قِصَّةُ خَلْقِ آدَم(ع)

قِصَّةُ خَلْقِ آدَم(ع)
قال سبحانه(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
إنها القصّة الأولى في هذا الكتاب، وقد تعمَّدْتُ تقديمها على غيرها لأنها تكشف لنا عن حقيقة أنفسنا، ولا خيرَ في معرفة الأشياء ما دام المرء جاهلاً بحقيقة نفسه التي نعتبرها أم الحقائق، والمنطلقَ للغوص في بحور العلم والمعرفة، وهي تشبه إلى حدٍّ ما معرفة الله سبحانه والتي يجب أن تتقدّم على جميع المعارف، والطريق الأول لمعرفة الله عز وجل هي معرفة النفس، ولذا ورد في الحديث:مَن عرف نفْسَه فقد عرف ربَّه:
فمن هنا تبدأ حكاية الإنسان على هذا الكوكب، وهي حكاية شيّقة تستحق منا التأمل والتدبّر لأنها تعني كل فرد منا على وجه الخصوص، فإذا لم يكن الإنسان عالماً بحقيقة بدايته على الأرض وسبب وجوده فيها فلن يُؤمل منه أي خير لنفسه أو لمجتمعه.
لقد شاء الله سبحانه أن يوجِد بني آدم على الأرض، فأوجدهم بسبب ولسبب، وإليكم بيان السبب حتى لا يقع أحدٌ منا في أي غلط أو لغط.
لم يكن في الوجود جنس البشر، فأراد سبحانه أن يخلق خلقاً جديداً بعد فناء مَن كان قبلنا فأمر الملائكة بجمع طينٍ من ألوان مختلفة وسوائل متعددة، فجُبل الطين بالماء وكُوّن منه أبونا آدم(ع) الذي كان أبا الجنس البشري وأول الأنبياء، وقد حصل ذلك في الجنة، ولا نعلم إن كانت جنة الخلد أو مكاناً خاصاً كان موجوداً فيه، فالأمر مسكوت عنه ولا داعي للدخول إلى تلك التفاصيل التي قد لا يكون لها فائدة في هذا المكان.
وقد بقي هذا المعجون ممدداً على الأرض ما شاء الله وكان موضع دهشة وتساؤل للملائكة ولإبليس الذين لم يكن لديهم أدنى فكرة عما سوف يكون من شأن هذا الطين المصوّر على هيئتنا.
بقي الأمر سراً إلى أن أبدى الله سبحانه إرادته فأخبر الملائكة بشأن هذا المخلوق وقد حدثنا القرآن الكريم عن ذلك الحوار الذي دار بين الله تعالى وملائكته حيث قال(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
وحينها أدركت الملائكة الخبر وراحت تتساءل(ولا أقول تعترض لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم) لماذا يريد الله أن يخلق خلقاً يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وله ملائكة لا يعلم أعدادها إلا هو تسبحه وتقدسه ليل نهار فأتاهم الجواب الحاسم من ربهم(إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) فلم يكن أمام الملائكة سوى الإنتظار ليروا ما سوف يكون من أمر المخلوق الجديد.
ولعل استعجال الملائكة في اتهامه بسفك الدماء ناتج عن مقارنة بينه وبين مخلوقين سابقين قد أفسدوا في الأرض فأهلكهم الله تعالى واستخلفنا مكانهم، ولكن، يبقى الأمر في دائرة الشك حيث لا دليل واضح وإن كانت الإشارات كثيرة.
وجاء الأمر الإلهي في شأن آدم فنفخ فيه من روحه فانتصب قائماً ينظر يميناً وشمالاً تأخذه الدهشة وتسيطر عليه الحيرة لا يعلم أمر نفسه ولا حقيقة ما حوله قبل أن يعلّمه ربه.
وهنا تكمن المعجزة الكبرى، حيث تحوّل الطين بقدرة الله إلى لحم ودم وعظام ومشاعر وأحاسيس بلمح البصر، وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين علي(ع) بقوله: ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَانٍ يُجيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَ جَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَ أَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا:
وراح يتجول في الجنة المباحة له يأكل ويشرب ويستأنس بالمناظر الخلابة يرى الملائكة وتراه وهم لا يعرفون شيئاً من أمره ولا يدركون مدى عظمته وأنه سوف يطون أبا البشرية القادمة وأول أنبياء الله في الأرض.
لقد عاش مدة من الزمن في الجنة الرغيدة قبل أن تُخلق زوجته حواء، وكان أكثر المخلوقين حيرة إبليس اللعين الذي اشتعلت فيه نار الحسد منذ ذلك الحين حيث لا شك كان يدرك شيئاً حول هذا المخلوق الجديد.
وقد جاء الوقت المناسب للكشف عن حقيقة هذا المخلوق الذي علّمه الله سبحانه أسماء كل شيء بطريقة نحن لا نعلمها.
الشيخ علي فقيه



