذا النهج يجب عليه أن يؤدي وظيفته تامة وصحيحة أي بكل أمانة وحذر وهذه المسؤولية ليست تبرعاً منهم بل هو واجب عليهم.

هؤلاء لا طاقة لهم على البحث والتأمل والقراءة واستخراج الأفكار المخفية فهم يكررون نفس المعلومات في كل سنة وفي نفس المكان وربما بنفس الحضور، وهذا فيه شيء من الإستخفاف إما بالحاضرين أو بذكرى كربلاء التي هي سبب وجودنا واستمرارنا.

قد يكون حامل هذه المسؤولية حملها من الأساس للتشريف وليس للتكليف، فقد يكون بلا دين ولا أخلاق وقد يكون أحد أعداء أهل البيت(ع) ولكنه يجد ذاته في التمظهر بهذا الشكل وبتلك الطريقة.

فالموضوع الذي أريد أن أطرحه في هذا البحث هو بيان الحالة النفسية التي كان عليها أعوان يزيد في كربلاء فإنه مما لا شك فيه أن أفراد جيش يزيد لم تحركهم روح واحدة ولا هدف واحد ولم يكن الجميع بمستوى واحد من المعرفة حيث كان فيهم الذكي والأبله والقوي والضعيف والآتي بملئ إرادته والآتي خوفاً من عقاب يزيد، وأنا أرى أنه من الضروري أن نعرف حالاتهم، ولا أريد أن يفهم أحد قصدي على غير وجهه، أنا لا أبحث بذلك لأبرّأ أحداً، فلا أحد من الطرف اليزيدي بريء، الكل مجرمون قاتلون، ولكنني أهدف من خلال هذا البحث إلى الكشف عن الطريقة التي يستعملها الظالم لتنفيذ خططه وعن الطريقة التي يتعاطى بها الجبان في الأمور التي لا يؤمن بها.

لقد تحدثنا وتحدث غيرنا كثيراً عن أصحاب الإمام الحسين رضوان الله عليهم كيف ثبتوا على موقفهم رغم أن الحسين أذن لهم بالرحيل عنه فأبوا أن يتركوه وحيداً حيث علموا أن الجنة بانتظارهم وأن الله تعالى سوف ينصر الإسلام على أيديهم فلم يبالوا بالسيوف والرماح ولا بالعطش الذي كان يكوي أكبادهم، فلقد كان جميع أصحاب الحسين بمستوى واحد من التوجه والخشوع والإرادة لأن الجميع أتوا إلى كربلاء بملئ إرادتهم وهم يعرفون المصير، يعرفون أنهم لن يرجعوا إلى ديارهم وأولادهم وتجاراتهم ولم يُخفِ الحسين عنهم أمراً فلقد أخبرهم من البداية أنه ذاهب للشهادة فرافقوه على هذا الأساس، أما جيش يزيد فقد كذب القادة عليهم وخدعوهم وغرروا بهم وأغروهم برضا الخليفة عنهم وأن الله يعاقب مجموعة خارجة على الخليفة وأنهم هم الواسطة التي تنفذ إرادة الله فكانت الواسطة التي نفذت إرادة الشيطان المتمثل بيزيد وأعوانه.

ندخل في صلب الموضوع لنستفيد أكبر كمية ممكنة من المعلومات حول الجنود الذين أتوا لقتل الحسين وبالتالي قتل الإسلام كيف أتوا ولماذا وما هي أهدافهم وما هي الوسائل التي استعملها الحكام معهم حتى أقنعوهم ببيع دينهم وضمائرهم من دون مقابل واضح.

