أُخْلاقُ المُسْلِم

الله حبيبٌ لمن أحبه

الله حبيبٌ لمن أحبه

 

 

الله حبيبٌ لمن أحبه

 

عندما يشعر الإنسان بأن خالقه يحبه فإنه يعيش حالة نفسية راقية يشعر معها بالأنس الذي لا مثيل له، لأن العيش في ظل حب الله يفوق جميع التصورات والحدود، فليس هناك أجمل من أن يكون العبد حبيباً لخالقه فإن هذا يعني جميع أنواع الخير ومراتب السعادة، والذي يعلم بأن الله يحبه يعلم بأن مصيره إلى جوار ربه في الجنان الواسعة التي أعدها الله لخاصة عباده.

ولأجل ذلك كان من الضروري أن تكون عبادة المحبين لله مميَّزة عن غيرها، يذكر صاحب البحار أنه ورد في صحيفة نبي الله إدريس: طوبى لقومٍ عبدوني حباً واتخذوني إلهاً ورباً سهروا الليل ودأَبوا النهار طلباً لوجهي من غير رهبة ولا رغبة ولا لنار ولا جنة بل للمحبة الصحيحة والإرادة الصريحة والإنقطاع عن الكُلّ إليّ: وهذه الطريقة هب التي التزمها أمير الكون علي عندما خاطب ربه قائلاً ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً بجنتك وإنما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك: وهذا لا ينفي عظمة العبادة القائمة على الخوف والطمع فإنه ن عبد المرء ربه لذلك كان من المحبوبين عند الله أيضاً ولكنْ يوجد هناك جميل وأجمل وحسن وأحسن فالعبادة القائمة على الخوف والطمع عظيمة ولكن العبادة التي تقوم على مجرد المحبة فهي أعظم، قال تعالى(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ  تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) فالله تعالى حبيبٌ لمن أحبه أو تحبب إليه، وهذا ما ذُكر في أدعية الإمام السجاد(ع) يا حبيب من تحبب إليك ويا قرة من لاذ بك ولجأ إليك: وهذا أيضاً ما أخبر الله به نبيّه داود(ع) يا داود أبْلِغ أهل أرضي أني حبيبٌ لمن أحبني وجليس لمن جالسني ومؤنس لمن أنِس بذكري وصاحب لمن صاحبني ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعني ما أحبني أحد أعلمُ ذلك يقيناً من قلبه إلا قبِلتُه لنفسي وأحببته حباً لا يتقدمه أحد من خلقي من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم من غرورها وهلمّوا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي وأْنَسُوا بي أُؤانِسْكم وأسارع إلى محبتكم: والإنسان عندما يلبي هذا الأمر الإلهي يصبح في منزلة مرموقة عنده، والكل يمكن لهم أن يعرفوا منزلتهم عند ربهم، فقد قال علي: من أراد منكم أن يعلم كيف منزلتُه عند الله فلينظر كيف منزلة الله منه عند الذنوب كذلك تكون منزلته عند الله تبارك وتعالى: وقال: من أحب أن يعلم كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن كلَّ مَن خُيِّرَ له أمران أمرُ الدنيا وأمر الآخرة فاختار أمر الآخرة على الدنيا فذلك الذي يحب الله ومن اختار أمر الدنيا فذلك الذي لا منزلةَ لله عنده: وقال الصادق: من أراد أن يعرف كيف منزلته عند الله فليعرف كيف منزلة الله عنده فإن الله يُنزِل العبدَ مثلَ ما يُنزل العبدُ اللهَ من نفسه:

 

نتائج محبة الله للإنسان

 

لا يقف حب العبد لربه أو حب الرب لعبده عند حدود المشاعر المتبادلة والمجاملات فيما بينهما بل إن لحب العبد لربه شروطاً يجب أن تتوفر حتى يكون العبد محباً لربه، وأول تلك الشروط أن يكون مطيعاً لله في كل ما أمره به أو نهاه عنه، وإن لحب الله عبادَه آثاراً كثيرة لا تقف عند مجرد تطييب الخواطر أو المدح الكلامي والثناء المجرد، فإذا أحب العبد ربه بالطريقة الصحيحة أحبه الله تعالى، وإذا أحب الله عبداً غفر له وأنعم عليه ووفقه لأمر دينه ودنياه وجعل نهايته في غاية السعادة، ويدلنا عليه قول الله(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) ونفهم من الآية الثانية أن الذين لا يحبون الله هم المخالفون لأوامره ونواهيه وإن كانوا ظاهراً مسلمين إذ لا قيمة لإسلام العبد ظاهراً إذا لم يترجم الإسلام عملياً فإنه إن لم يترجم إيمانه كان عند الله تعالى بحكم الكافر، ولقد وصف الله هؤلاء بالكفار حيث قال(فإن الله لا يحب الكافرين) وهذه صفة الذين تولّوا عن طاعة الله ورسوله، فهنا نوعان من الناس حكمهما عند الله واحد في يوم الحساب، النوع الأول: كافر الدنيا وكافر الآخرة، والنوع الثاني: مسلم الدنيا وكافر الآخرة، ومن نتائج حب الإنسان لربه حب الله له، ومن نتائج حب الله لعبده أنه تعالى يلهمه الطاعة والقناعة والعلم لقول الصادق: إذا أحب الله تعالى عبداً ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وفقّهه في الدين وقوّاه باليقين، فاكتفى بالكفاف واكتسى بالعفاف، وإذا أبغض الله عبداً حبّب إليه المال وبَسَطَ له الآمال وألهمه دنياه ووَكَلَه إلى هواه فرَكِب العناد وبسطَ الفساد وظلَمَ العباد:

ومن آثار حب الله للعبد أنه يلهمه كثرة الذكر، وكثرة الذكر تقرّب العبد من الله عز وجل وتجلب له كل ما يرغب ويحب ويرضى له، قال(ص) يا رب ودِدْتُ أني أعلم مَن تحب من عبادك فأُحِبُه، قال: إذا رايتَ عبدي يُكثر ذكري فأنا أذِنت له في ذلك وأنا أحبه، وإذا رأيت عبدي لا يذكرني فأنا حجبته عن ذلك وأنا أَبْغَضته:

وسأختم هذا البحث بمجموعة من الأحاديث الوادردة عن علي في هذا الشأن، قال: إذا أحب الله عبداً ألهمه حسنَ العبادة، وإذا أحب الله عبداً حبّب إليه الأمانة، وإذا أحب الله عبداً زيّنه بالسكينة والحلم، وإذا أحب الله عبداً ألهمه الصدق، وإذا أحب الله عبداً ألهمه رشده ووفّقه لطاعته، وإذا أحب الله عبداً وعظه بالعبر، وإذا أحب الله عبداً بَغّض إليه المال وقصّر منه الآمال، وإذا أحب الله عبداً رزقه قلباً سليماً وخُلْقاً قويماً، وإذا أكرم الله عبداً شَغَله بمحبته:

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى