منوعات

كلمة بولادة الإمام الحسن(ع)

الشيخ علي فقيه

كلمة بولادة الإمام الحسن(ع)

في البداية نهنئ المؤمنين والمؤمنات خاصة والمسلمين والمسلمات عامة بذكرى ولادة ثاني أئمة الهدى ورابع أهل الكسا شبيه رسول الله خَلقاً وخُلقاً الإمام الحسن الزكي المجتبى، وبولادة هذا الإمام العظيم وُلد أمل جديد للأمة من آمال خلاصها وحفظها وإنقاذها، وأضيء مصباح رابع من مصابيح الهدى التي تعاقبت أنوارها بدءاً من النبي الخاتم ووصولاً إلى المنقذ القائم.
لقدكان رسول الله(ص) قبل خروج الحسن إلى هذه الحياة مغتماً لما سمعه من بعض المشركين الذين عيّبوا عليه بأنه أبتر لا عقب له حيث توفي أولاده الذكور وهم صغار، فطمأنه رب العالمين تعالى بأنه جعل عقبه في نسل فاطمة الزهراء(ع) التي كانت الكوثر بالنسبة له(ص).
ففي السنة الثالثة للهجرة الشريفة وفي ليلة النصف من شهر رمضان المبارك في المدينة المنورة خرج إلى هذه الدنيا نورٌ من أنوار الهداية حيث وُلد فيها الإمام المجتبى والسبط الأكبر لرسول الله الحسن بن علي وفاطمة، وهناك امتلأ وجه الرسول بعلامات الفرح وابتهج قلبه سروراً حيث كانت ولادة هذا النور امتداداً للرسالة لأنه سوف يكون أحد روادها في الأزمان الآتية.
أتى الرسول مسرعاً قائلاً: يا أسماء أين ولدي؟ فناولته الحسن وراح يملأ أذنيه ومسامع قلبه بكلام الله عز وجل ويغذيه روحياً منذ تلك اللحظات الأولى لحياته الشريفة.
فتناوله الرسول(ص) والفرحة تملأ قلبه وراح يشمه ويقبّله، ولفه في خرقة بيضاء.
وجاء الإمام علي إلى فاطمة وسألها عن اسم المولود، فأجابته: ما كنت لأسبقك، فأردف عليّ قائلاً: وما كنت لأسبق رسول الله (ص) فجاء الإمام علي إلى رسول الله فسأله عن اسم المولود، فأجاب رسول الله (ص)! وما كنت لأسبق ربّي.
وانتظر الوحي من السماء ليُقضى في شأنه أمرٌ، وإذا بجبرائيل الأمين ينزل على الرسول(ص) ويبلغه سلام ربه وتبريكاته بهذا الوليد الجديد ويأمره بأن يسميه حسناً ففعل ذلك.

لقد حصلت للإمام الحسن(ع) يوم ولادته كرامة فوق كراماته حيث كان أشبه الناس بجده المصطفى(ص) ولقد كان بنوا هاشم كلما اشتاقوا إلى رسول الله نظروا إلى سبطه الحسن، ولم تكن تلك المشابهة خَلقية فحسب، وإنما كانت مشابهة خُلُقية أيضاً حيث اجتمع في الحسن(ع) أكثر الصفات التي حازها الرسول الأعظم(ص).
فعندما وُلد الإمام الحسن(ع) عقّ الرسول(ص) عنه بعقيقة فذبحها ووزّع لحمها على الفقراء فأصبح ذلك سنّة متَّبَعة في الإسلام، وقال(ص) حينها: اللـهم عظمُها بعظمــــــه، ولحمُها بلحمه ، ودمُها بدمه ، وشعرُها بشعره ، اللـهمَّ اجعلها وقاءً لمحمد وآلـــه:
ويحكي لنا التاريخ الصحيح أنه في يوم من الأيام وبينما كان الرسول(ص) يحمل سبطه الحسن جاءت إليه أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب فبادرها بقوله: رأيت رؤيا في أمري؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: قصّيها، قالت: رأيت كأن قطعة من جسمك وقع في حضني، فناولها الرسول (ص) الرضيع الكريم ، وهو يبتسم ويقول : نعم هذا تأويل رؤياك إنه بضعة مني، وهكذا أصبحت أم الفضل مرضعة الحسن (ع) .
لقد نشأ الإمام الحسن المجتبى(ع) في أحضان النبوة حيث رباه جده النبي(ص) على الهدى والتقوى والورع وكل مكرمة وفضيلة فتخلّق بأخلاقه ونهل من معين فضائله فأصبح في الناس كجده قولاً وفعلاً ومضموناً.
ويكفي في بيان صناعة شخصية الحسن أنه فتح عينيه على هذه الدنيا وهو بين أعظم ثلاثة في الوجود محمد جده وعلي أبيه وفاطمة سيدةِ النساء أمه.
وقد كان الرسول يقول دائماً الحسن مني والحسين من علي: هذا ما قاله النبي الأعظم(ص) في شأن الحسن والحسين، والسبب في ذلك هو أن الحسن(ع) ورث الصفات من أمه التي ورثت صفات أبيها فكان الحسن كجده في سلوكه السياسي والإجتماعي وغيرهما، بينما ورث الحسين(ع) صفات أبيه فكان مثله في الحرب والسلم واتخاذ المواقف.
لقد أولاه جده اهتماماً بالغاً حيث كان يؤهله لقيادة الأمة لأن معاملة الرسول لسبطيه على وجه الخصوص لم تنحصر في تعامل جد مع أولاد بنته أو أولاد ابنه مما أنبأ عن كونه كان يصنعهما على عينه ويرفق بها لتكون معاملته لهما غذاءاً روحياً ينفعهما والأمة في المستقبل.
كان النبي(ص) يلاطف الإمام الحسن ويداعبه ويدنيه من وجهه وصدره ويزف إليه كلمات عظيمة ويتصرف معه بما يتناسب مع مقامه، وفي يوم من الأيام كان(ص) يصلي في الناس فتباطأ في رفع رأسه مما أثار جدلاً بين المصلين، وبعد الفراغ منها سألوه عن ذلك فأجابهم: جاء الحسن فركب عنقي ، فأشفقت عليه من أن أُنزله قسراً ، فصبرت حتى نزل اختياراً:
وفي أحد الأيام كان النبي(ص) يعظ الناس على المنبر وإذا به يرى الحسن والحسين يمشيان ويتعثران بثوبهما فيقطع كلامه وينزل عن المنبر ويأخذهما وهو يقول(اَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَــةٌ)
ويذكر المؤرخون بأن النبي(ص) كان كثير الذكر لهما حيث كان يحدّث الناس عنهما كثيراً ليلفت أنظار الناس إلى شأنهما، وكان يصطحبهما معه في أسفاره القريبة.
وفي يوم من الأيام دخل الرسول بيت فاطمة فلم يجد فيه أحداً فخرج وجلس في فناء مع أصحابه وإذا به يرى الحسن قد أتى فأخذه ثم راح يقبّله في فمه ويقول: الحسن مني والحسين من علي.
وبعد رحيل الرسول وابنته البتول وابن عمه الإمام الأكبر أصبح الحسن الخليفة الشرعي للمسلمين فكانت معاملتهم معه كمعاملتهم مع أبيه تلك المعاملة القاسية والجافة والتي كانت السبب الأكبر في انقسام المسلمين وارتكابهم للمجازر بحق بعضهم البعض، لقد تولى الحسن(ع) مسؤولية الخلافة مع وجود المناوئين له والطامعين بالملك فواجههم بكل وسيلة ممكنة حتى أسس جيشاً كبيراً للقضاء على معاوية وأذنابه فاستعمل معاوية أساليبه الشيطانية وأغرى أتباع الحسن وقائدهم عبيد الله بن العباس بالمال الوفير حتى تفكك جيش الحسن ولم يصمد معه سوى قلة قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع فاضطر الحسن لإجراء ذلك الصلح مع معاوية الذي سبق الحسن بالإفتراءات والدعايات الكاذبة حيث بثّ بين الناس بأن الحسن قد بايعه وهذا أمر بعيد عن الواقع وعار عن الصحة لأن المعصوم لا يتخلى عن ذرة من حقوق الدين والمسلمين حتى لو قُتل ألف مرة.
هناك فرق شاسع بين الصلح والمبايعة فإن المبايعة إقرار واعتراف واستسلام وهذا ما لم يكن وارداً في أجندة الإمام الحسن الذي أجرى الصلح بكل عزة وكرامة وذكر فيه الشروط التي فرضها على معاوية والتي قبلها معاوية الذي كان يخطط للتخلص من الإمام بطريقة ذكية وخفية.
أما الصلح فهو أشبه ما يكون بالهدنة بين المتخاصمين وهو أمر مشروع قد قام به النبي(ص) مراراً بهدف كسب الوقت والتأسيس والحصول على القوة اللازمة.
لقد ظُلم الحسن في حياته وبعد استشهاده وما زال كثير من محبيه أيضاً يظلمونه وهم لا يشعرون فإن عدم اهتمامهم الأكيد بتاريخ الإمام الحسن إنما هو ظلم له.