لقد حاول يزيد أن يجبر الحسين على المبايعة فرفض الحسين ذلك فراح يزيد يتعمل مع الهاشميين وأتباعهم بكل قسوة حتى فرض عليهم حصاراً شديداً بهدف إجبارهم على الخضوع والخنوع فلم ير الحسين أمامه سوى الخروج من المدينة إلى مكان بعيد عن سلطة يزيد وعيونه حتى يتسنى له العمل بحرية أكثر، فخرج من المدينة برفقة نسائه وأولاده وبعض أصحابه وتوجه نحو مكة، فأرسل إليه يزيد جموعة من جواسيسه ليقتلوه ولو كان متمسكاً بأستار الكعبة الشريفة فعرف الحسين ذلك ففضّل الخروج من مكة كيلا تُهتك حرمة الكعبة بقتله في داخلها ولم يخرج خوفاً من يزيد لأنه لو كان خائفاً من يزيد لتصرف بشكل آخر، فوصل إلى كربلاء بعد فترة من الزمن وكان وصوله إليها في أوائل شهر محرم سنة إحدى وستين للهجرة، وحوصر هناك أياماً حتى يصل إليه جيش يزيد وقد كان الحسين عارفاً بجميع تحركات الطرف اليزيدي وليس بحاجة إلى من يخبره التفاصيل فهو الإمام المعصوم الذي له وسائله الخاصة بينه وبين الله تعالى.

فحشد يزيد أكثر من ثلاثين ألف مقاتل أغلبهم من سكان القرى البعيدة عن مكة والمدينة وقد كان من وراء ذلك هدف ليزيد لأنه لو حشد له من يعرف الحسين شخصياً لحصل خلل في خطته وهو لا يريد أن تفشل تلك الخطة لأنها كانت فرصته الوحيدة قبل أن يتحرك العلويون في أقطار العالَم.

فوصل جيش يزيد إلى أرض كربلاء وكانوا أصنافاً:

منهم من كان يعرف الحسين بالإسم فقط، ومنهم من كان يعرفه بالإسم والجسم، ومنهم من لا يعرفه أساساً، وليس الهدف من هذا التصنيف تبرير موقف الجاهلين بهوية الحسين حيث سوف نعرف بعد قليل أن الجميع عرفوه لأنه(ع) قد صرّح لهم بذلك.

فالدعاية الأولى التي روّجها يزيد في صفوف زنادقته هو أنه يلاحق مجموعة من الناس خرجت على حكمه فهو يريد أن يعاقبهم لأنهم خالفوا أمر الله عندما خالفوه، وقد أضافوا إلى تلك الدعاية التهديد والوعيد لكل من يفكر بمخالفة يزيد، وضموا إلى ذلك وسائل الإغراء لمن هم والهون بالملك كعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن.

ولكي نحصر الفكرة أكثر نتكلم عن أحوال جيش يزيد ضمن عناوين:

أولاً: هل كل من حضر أرض المعركة من جيش يزيد قد ضربوا واحداً من الأهل والأصحاب أو ضربوا جسد الحسين برمح أو سيف أو حجر؟ هذا سؤال وجيه ولكن لم يستطع الإعلاميون المتواجدون على أرض المعركة أن يحصوا كل شيء فلم يكتبوا سوى ما قدروا على معرفته فلم يوجد في كتاباتهم تحليل ولا تنظير بل كتبوا ما رأوا.

فهؤلاء منهم من ضرب أحداً بسيفه أو رمحه أو حجره ومنهم من أراد أن يصنع ذلك ولكن بسبب ازدحام المقاتلين لم يوفَّق لذلك، ومنهم من لم يصل إلى أحد من الطرف الحسيني إما خوفاً من الحسين وأصحابه الشجعان، وإما أنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة فأوهم الحكام أنه معهم وهو في الحقيقة عدو لهم، وفي كلتا الحالتين لم يكن الظرف آنذاك ملائماً للعمل بالتقية أو التورية لأن الواجب على المؤمن بالله تعالى هو أن يضرب بسيفه بين يدي الخليفة الحق الحسين بن علي(ع)

فالذي ضرب بسيفه، والذي نوى أن يضرب ولم يستطع أن يصل إلى أرض القتال، والذي لم ينو الضرب، كلهم شركاء في تلك الجريمة، لأن نفس مجيء الفرد تحت لواء يزيد هو خيانة لله ورسوله والإسلام الذي كان وما زال بريئاً من يزيد وأمثاله وأعوانه وإن كانوا يصلون ويصومون ويحجون، ويشاركهم في تلك الجريمة كل من علم بالأمر ولم يأت إلى أرض المعركة لنصرة دينه الذي بذل الحسين دمه من أجله، ولذا أحسن من قال: لقد شاركت الأمة كلها في قتل الإمام الحسين عندما كانوا يقولون ما لنا وللدخول بين السلاطين.

ثانياً: موضوع عدد أفراد جيش يزيد: فلقد ذكر المؤرخون أن عدد جيش يزيد قد تجاوز الثلاثين ألفاً وهناك بعض الروايات تنص على أن العدد كان أكبر من ذلك حيث أخفى قادة الجيش الرقم الحقيقي لعدد أفراد جيشهم لأن ذلك أمر مَعيب عند الجيوش لأنه يدل على ضعف إرادتهم وتراجع عزائمهم وخوفهم من الطرف الآخر، ولا شك بأن يزيداً كان خائفاً من الطرف الحسيني، إما لأن قوة الحسين(ع) باهرة كما كان أبوه علي(ع) الذي أرعب الأبطال وغلب الفرسان الشجعان ولم يستطع أقوى رجل في العالم أن يواجهه، وإما أن يزيداً كان خائفاً من ردة الفعل فاحتاط في جمع هذا العدد خوفاً من حضور الهاشميين وأعوانهم لنصرة إمامهم، وهناك استنتاج آخر يليق بشأن يزيد بن معاوية وهو أنه أحضر هذا العدد كدليل على مدى حقده ولؤمه فلقد قرر أن يمزق جسد الحسين وأجساد المناصرين له ويمثّل بأجسادهم ليتشفى بذلك ويثأر لأسلافه الذين كانوا أقبح منه نفساً وسلوكاً وأسوأَ عملاً.

ولذا فإنه عندما يذكر الراوي أو المؤرخ أو الخطيب ذكر هذا العدد الذي بلغ ثلاثمائة ضعف الجيش الحسيني فإنه لا يبالغ في الأمر، ويدل على ذلك تقسيم جيش يزيد إلى كتائب متعددة كانت الكتيبة الواحدة منها تُعد بالآلاف.

ثالثاً: لم يكن أفراد جيش يزيد من ملة واحدة أو قبيلة واحدة أو مدينة واحدة وإنما جمعهم من ملل عديدة ومدن كثيرة ليضيع دم الحسين وأصحابه بينهم كما صنع أسلافه عندما جمعوا أربعين شخصاً من أربعين قبيلة ليقتلوا الرسول محمداً(ص) فهذا سلوك توارثه الأمويون من الآباء والأجداد الذين ساءت سيرتهم وقبُحَت سريرتهم واسودَّ تاريخهم الذي كان أسوداً بطبعه.

كان في جيش يزيد الأبيض والأسود والنصراني والمجوسي وربما كان بينهم أشخاص ليسوا من العرب وليس ذلك ببعيد عن سلوك يزيد لأنه كان مستعداً أن يستعين بالشيطان كرهاً منه للنبي وآله(ص) الذين تحولوا إلى هاجس وكابوس وعقدة في حياته، وهذه الروحية التي اكتسبها من البيت الأموي الذي حفِل تاريخه ببغض الحق وأهله، فلقد أبغض أمية جد معاوية هاشماً جد النبي وأبغض صخر والد أبي سفيان عبد المطلب، وأبغض أبو سفيان رسول الله ومن آمن به، وأبغض معاوية علياً ومُواليه، وأبغض معاوية وولده يزيداً الحسن والحسين والإسلام، وهذا نموذج صغير عن قبح تلك الشجرة الملعونة التي لا أريد أن ألوث البحث بذكر قبائح أصولها وفروعها.

رابعاً: لم يصل جيش يزيد إلى أرض كربلاء دفعة واحدة حيث استقطبوا من أماكن متفاوتة في بُعدها عن أرض كربلاء، وإنما كانت تصل المجموعة تلو المجموعة، ولعل بعض تلك المجموعات كانت تسير ليلاً خوفاً من افتضاح أمرها.

خامساً: الذين شاركوا في قتل الحسين دون أن يعرفوا هويته هم أناس مجرمون متعطشون لشرب الدم إذ لا ينبغي أن تقتل الشخص أو تشارك في إهراق دمه قبل أن تتعرف على عموميات هويته على الأقل ولذا كان الجميع مسؤولين عن تلك الجريمة عند الله تعالى وفي ضمير الأمة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى