
خَلْقُ السمَوَاتِ وَالأَرْضِ فِيْ سِتةِ أَيام
فيما سبق تحدثنا عن خلق السموات والأرض بشكل عام، أي من دون أن نشير إلى المدة الزمنية التي تمّ خلقهما فيها، وفي هذا البحث سوف نشير إلى ما ذكره القرآن الكريم من الزمن في خلقهما لنبيّن الحكمة من وراء ذلك.
وقبل البحث في هذا الموضوع المتعلق بأصل التكوين لا بدّ من الإشارة إلى معتقَدٍ ثابت عندنا لا يتغيّر ولا يتبدل ولا يخرج من قلوبنا ولا ينقشع عن عقولنا ولا ينفصل من بصائرنا، وهو أن الله جلّ ذكره وعزّ اسمه قادر على أن يخلق مثل ما خلق وأكثر بأضعاف لا تقاس في لحظة واحدة، وقد أكّد لنا القرآن الكريم هذا المعتقدَ حيث أشار إلى هذه الحقيقة بقوله سبحانه(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ){يس/81}
وهذا مبدأ قرآني واضح لا يحتاج إلى أي إيضاح أو أي دليل، فعندما يخبرنا الله تعالى بأنه قادر على كل شيء كما في العديد من آيات القرآن فمعنى ذلك أنك مهما ذهبت بعيداً في مخيلتك فلا يكون ذلك صعباً على الخالق تعالى.
وبما أن القدرة مطلقة فلماذا استغرق الخلق ستة أيام؟ وهل الأيام التي ذكرها القرآن الكريم مطابقة لأيام الدنيا، فهل يعني أن خلق السموات والأرض تم في غضون مئة وأربعة واربعين ساعة؟ هذا ما سوف نجيب عليه بعد ذكر الآيات الكريمة التي أشارت إلى هذه الحقيقة.
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ){الأعراف/54}
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ){يونس/3}
(وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ){هود/7}
(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا){الفرقان/59}
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ){السجدة/4}
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ){ق/38}
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ){الحديد/4}
لا ينبغي للعاقل أن يكون متسرعاً في إصدار الحكم على أي شيء، ولا ينبغي له أن يستسلم لما يتبادر إلى ذهنه من دون العودة إلى أهل العلم والإختصاص في مختلف المجالات، فإذا حصل ذلك فلا يكون العقل فيه سليماً، وإذا كان طبعه يفرض عليه ذلك فيجب عليه أن يغيّر طبعه بالتطبع ليعتاد على طرق جديدة في فهم المعاني وإدراك الأمور بعد دراسة كل ما يتعلق بها لأن الحقيقة في الأغلب تختفي وراء كلمة أو حرف أو حركة إعرابية، وخصوصاً في كتاب الله العزيز المليء بالأسرار اللغوية والمعنوية والإعجازية والعلمية.
نحن نقرأ في القرآن الكريم لفظة(يوم) بالصيغ الثلاث(مفرد مثنى جمع) ويتبادر إلى أذهاننا معنى الدورة اليومية للأرض حول نفسها والتي تستغرق أربعة وعشرين ساعة، فقد يكون هذا التبادر صحيحاً فيما إذا كان المعنى القرآني قاصداً ذلك كما في قوله تعالى في سورة البقرة(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) وقوله سبحانه(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) وقد يكون هذا التبادر خاطئاً فيما إذا لم يقصد القرآن ما قصده في الآيتين المذكورتين كحديثه عن يوم القيامة أو يوم تقوم الساعة أو يوم لا ينفع مال ولا بنون أو خلق الأرض في يومين وتقدير أقواتها في أربعة أيام.
فقبل أن نتابع هذا البحث ينبغي أن ننفي من أذهاننا فكرة اليوم العادي كأيامنا في هذه الدنيا التي تقاس بدورة الأرض، فهناك أيام حدثنا القرآن عنها ليس فيها شمس ولا قمر ولا دوران كواكب حول بعضها البعض ولا غير ذلك.
فهل برأيكم أن حساب آلاف المليارات من البشر ونصب الميزان والجنة والنار والمحاسبة على كل كلمة وعلى كل فعل لكل واحد على حده يتم ذلك بيوم من أيام الدنيا؟ إن الله تعالى قادر على أن يجري ذلك كله بلحظة واحدة، ولكنه عز وجل يجري الأمور بأسبابها الطبيعية، وبناءاً عليه قد يكون يوم القيامة كألف سنة أو أكثر من ذلك بكثير من سني هذه الحياة، وقد صرّح الكتاب الكريم بهذه الحقيقة في أكثر من موضع وبأكثر من لفظ ليلفت الأنظار إلى أن يوم القيامة ليس يوماً من أيام الدنيا فقال سبحانه في سورة الحج(وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) ولا أريد أن أقف على معنى الآية كيلا أخرج عن صلب الموضوع، وفي موضع آخر رفع الله تعالى سقف المعادلة لتصل إلى خمسين ألف سنة من سنين دنيانا تعبيراً منه عن عظمة ذلك اليوم جراء أحداثه والرهبة فيه وعظم الموقف وليس من جهة الزمن الحقيقي لأنه في يوم القيامة لا يوجد ليل أو نهار أو ساعات أو دقائق أو ثوان كما هو عليه حالنا اليوم فقال تعالى في سورة المعارج(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)
والنتيجة هي أن الله تعالى أوجد هذا الخلق ونظّمه في ستة أيام من تلك التي لا نعرف مدتها، وأجمل ما يمكن أن يقال في المقام هو أن لا نتكهّن ولا نتوهم ولا نبدي أراءاً قد تكون مخالفة للمراد القرآني لأنه مهما بحثنا لمعرفة مدة اليوم الإلهي فلن ندرك ذلك لأن الله تعالى استعمل لفظ اليوم عنده للدلالة على كونه عظيماً.
الشيخ علي فقيه



