
أنا فاطمةُ الزهْرَاء
هناك كلمة أطلقتها الزهراء(ع) وقد دوى صداها في أرجاء الكون حيث أطلقتها وهي حزينة على أوضاع الأمة، وخائفة على مصير الدين الذي استعمله أصحاب المطامع غطاءاً يسترون به عيوبهم ويخفون به جرائمهم وقبحهم وخبثهم، لقد أطلقت كلمتها الشهيرة وهي على تلك الحالة من الضعف والمظلومية وإنكار الناس لحقها وشأنها ومكانتها عند الله ورسوله فوقفت أمام الملأ وقالت:
(أيها الناس إعلموا أني فاطمة)
وأمام هذه العبارة والهدف من إطلاقها يتردد على أذهاننا سؤال دقيق خصوصاً وأن كثيراً من المؤمنون يرددون هذه الكلمة في جلساتهم ويتغنون بعبارات خطبة الزهراء التي كانت قمة في الفصاحة والبلاغة، ولكن كثيراً منهم مع الأسف لم يبحثوا عن سبب إطلاقها مع أن كل الناس كانوا يعرفون بأن التي تخاطبهم هي فاطمة الزهراء(ع) وإذا كان الجميع يعرفونها فلماذا قالت لهم (إعلموا أني فاطمة)؟ طبعاً إن المعصوم لا ينطق باللغو لأنه منزه عن كل عيب ونقص، وإذا كان المعصوم منزهاً عن اللغو معنى ذلك أنه يوجد وراء هذه الكلمة هدف غير بيان شخصية المتكلم، وهنا نحاول أن نبين السبب في إطلاق هذه الكلمة.
وقبل الخوض في بيان السبب أذكر لكم مثالاً من واقعنا يوضح لنا الفكرة قبل بيان الجواب، هناك شخصان يعرفان بعضهما البعض معرفة وافية وربما يكونان أخوين أو قريبين فيختلفان مع بعضهما فيأتي المظلوم منهما ويقول للظالم :يا فلان أنا فلان، هو يعرف أنه فلان كما يعرف نفسه، فلماذا يقول له أنا فلان؟ هو يقول له ذلك من باب التأنيب، وكأنه يقول له :أنا الذي علمتك وأعلتك وصنعت معك المعروف، وأنا الذي مدحني فلان وأثنى عليّ فلان حتى تأتي أنت وتنكر هذا الفضل.
نفس هذا المعنى يمكن استعماله في عبارة الزهراء(ع) فكأنها تقول لهم :لماذا ارتكبتم هذه الجريمة في حقي وأنتم تعلمون أني فاطمة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وأنني التي أوصاكم الرسول بي خيراً، فلماذا تناسيتم وصايا النبي وأنتم تعلمون بأنه لا ينطق إلا بوحي من الله وأن الراد على رسول الله راد على الله عز وجل، وكأنها تريد أن تقول أنا فاطمة التي تجب طاعتي، وأنا من كان أبوها رسول الله وأنا التي ترعرعت في أحضان الرسالة، فأنا أعلم منكم بأحكام الله، ولذلك قالت في خطبتها: أيّها الناس اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمد: وهي هنا لا تتكل على النسب فقط وإنما تذكر لهم بأنه جزء من الرسالة.
ثم تابعت كلامها قائلة: (أقول عوداً وبدءاً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)
وهنا تؤكد لهم بأن الله تعالى منّ عليهم بنعمة عظمى حيث بعث فيهم رسول الله وهو منهم، أي من مكة المكرمة ومن قريش، وهو حريص على المؤمنين باذل في سبيلهم كل غال ونفيس، وهذا كلام الله تعالى في سورة التوبة.
