
أسئلة حول بعض أحداث الثورة الحسينية
من الأفكار السائدة والعادات العامة التي يشترك فيها جميع الناس أن أي حدث يجري في أي ظرف زماني أو مكاني صغيراً كان أو كبيراً أو مألوفاً كان أو غير مألوف يصبح هذا الحدث أو بعض وقائعه موضعاً للتساؤل حول بعض أصوله أو فروعه، ولا يمكن لأي إنسان في العالم أن يغيّر هذا الواقع الذي وُجد مع الإنسان يوم تكوينه، ولا ينبغي النظر إلى هذا السلوك من الزاوية السلبية بل ينبغي النظر إليه من منظار إيجابي واسع لأن هذا السلوك كشف الكثير من الحقائق عبر التاريخ، فلو أهمل الإنسان السؤال عن بعض الوقائع ولم يعطها حيزاً من اهتمامه لما أمكن له التعرف على حقيقة ما جرى، فهو يسأل عن الحادثة الفلانية لماذا حدثت، ويستفسر عن الكلمة المعيّنة لماذا صدرت، وعن هذا السلوك وذاك ما هو سببه، ومن المعلوم أن السؤال مفتاح العلم، ولذا أمر الله عباده بالسؤال إذ لا خلل فيه بل الخلل في البقاء على الجهل.
وطبيعة الأحداث على اختلاف أنواعها وأسبابها(بحسب النظام الكوني) تعطي الحق للجميع في إبداء آرائهم وطرح أسئلتهم وبيان جميع استفساراتهم مهما كانت غريبة أو عميقة أو حتى سطحية إذ قد يكون السؤال عند العالم عابراً وسطحياً ومجرداً عن الفائدة، وفي نظر السائل هو عكس ذلك، فهو يطلب الإستفادة سواء كان للحدث أثر معتد به أم لم يكن له أية ثمرة علمية أو عملية.
وهناك أمور نحسبها سطحية فنتعامل معها بالإهمال واللامبالاة وتكون في الحقيقة عكس ظاهرها لأننا حكمنا على عدم أهميتها من خلال الظاهر فقط ولكننا إذا دخلنا إلى عمقها فلربما وجدنا الباطن غير الظاهر، وهذه حالة تجري في الكثير من الأمور، فقد يكون السر المبحوث عنه أو المطلوب كشفه موجوداً ضمن هذا الحدث الذي هو في نظرنا عابر.
وثورة كربلاء هي كغيرها من الأحداث حيث جرى فيها العديد من المواقف والوقائع، منها إيجابي مصدره الطرف الحسيني، ومنها سلبي مصدره الطرف اليزيدي وهذا ما يحتم علينا البحث بعمق في أبعاد كل ما جرى من كلام وأفعال، وبسبب العمق السياسي والعقائدي لهذه الثورة فقد نالت حظاً وافراً من عملية الأخذ والرد والنقاشات التي نبعَ بعضها من حب الإستطلاع وبعضها الآخر كان منبعه الحقد والبغض لمذهب الحق حيث كان الهدف منها التفكيك بين المعتقِد وعقيدته.
وهناك الكثير من الأسئلة التي طُرحت حول أحداث الثورة الحسينية، وقد أُجيبَ عليها بالطرق المناسبة المُثْبَتة بالأدلة القاطعة التي عجز أهل الضلال عن إنكارها أو تكذيبها.
وسوف أطرح في هذا البحث مجموعة صغيرة من أهم الأسئلة التي طُرحت في المقام وسوف أجيب عليها بطريق سهل وواضح لأننا لم نتعود على تمويه الأمور لأننا لسنا خائفين من كشف أي شيء عندنا لأن اعتقادنا بأن ما عندنا إنما هو الحق، فالذي يخاف من بيان معتقداته هو الشاك بعقائده، وهذا الشك بالعقيدة لم يحصل إلا لوجود خلل في تلك العقيدة، وهذا ما يجعل صاحب تلك العقيدة الخاطئة خائفاً من كشف عقيدته.
نبدأ بطرح بعض الأسئلة حول ثورة كربلاء:
أولاً: لماذا فكّر الحسين بالتحرك العسكري ضد يزيد؟
ثانياً: هل كان الحسين عالماً بما سوف يجري، وإذا كان عالماً لماذا قصد الكوفة وأرسل لهم مسلم بن عقيل؟
ثالثاً: لماذا جعجع الحر بالطريق أليس هو من أوصل الحسين إلى أرض كربلاء؟
رابعاً: إذا كان الحسين يعلم بما سوف يجري عليه فلماذا أخرج معه النساء والأطفال؟
خامساً: إذا كان يعلم بأن طفله الرضيع سوف يُذبح فلماذا رفعه أمام القاتل؟
سادساً: لماذا قدّم أصحابه وأهل بيته قبل أن ينزل هو إلى أرض المعركة؟
سابعاً: لماذا خرج من الكعبة عندما قدم إليه جواسيس يزيد؟
ثامناً: لماذا طلب الماء أثناء القتال ودعاهم إلى نصرته في تلك المرحلة الحاسمة التي كان يفصل بينه وبين الشهادة لحظات؟
تاسعاً: لماذا لم يبايع يزيداً ويحل المشكلة من أساسها، أي لماذا لم يفعل مع يزيد ما فعله الحسن مع معاوية؟
هذا ما حضرني من الأسئلة وإذا خطر في البال سؤال أثناء البحث فسوف أضيفه إلى قائمة هذه الأسئلة التي أعتقد بأن الجواب عليها يبين الحقيقة كلها من ألِفها إلى يائها.
نبدأ الكلام حول السؤال الأول: لماذا فكّر الحسين بالتحرك العسكري ضد يزيد؟
هناك أسئلة لا يمكن أن نجيب عليها بكلام قليل أو سريع أو جاف إذ أن طبيعة بعض الأسئلة تفرض على المجيب أن يقدم بعض المقدمات ذات الصلة المباشرة بالجواب حيث يمكن استخراج الجواب في الغالب من المقدمات وذلك على قاعدة: إن اللبيب من الإشارة يفهم: وينبغي أن نكون حذرين في طرح الأسئلة خصوصاً عندما يكون الأمر المسؤول عنه متعلقاً بنبي أو إمام معصوم كيلا نقع في الإساءة لمكانته ونحن غافلون، نحن كبشر عاديين لا يحق لنا أن نحكم على المعصوم أو نعلق على بعض أفعاله وأقواله إذ يجب علينا الخضوع له والإنصياع لأوامره والإلتزام بكل ما يصلنا عنه، وطرحُ هذا السؤال هنا ليس من باب التعجب أو الإستنكار لأننا نؤمن بصواب كل ما يصدر عن المعصوم من قول أو فعل أو حركة أو سكنة لأنه ينطلق بذلك من نور الله عز وجل بطريقة لا يدركها سوى المعصوم ولعلها المعبَّر عنها بالإلهام، نحن لا يحق لنا أن نتدخّل بتفكير المعصوم فضلاً عن قراراته ومواقفه وأقواله وأفعاله، ولكننا نرغب في الإستنتاج عبر القرائن الخاصة وذلك ليس من باب تثبيت عقيدتنا بالمعصوم لأن عقيدتنا به ثابتة من الأساس بل الهدف من ذلك كله هو تكوين فكرة عامة حول بعض سلوكيات المعصوم لنواجه بها الإشكالات التي يمكن أن تواجهنا من جهة أعداء الحق الذين يتحيّلون الفرص ويستغلون بعض المواقف لإيقاعنا في الإحراج أو الشك حول بعض معتقداتنا لأنهم يدخلون من النوافذ الضيقة ويستعملون الساليب التي من شأنها أن تزرع الشكوك في قلوب البشر، فعندما نمتلك المعلومات الكافية أو بعض الإستنتاجات من بعض الأحداث التي تعنينا مباشرة فعند ذلك نكون قد امتلكنا سلاحاً قوياً ندافع به عن الحق ونواجه به كل التيارات المعادية للدين الحنيف.
وفي نفس الوقت نحن نشجع الجميع على السؤال وكسب المعرفة خصوصاً حول المعتقدات التي نحملها لأن الإعتقاد عن طريق المعرفة هو الإعتقاد السليم الذي يُؤتي أُكُله كل حين وهو الذي يحمل المنفعة المطلوبة لدى المعتقِد، وبعد هذه المقدمة يمكن لنا الدخول إلى صلب الموضوع.
هناك أسباب كثيرة دفعت بالإمام الحسين(ع) إلى استعمال منطق السلاح وذلك عندما لم يبق أمامه سوى هذا الخيار الذي رآى فيه الإمام تحقيق أهدافه كلها حيث علم أنه الطريق المناسب للوصول إلى الغاية المرجوة من خلال تحركه ضد النظام الجائر الذي أسسه الأمويون وتوارثه أبناؤهم عن الآباء والأجداد حيث أثبتت الظروف الماضية والأحداث الكثيرة والتجارب العديدة التي خاضها الرسول(ص) مع تلك الجهات أن الخيار الأمثل لمواجهة شرور الأمويين هو الخيار العسكري لأنه اللغة التي يفهمونها ويتعاطون بها حيث لم يفهموا يوماً لغة غيرها، ولكن وظيفة المعصوم هو النصح والوعظ وإلقاء الحجة فإذا تمت الحجة عليهم ولم ينصاعوا للحق انتقلت النوبة حينئذ إلى الكي الذي هو آخر الدواء رغم اعتقادنا بأن الكي هو أول الدواء عند تلك الجماعات الضالة والظالمة، هناك أسباب كثيرة دفعت بالإمام الحسين(ع) إلى القيام بثورة عسكرية حتى لو كان هناك شخص حر غير الإمام الحسين لتعامل مع الموقف بنفس الطريقة التي تعامل بها الحسين لأنها النتيجة الطبيعية لتلك الظروف التي كان تحيط بالحسين، والأسباب التي دفعت به إلى استعمال السلاح لم تكن أسباباً غامضة وإنما كانت واضحة ومعلومة لدى كثير من الناس من الطرفين.
وللتوضيح نقول: إن الخيار العسكري لدى الحسين لم يكن خياراً أولياً بل كان آخر ورقة يستخدمها عندما أدرك أنها النافذة الوحيدة للوصول إلى الهدف، الحسين كان يعرف كل شيء جرى قبل أن يجري ولكن الذي اختار الخيار العسكري من الأساس هو يزيد وليس الحسين وما موضوع إجبار الحسين على المبايعة إلا تضليلاً ومراوغة ومبرراً للجريمة التي أصر يزيد على ارتكابها سواء بايعه الحسين أم لم يبايعه لأن القرار في ذلك كان محسوماً عند يزيد، فالحكم بالإعدام صادر ولكن يزيداً حاول أن يرغم الحسين على المبايعة ليُسقطه في نظر الناس، وبعد ذلك يقتله بأي سبب من الأسباب المختلقة الكاذبة.
فالملاحقات المتكررة في المدينة للهاشميين وأتباعهم والتهديدات والمضايقات والإذلال للمؤمنين كل ذلك كان مفتاحاً للمعركة العسكرية فلقد حاول الحسين(ع) أن يحل المشكلة بالطرق السلمية غير أن الرفض أتى من جهة يزيد الذي كُشفت نواياه بعد افتعال تلك المجزرة فقد ظهر للقاصي والداني تلك النية المبيَّتة تجاه آل رسول الله وهي إفراغ الأرض من ذكر الرسول وآله وقتل كل من يتصل بهذا النهج، فالجريمة التي حدثت في كربلاء لم تكن يتيمة أو عقيمة أو وحيدة بل سبقها العديد من المجازر وتبعها العديد أيضاً، وهذا يدل على ثبوت تلك النية الخبيثة في قلب يزيد.
وملاحقة يزيد للحسين من مكان إلى مكان مع الأمر بقتله لهو من أبرز الأسباب الدافعة إلى التحرك العسكري حيث لا يجدر بالمؤمن أن يقعد مكتوف اليدين أمام تلك الممارسات الظالمة التي صدرت من الطرف اليزيدي، كانت المسألة في نظر الحسين لا حل لها إلا بالجهاد ومقاتلة الظالمين، وإلا لو رفضنا منطق الجهاد في كل مرة وفي الظروف التي يتحتم فيها القتال لدفع بنا ذلك إلى إلغاء وجوب الجهاد من الدين وكونه فرعاً من فروعه.
ثم كان للمواجهة العسكرية ولكل ما جرى على أرض كبير أثر كبير على النفوس التي اقتربت من الإسلام بعد أن بعُدت عنه مسافات.
ومن جملة تلك الأسئلة: هل كان الحسين عالماً بما سوف يجري، وإذا كان عالماً بما سوف يكون من شأن ثورته فلماذا قصد الكوفة وأرسل إليهم مسلم بن عقيل ولم يأت إلى كربلاء مباشرة؟
ونحن نعتقد بأن كثيراً من المتكلمين والخطباء لا يجرؤون على طرح هذا السؤال خوفاً من أن يفهم الناس كلامهم بشكل خاطئ، أو حذراً من الوقوع في العجز عن التعبير إذ أن كلمة واحدة قد تغير مجرى الأمور وتنعكس سلباً على الموقف أو على البحث بأكمله، ولذا من أراد أن يتوقف عند تلك المسائل الحساسة فعليه أن يكون متمكناً بالمعرفة وأساليب إيصال الفكرة من دون حدوث خلل في التعبير، وبما أن الحالة هي هكذا فقد يعترض علينا البعض من طرحنا لهذه الأسئلة، بمعنى أن طرحها قد يوقع في بعض الإشكالات التي نحن بالغنى عنها فلماذا إذاً نطرحها؟
نحن نقول هناك سببان أساسيان يدفعان بنا إلى طرح هذه الأمور: الأول: أن الفائدة من الإجابة الصحيحة عليها هي في الحقيقة من أعظم الفوائد التي يمكن أن يكتسبها الإنسان ويثبت بها عقيدته بالإمام الحسين(ع)، والثاني: أن مصدر هذا السؤال ليس المؤمنين بالحسين بل هم الطرف الآخر الذين يحاولون دائماً أن يزرعوا الشك في قلوب الموالين فانقلب السحر على الساحر وكانت الفائدة المكتسبة من هذا الفخ كبيرة بشرط أن نحسن الإجابة عليها ونحيط بجميع جوانب الجواب.
هناك نظامان يتعاطى بهما الإمام المعصوم في حياته الرسالية: أحدهما نظام طبيعي يخضع لكل خصوصيات هذا التكوين ولا يخرج عن حدوده إطلاقاً، وثانيهما نظام تتعدى حدوده نطاق التكوين، وهذا النظام إما أن يكون معجزة أو كرامة، والفرق بين المعجزة والكرامة هو أن المعجزة تخرج عن حدود الطبيعة أما الكرامة فهي متصلة بها ولكن بشكل مميَّز عن الحالة الطبيعية التي يعرفها الجميع.
وأظن أن هذه المقدمة تساعد كثيراً على فهم حقيقة الجواب الذي نعمل على كشفه في هذا البحث، ولكي يزداد الموقف وضوحاً نجيب على السؤال بحسب الفقرات الواردة فيه وهي ثلاث.
الفقرة الأولى: هل كان الحسين عالماً بما سوف يجري عليه؟
نقول نعم كان عالماً بتفاصيل ما سوف يحدث وقد أخبره جده وأبوه وأخوه بما سوف يجري عليه وعلى أهل بيته وأصحابه في كربلاء، وقد كشف الإمام عن مصيره بنفسه قبل معركة كربلاء، وأبرز تلك التصريحات ما قاله في المدينة قبل الخروج منها أي قبل معركة كربلاء بحوالي سبعة أشهر حيث قال: شاء الله أن يراني قتيلاً: وكذا ما صرّح به في مكة المكرمة عندما خطب في الناس خطبة بيّن فيها المصير الذي سوف يؤول إليه وذلك عندما قال: خط الموت على ولد آدم…
الفقرة الثانية: لماذا قصد الكوفة: قصدها ليلبي طلب الكوفيين بعد أن أرسلوا إليه آلاف الكتب يدعونه فيها إلى الذهاب للكوفة لأنها تشكل حصناً منيعاً له فلم يرغب في رفض طلبهم لأن هناك أموراً لن يستوعبوها إذا أخبرهم بها فتعامل مع الوضع القائم بالشكل الطبيعي فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل ليثبت لهم أن الذهاب إلى الكوفة لن يفيد في شيء، وقد كان يعلم ما سوف يكون من أمرهم تجاه مسلم بل كان يعلم ما سوف يحدث لمسلم، ولذا عندما وصله نبأ استشهاد مسلم لم يكن الخبر مفاجئاً له حيث عندما أرسله إلى الكوفة ودّعه وداع المفارق الذي لن يعود.
وهذا ما كشف عنه الإمام عندما كلّف مسلماً بالذهاب إلى الكوفة حيث قال له: إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة ، وسيقضي الله من أمرك ما يُحبّ ويرضى ، وأنا أرجو أنْ أكون أنا وأنت في درجة الشهداء فامضِ ببركة الله وعونه ، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها:
وبعد حصل ما حصل لمسلم ابن عقيل أدرك أهل الكوفة جوهر السر في عدم مجيء الحسين إليهم لأنهم ليسوا أهلاً لحمل المسؤوليات أياً كان نوعها، ولا يمكن لأهل الكوفة أن يتذرعوا بمقولة لو جاء الإمام الحسين لاختلف الوضع بل لم يكن ليتغير شيء بل ربما كان خذلان الحسين إذا أتاهم أسرع من خذلانهم لمسلم بن عقيل لأن وجود مسلم يعني سياسياً ودينياً وجود الحسين بل ربما كان دور مسلم في تلك الفترة أهم من دور الإمام لأن مسلماً أتى ليهيأ الأرضية المناسبة للخلافة الشرعية.
الفقرة الثالثة: من السؤال المطروح : لماذا ذهب إلى كربلاء مباشرة دون الكوفة؟ نقول لأن الخطة الإلهية التي سار عليها الحسين والتي لم يكن يعرف تفاصيلها سواه هي التي تقضي بذلك، ولا يحق لنا الدخول إلى عمق تلك الخصوصيات التي اختص الله بها المعصومين(ع) حذراً من تجاوز الحدود المرسومة.
ومن الأسئلة المطروحة: هل وصل الحسين إلى كربلاء بسبب الحر الرياحي أم أن الظروف شاءت أن يتفق هدف الحر مع هدف الحسين؟
نقول لقد عرفنا من السؤال الماضي أن نية الإمام الحسين بالذهاب إلى كربلاء كانت موجودة من الأساس ولكنه تعاطى مع الأمور بشكلها الطبيعي حتى يكون لكل فعل سبب، وقد كان إيصال الحسين إلى كربلاء بسبب الحر(ظاهراً) منفعة كبرى للحر وللإسلام حيث أخذ الحر في العاشر من محرم يندم على أنه هو الذي أوصل الحسين إلى أرض المعركة فتحركت بداخله أمور وأحاسيس جعلته يتحول من عدو إلى مناصر صادق، فلو لم يكن الحر هو السبب الظاهري في ذلك لكان من المحتمل أن يبقى على ما هو عليه ولكن الله تعالى أراد أن يرحم هذا الإنسان البطل فجعل وصول الحسين إلى كربلاء بسببه، ونحن نقول حتى لو لم يجعجع الحر الطريق بالحسين لوصل الحسين إلى هناك لأنه كان يقصد كربلاء وهذا ما صرّح به قبل وصوله إليها بل هذا ما ظهر من كلماته عندما سأل أصحابه عن إسم الأرض فقالوا كربلاء فأمرهم بالتخييم هناك وقد بيّن لهم أن تلك البقعة هي موضع الرحال والشهادة.
وكذلك سأل الحسين أصحابه عن إسم تلك الأرض من باب إجراء الأمور بأسبابها أيضاً لأنه(ع) كان يعرف كربلاء وطريقها أكثر من غيره، ولعله سألهم عن اسم الأرض حتى يسجل للتاريخ والأمة تلك الكلمة الخالدة: هاهنا محط رحالنا هاهنا تُذبح أطفالنا وها هنا تسبى نساؤنا، وهذا كله يشير إلى كونه(ع) كان عالماً حتى بأدق التفاصيل التي سوف تجري وتحصل.
ومن جملة ما طُرح من الأسئلة: إذا كان الحسين يعلم بما سوف يجري عليه فلماذا أخرج معه النساء والأطفال؟
أقول: لو أردت أن أتوسع في الإجابة على هذا السؤال لاستغرق وقتاً طويلاً وصفحات كثيرة، وقد أطلت الكلام حول هذا الأمر في بحوث سابقة، ولكنني هنا ومن باب الإشارة الوجيزة أشير إلى السبب باختصار فأقول: لقد وُجهت اتهامات وأكاذيب وأضاليل حول هذا السلوك تمس بكرامة الإمام(ع) والذين وجهوا له تلك الإتهامات أكثرهم يعرف الحقيقة ويدرك السبب كما نعرفها نحن وربما بشكل أفضل غير أن الحقد والتعصب يجعل من الإنسان آلة لتنفيذ جرائم الحكام وتحقيق مطامعهم، نحن نكره بعض الأشخاص ولكننا لا نكرههم لأسمائهم بل لسلوكهم، أما هؤلاء فقد كرهوا الحسين ولا مجال لكرهه ولا سبب لذلك سوى الحقد الأعمى، فقد يكون سبب كره الحسين من قبلهم هو حبهم الأعمى لأعداء الحسين من دون أن يبحثوا ويدققوا.
وهذا السؤال المطروح هو من جملة الإشارات الخبيثة التي أطلقها أعداء الحسين
الشيخ علي فقيه