لقد رأى معاوية بعد إجراء الصلح أن أفضل طريقة للراحة والإستفراد بالساحة هو قتل الإمام الحسن(ع) غيلة حيث كان عاجزاً عن قتله في العلن، وقد استطاع معاوية أن يتصل بجعدة بنت الأشعث وراح يعرض عليها الإغراءات المادية ويحدثها عن الأموال الطائلة والضِياع والثروة التي سيعطيها إيّاها والتي بلغت عشرة آلاف دينار وإقطاع عشرة ضياع من سورار وهي موضع بالعراق من بلد السريانيين، وسواد الكوفة، ووعدها أيضاً بتزويجها من ابنه يزيد… ولكن بشرط أن تدس السم إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، فلم تطل التفكير في الأمر بل أعطت موافقة فورية.
وفي اليوم المحدد جاءت جعدة بالطعام المسموم وقدمته إلى الإمام الحسن (عليه السلام) فلمّا وضعته بين يديه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين وأمي سيدة نساء العالمين، وعمي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء صلوات الله عليهم أجمعين.
وما أن رفعت جعدة المائدة من تحت الإمام (عليه السلام) حتى بدأ السم ينتشر داخل جسمه ويقطع أمعاءه فكان السم يسري.. والألم يسري معه..
جاء إليه أخوه الإمام الحسين (عليه السلام) فلمّا رأى حاله بكى، فقال له الحسن (عليه السلام): ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكي على ما أراك فيه. فقال له الحسن (عليه السلام): لا يوم كيومك يا أبا عبد الله يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدّعون أنهم من أمة جدنا، وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك، وسبي ذراريك ونسائك وأخذ ثقلك، فعندها تحلّ ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار
وظل الإمام الحسن يكابد الألم وقد سيطر السّم على كل أنحاء جسمه حتى أنه شكا لأخيه الحسين قائلاً: (يا أخي سقيت السّم ثلاث مرات لم أسق مثل هذه، إني لأضع كبدي).
يقول جنادة بن أبي أمية: (… ثم انقطع نفسه وأصفر لونه، حتى خشيت عليه، ودخل الحسين (عليه السلام) والأسود بن الأسود عليه، حتى قبّل رأسه بين عينيه، ثم قعد عنده فتسارّا جميعاً فقال أبو الأسود: إنا لله إن الحسن قد نعيت إليه نفسه.
ودنا الإمام الحسين من أخيه الحسن فوجد أن وجه الإمام يميل إلى الاخضرار فقال الإمام الحسين: مالي أرى لونك إلى الخضرة؟ فبكى الحسن؟ وقال: يا أخي لقد صحّ حديث جدي فيّ وفيك.
ثم تعانقا طويلاً وتعابرا ثم بكيا كثيراً فسأل الإمام الحسين أخاه الحسن عن حديث رسول الله (ص) فقال الإمام الحسن (عليه السلام): (أخبرني جدّي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، على منازل أهل الإيمان رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة إلا أن أحدهما من الزبرجد الأخضر والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرائيل لمن هذان القصران فقال: أحدهما للحسن والآخر للحسين (عليهما السلام). فقلت: يا جبرائيل فلم لا يكونان على لونٍ واحد؟ فسكت ولم يرد جواباً، فقلت لم لا تتكلم؟ قال: حياءً منك. فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني فقال: أما خضرة قصر الحسن فإنه يموت بالسم ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين فإنه يقتل ويحمر وجهه بالدم.
ثم سكت الإمام الحسن (عليه السلام) وقال كلمته الأخيرة عليكم السلام يا ملائكة ربي ورحمة الله وبركاته وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها.
وبعد ذلك تولى الإمام الحسين (ع) مهمة تغسيل الجسد الطاهر وتكفينه ولفّه، وبعدها حملت جنازة الإمام الحسن (ع) إلى مسجد رسول الله (ص) ولمّا وصلوا المسجد اعترض مروان طريق الجنازة للحيلولة دون الدخول بها إلى المسجد، ثم مضى إلى عائشة يحرضها على منع دفن الإمام الحسن عند جده، فجاءت عائشة على بغلة لتمنع دفن الإمام، فدنا عبد الله بن عباس منها وزجرها وقال لها: يوم على الجمل ويوم على البغل، أو قال هو أو غيره: تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت. فلم تنتهر، بل قامت بتهييج بني أمية، فأقدموا على رشق جنازة الإمام بالسهام،
فجرد بنو هاشم السيوف لمواجهة سهام بني أمية، لو لا تدخل الإمام الحسين الذي التزم بوصية أخيه الإمام الحسن، ثم أمر الحسين (ع) بأن تحمل الجنازة إلى البقيع، فمالوا بالجنازة نحو البقيع. وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحداً من الزحام وقد بكاه الرجال والنساء سبعاً، واستمر نساء بني هاشم ينحبن عليه شهراً، وحدّت نساء بني هاشم عليه
وقبل أو يوارى الجثمان الطاهر للإمام الحسن (عليه السلام) دنا منه أخوه محمد بن الحنفية ونعاه قائلاً: رحمك الله يا أبا محمد، فوالله لئن عزّت حياتك لقد هدّت وفاتك، ونعم الرّوح، روح عُمّر به بدنك ونعم البدن، بدن ضمه كفنك، لم لا يكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحلف أهل التقوى، ورابع أصحاب الكساء، غذتك كفّ الحق، وربيت في حجر الإسلام، وأرضعتك ثديا الإيمان، فطب حيّاً وميتاً، فعليك السلام ورحمة الله وإن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك ولا شاكّة في الخيار لك.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى