
آراء الناس حول ثورة كربلاء
تعودنا أن نسمع آراءاً مختلفة في أسباب نشوئها ومتضاربة فيما بينها حول بعض الأحداث والوقائع التي كان اختلاف الرأي فيها عقلائياً مقبولاً أو غير عقلائي مرفوض، ومن تلك الأحداث ما هو غاية في الأهمية وما هو دون ذلك في الرتبة.
هناك أشخاص يعشقون النقد وإن لم يكن له محل في الموضوع المنتقَد فيتحول هذا النقد للمجهول إلى نقدٍ هدّام لا يعود على صاحبه وعلى الناس إلا بالويلات والمصائب، هناك شخاص يعلّقون على بعض المسائل من باب غثبات وجودهم فقط وليس لسبب علمي أو عقلي أو من باب النخوة والغيرة، فهؤلاء أموات بصورة أحياء وجماد على هيئة بشر ليس أكثر، ومن هنا وردت التحذيرات من القول بغير علم وذلك بسبب عواقبه الوخيمة على الفرد بالدرجة الأولى وعلى المجتمع أو الأمة أو على معتقدات الأفراد والجماعات بالدرجة الثانية.
وغالباً ما تكون الآراء متضاربة فيما بينها ومتناحرة في جوهرها وربما في الهدف منها حول الحدث الواحد حيث يرى بعضهم الصواب فيه بينما يرى الآخر عكس ذلك.
ومهما تنوعت الآراء وكثرت فإن هناك ميزاناً لمقياسها وهو كتاب الله وسنة نبيّه فما كان من الأحداث أو الآراء موافقاً للقرآن والسنة اعتمدناه وما كان مخالف لهما أو لواحد منهما لم يَجُز لنا حينئذ الأخذ به والسير في طريقه.
ونحن كمسلمين نقف في وجه الآراء السلبية تجاه الوقائع الهامة سواء كانت تلك الوقائع من معتقداتنا أم لم تكن منها حيث يجب الدفاع عن الحق بغض النظر عن هوية أهله، ووظيفة تلك الآراء الخاطئة هي التعتيم الإعلامي والتضليل العقائدي والإنحراف الأخلاقي سواء قصد متبني هذا الرأي ذلك أم لم يتعمّد قصدَه لأن النتيجة واحدة وهي تعكير صفو الحدث ووضعه في خانة الغموض والتجاذبات العشوائية.
وغالباً ما تصدر الآراء السلبية عن جهتين: جهة لا تعي معنى ما تقول ولا يوجد وراءها خلفية سيئة أو هدف خبيث، وجهة تتعمد زرع الشك في النفوس وإلقاء الظُلمة في القلوب وإشعال نيران الفتن لأغراضٍ هي في الغالب مذهبية، وربما تتحول بعد ذلك أو في الوقت نفسه إلى فتنٍ سياسية وحزبية وعِرقية كما حصل في عهد كثير من الحكام الجائرين وما يحصل في هذا الزمان الذي لم تتغير فيه سوى المصطلحات.
ومن الأحداث التي كثرت الآراء حولها ووُجِّهت السهام المسمومة نحوها ثورة أبي عبد الله الحسين(ع) في كربلاء مع أن جلاء أهدافها ووضوح أحداثها لا يدع مجالاً للشك في نزاهتها وكونها خالصة لله عز وجل وكون المراد منها الدفاع عن الدين وأهله.
هناك نظرة عامة لهذه الثورة وبعض الآراء الخاصة التي صح بعضها وبطل بعضها الآخر بسبب عدم ملائمته لجوهرها وكيانها وهيكلها المكوّن من كل ما تعلّق بها، لأن أية نظرة تهدف إلى الإنقاص من شأنها فهي نظرة جائرة لم تقم على أسس التقييم الصحيح بل قامت على أساس التطرف لجهة الباطل والعمل لمصلحة أهل الضلال.
ولا شك بأن صاحب كل معتقد ينظر إلى معتقده بعين الإجلال والإكبار والتعظيم، وقد يكون هذا السلوك خاطئاً، ووجه الخطأ يكمن خلف النظرة النابعة من الهوى والغرام والتعصب المرفوض في منطق الأديان السماوية.
ولا يمكن الحكم على المعتقد من هذه الزاوية التي من شأنها أن تعمي البصيرة وتزرع الحجب بين المعتقِد والحقيقة.
فمن أراد أن يحكم على معتقدات الآخرين وجب عليه أن يجري قواعد الحكم بحكمة وتجرد، وإلا فلن يصل إلى النتيجة المرجوة.
ونحن كمؤمنين بعاشوراء نعتقد بأن النظرة العامة إلى هذه الذكرى مختلفة عن النظرة الخاصة لها، وبحسب اطلاعنا على أهداف وحقائق تلك النظرة العامة يمكن لنا تصنيف الناظرين لها إلى التالي:
أولاً: نظرة الجاهل إلى حقيقة عاشوراء.
إن الجاهل ينظر إلى ما حوله من منظار سطحي جداً لا يمكن أن يرشده إلى الحقيقة المطلوبة ولا يمكن أن يظهر له شيئاً من الواقع فلا ينبغي الإعتماد على رأيه ولا يستحسن حمل كلامه على محمل الجد لأنه فاقد المعرفة، ولا يؤمل من فاقدها الدلالة عليها بوجه من الوجوه.
ونحن كمؤمنين بالفكر العاشورائي الواسع وعالمين بوقائعها وتفاصيلها لا نقف على رأي الجاهل بها وإن ادعى المعرفة لأن الذين يحكمون على الإنسان بالمعرفة وعدمها في موضوع عاشوراء هم المؤمنون بها.
ونحن بدورنا ندعو الجميع إلى الحذر من آراء الجهلة كيلا يسوقونا معهم في تيارات الوهم التي سيطرت عليهم وخلطت لهم الصواب بالخطأ والحق بالباطل ولم تعط للصواب لوناً مميزاً وإنما أعطته لون الخطأ.
وقد يكون الجاهل بموضوع عاشوراء عالماً بغيرها من المسائل، فلا نأخذ عنه سوى ما كان عالماً به، لأن علمه بهذه النقطة لا يجعله من أهل المعرفة في النقاط المجهولة لديه.
ومقصودنا من العنوان المذكور ليس الجاهل المطلق وإنما الجاهل بالأمر المبحوث عنه.
وقد طرحنا هذا الموضوع لنعالج الفكرة من أساسها فإن هناك أشخاصاً بارزين لا يعرفون عمق عاشوراء قد تحدثوا عنها بحسب معرفتهم السطحية فأخذ الناس عنهم بعنوان العلم، وقد أحدث ذلك خللاً كبيراً في الموازين الفكرية لثورة كربلاء مما دفع بنا إلى تصحيح الخطأ واستدراك موضع الشبهة كيلا يضاف إلى الأوهام الموضوعة أوهام أخرى.
ووظيفتنا الأساسية هنا ليست تصحيح الفكرة فإن ذلك يأتي بالدرجة الثانية من مسؤوليتنا، ولكن الوظيفة الأولى هى الكشف عن جهل المدعى والمتكلم، فإذا استطعنا أن نكشف جهله فقد هانت علينا الوظيفة الثانية والتي هي بيان الواقع الصحيح.
ثانياً: نظرة العالم بحقيقة عاشوراء.
ولا يمكن أن نعوّل على نظرة العالم بحقيقة عاشوراء إلا بعد التأكد من كونه صاحب قلم حرّ وضمير حي يتعامل مع الوقائع بروح الواقعية والتجرد، فإذا اتصف العام بعاشوراء بحرية القلم والضمير أمكن الأخذ برأيه والإعتماد على كلامه.
وبعد أن ذكرنا نظرتي الجاهل بعاشوراء والعالم بها لزم علينا التفريق بين الجاهل المحب والجاهل المبغض وبين العالم المحب والعالم المبغض.
ثالثاً: نظرة الجاهل المحب لصاحب ذكرى عاشوراء(ع)
إننا كمؤمنين بالله ورسوله وأهل البيت(ع) لا نأخذ بقول الجاهل وإن كان محباً، لأن ذلك ضرب من ضروب التعصب الأعمى، ولكننا نأخذ منه ومن الجميع ما هو منسجم مع الحق، فلا نلحظ الحب والبغض في بيان الحقائق لأن ذلك لا يصلح أن يكون مقياساً للحقيقة إذ قد يدفعه حبه إلى ارتكاب الخطأ عند بيان الوقائع.
ولا يؤمن الضرر من سلوك الجاهل وإن كان محباً لأنه يريد أن ينفع فيضر.
ولا شك بأن المحب يقبل كل شيئ تجاه ما يحب وإن لم يكن صحيحاً وهذا هو مصدر الخطر في الأخذ عن الجاهل المحب.
ثم لا نشك بأنه لم يقصد الكذب ولا إلحاق الأذى ولكن هذه هي قدراته وإمكانياته، وليس مطلوباً منه شيئ، لأن جهله بالواقع يرفع عنه مسؤولية التبليغ والكشف عن الحقائق الغامضة والمشوهة.
رابعاً: نظرة الجاهل المبغض.
لا يقل ضرر الجاهل المبغض خطورة عن ضرر العالم المبغض، بل إنما يكون ضرره أشد من ضرر العالم المبغض لأن العالم قد يراعي حدود العقل والمعرفة ويحترم آراء الآخرين، أما الجاهل المبغض فلا ينظر إلى ما حوله ولا يقدّر عواقب كلامه.
وبناءاً عليه نحن نحذر الناس من الأخذ عن الجاهل المبغض كتحذيرنا لهم من الأخذ عن الجاهل المحب لأنهما لا يمثلان شيئاً من الحقيقة، وإن الذين يأخذون عن الجاهل بنوعيه هم أجهل منهما.
خامساً: نظرة العالم المبغض.
إذا لم يراعي العالم المبغض حدود العقل والمعرفة كان أخطر عامل على هدم أركان الحق، وهذا النوع من العلماء منتشر في كل بقاع الأرض، وهم الذين كان لهم الدور الأكبر في تزوير الحقائق الخاصة بالنهج الحسيني.
وهم المسؤولون الأوائل عن كل شرخ حدث في سيرة كربلاء حيث عملوا بما أوتوا من علم وقوة على طمس الحقائق التي لولاهم لكانت جلية وواضحة.
سادساً: نظرة العالم المحب.
يعتبر العالم المحب المصدر الأفضل لتلقي المعارف ومعرفة الحقيقة لأن علمه وحبه في آن واحد يفرضان عليه التزام نهج الحق والحقيقة، فلا يشذ عن الحقيقة لكونه عالماً ولا عن الحق لكونه محباً.
ومن أراد أن يعرف حقيقة الفكر الحسيني العام فليس له سوى الرجوع إلى العلماء المحبين لأخذ الحق عنهم وإدراك المطلوب من خلالهم.
ونحن بدورنا لا نعترف بأية حقيقة أو عقيدة لا تصدر عن العلماء المحبين لأنهم المعيار في صحة الحقائق أو فسادها.
فمن أدرك حقيقة عاشوراء فقد أدرك الأهداف السامية من تلك الثورة المجيدة التي أنارت تاريخ الإسلام والمسلمين بعد أن أظلمته أيدي الظالمين.
الشيخ علي فقيه



