
مِيْرَاثُ الأَنْبِيَاء(عليهم السلام)
من جملة الأمور التي يجب أن نجعلها مقدمة لهذه البحوث مسألة الإرث عند الأنبياء، فلقد ادعى كثير من المسلمين بأن الأنبياء لا يورثون أبناءهم من المال شيئاً، ولا يوجد في الكتاب والسنة ما يدل على صحة هذا الحكم، بل يوجد ما يؤيد كونهم يورثون المال لأبنائهم، مثل قوله تعالى(وورث سليمان داوود) يعني ورث عنه كل شيء من مال وحكم وسلطة وعلم، فإن قيل بأن ما ورثه سليمان هو النبوة، فهذا هو الخطأ الأكبر، لأن النبوة ليست وراثة، بل هي تعيين واصطفاء مباشر من الله سبحانه وتعالى، وقولهم يعني أن جميع أبناء النبي يجب أن يكونوا أنبياء وهذا من الأخطاء الظاهرة التي لا ينبغي أن يختلف عليها اثنان.
وهذه النقطة بالذات كانت مورد نقاش بين الزهراء ومقتحمي دارها، فلقد أرادوا أن يحرموها من حقها في فدك بحجة أن الأنبياء لا يورثون درهماً ولا ديناراً، مع أن الأحكام الإلهية تسري على الجميع، على الأنبياء قبل غيرهم، فكما كان النبي مأموراً بالصلاة والصوم والحج والجهاد كغيره من الناس، فكذلك الأمر في مسألة الإرث، فالذي يجب أن يفعله المسلم العادي في موضوع الإرث يجب على النبي أن يفعله أيضاً، ولا يوجد نص شرعي يخرج الأنبياء عن دائرة هذا التكليف، وإنما يوجد رأي للمجرمين الذين حاولوا أن يزوروا كلام الله ويحرموا الزهراء من حقها، ولكنها كانت(ع) لهم بالمرصاد، حيث أدلت بالأدلة القرآنية التي تثبت لها حقها في الإرث، وسوف نشير إلى هذه المسألة بالتفصيل عند شرح الفقرات الخاصة بهذا المجال.
لقد برّر هؤلاء جريمتهم الشنيعة بأن الأنبياء لا يورثون مالاً وإنما يورثون العلم فقط، ولا يوجد نص كهذا، بل هو بدعة ابتدعها أصحاب المطامع، و هذا القول يعتبر اجتهاداً في مقابل النص، وهو باطل بالضرورة كما يعرف الجميع.
ولو أننا نزلنا عند رغبتهم وسلّمنا معهم جدلاً ووافقناهم على هذا الرأي من أن النبي لا يورث سوى العلم لكان ذلك بحد ذاته دليلاً ضدهم لأنه يثبت كذبهم وافتراءهم على الله ورسوله، وهنا يجب أن نعلق على الأمر لأنه الحجة البالغة التي تدينهم جميعاً عند الله سبحانه وتعالى، فلو آمنا بأن الأنبياء يورثون العلم وأنهم حرموا الزهراء من فدك لأنها لا ترث عن أبيها سوى العلم فقط، وقد أثبت كلامهم بأن الزهراء ورثت العلم عن أبيها، وعِلْمُ أبيها هو من عند الله، وأن الذي يرث علم الرسول يكون مثله يجب اتباعه والأخذ بعلمه لأنه هو مصدر العلم الصحيح، والزهراء ورثت علم محمد، فإذاً يجب علينا أن نأخذ بعلمها لأنه حسب إقراركم هو علم الرسول، وقد قالت لكم الزهراء بحسب العلم الذي ورثته عن أبيها بأن أولاد الأنبياء يرثون عن آبائهم الأموال، فمعنى ذلك أن فدكاً من حقها، وأنكم بحرمانها من حقها تفترون على الله الكذب وأنتم تعلمون.
ولا يحق لكم أن تنكروا كلام الزهراء لأنه عين كلام أبيها الذي يجب الأخذ به بحسب الأمر الإلهي الواضح(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) ، والنبي لا يخطئ، وكذلك وارث علمه لا يخطئ أيضاً، وهنا نصل إلى النتيجة الحاسمة، وهي أن كل الذي صنعه هؤلاء ضد الزهراء لم يكن شرعياً بل هو غصب للحق وإنكار لرسالة السماء وترجمة لتلك العداوة التي كانوا يضمرونها لرسول الله(ص) من قبل.
والنتيجة الثانية: وهي أن الإعتماد على القول بأن الأنبياء لا يورثون مالاً، مردود على أصحابه، لأنه مخالف لظواهر القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولم تقتصر مخالفتهم للكتاب والسنة على هذا الحكم فقط وإنما خالفوا الكثير من الأحكام الواضحة، فما كان منسجماً معهم أخذوا به وما كان مخالفاً لأهوائهم أنكروه وكانوا بذلك مصداقاً لقوله تعالى(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
وهذه الآية المباركة لم يقصد بها اليهود فقط وإنما تشمل كل من يترجم هذه التجزئة في سلوكه مع الله تعالى.
الشيح علي فقيه