ثم قالت(ع) (فإن تَعْزوهُ وتعرفوه تَجِدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابنِ عَمّي دون رجالِكم)
إذا راجعتم حساباتكم قليلاً ورجعتم إلى الوراء برهة من الزمن فسوف تعرفون – وأنتم تعرفون – بأن محمداً(ص) هو أبي وليس أب إحدى نسائكم، وسوف تجدونه أخا ابن عمي، يعني أخ علي بن أبي طالب، لأنه(ص) في يوم المؤاخاة قد آخى بين المهاجرين والأنصار وآخى بينه وبين علي بن أبي طالب لكونه أقرب الناس إلى الله ورسوله، وهناك قال له الرسول :أنت أخي ووصيي ووزيري: وهنا تُظهر للناس مدى العلاقة والرابطة الروحية والرسالية بينها وبين أبيها من جهة، وبينها وبين زوجها من جهة ثانية، وبينهما وبين رسول الله من جهة ثالثة، وهذا الأمر لا ينبغي أن يكون ببلاش، بل إن له آثاراً يجب أن تظهر على أيدي الناس، وأقل آثاره هو أن يطيع الناس إبنة رسول الله وأخاه في الله علي بن أبي طالب الذي تم تعيينه وتنصيبه من قبل الله سبحانه وتعالى حيث علم الله بأن أفضل خلق الله بعد محمد هو علي ابن أبي طالب الغيور على الرسول والرسالة، والحافظ لدين الله، وراعي الأمة ومدبر شؤونها.
ونحن على اعتقاد بأن جميع الحاضرين أمام الزهراء آنذاك كانوا يعرفون ما تقوله حق المعرفة، وإنما حاولت أن تذكرهم علهم يتذكرون وتعظهم لعلهم يتعظون ويرجعون عن غيهم وضلالهم وانحرافهم عن جادة الحق.
ثم قالت(ع): (وَلَنِعْمَ المعزّي إليه)
وهو مدح لرسول الله(ص) الذي حاول جميع أصحاب المطامع أن يسلخوا ذكره من قلوب المؤمنين لأنهم ما داموا يذكرون رسول الله فهناك أمل في رجوعهم إلى الحق، فرأوا بأن أفضل وسيلة للفصل بين الناس ورسول الله هو إبعاد ذكره عنهم، ولكنهم لم ينجحوا في تنفيذ هذه المؤامرة الهادفة إلى إطفاء نور الله المتمثل بالنبي وآله، فأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون والمشركون والظالمون والمنافقون.
وقد امتزت علاقة الزهراء بأبيها (صلوات الله عليهما) عن علاقة أي ولد بوالده، أو والد بولده، فلقد حدثنا التاريخ المشرق عن مدى تلك العلاقة بينهما، وأنها لم تتوقف عند علاقة الأب بابنته، وإنما كانت علاقة مؤمن بمؤمن ومعصوم بمعصوم ورسالي برسالي، ولقد أوضح لنا النبي مراراً حقيقة معاملته المميزة للزهراء مبيناً بأن الله تعالى هو الذي أمره بذلك حيث قال لإحدى زوجاته عندما شاهدت منه العجب في تعاطيه مع الزهراء البتول فاستنكرت هذا الإحترام الكبير لها إذ كيف يقف الوالد لابنته احتراماً لها كلما دخلت على مجلسه أو كيف يمكن للوالد أن يقبل يد ابنته، فرد عليها النبي بقوله: أسكتي يا فلانة إن الله تعالى أمرني بحبها:
وهذا ما نلاحظه من خلال وصف الزهراء لأبيها فإنها لم تحدثنا عن معاملته الخاصة لها بل حدثتنا عن جهاده في سبيل الله والإسلام والأمة، وذكرت لنا فضائله على الناس، وهذا من شأنه أن يؤكد لنا بأن العلاقة بينهما كانت علاقة ربانية ورسالية أكثر من كونها علاقة نسبية، حيث لا يتعامل المؤمن مع المؤمن من منطلق النسب بل من منطلق الإيمان لأن المؤمن قريب من المؤمن وأخٌ له وإن لم تربطهما علاقة نسبية، وقد ورد في الحديث :المؤمن أخ المؤمن:
الشيخ علي فقيه


