محاضرات

حول يوم القيامة

الفرق بين النوم والموت

لدى حديثنا عن الموت وما بعده لا نكتفي بمجرد بيان المعلومات والكشف عن الحقائق الخاصة بهذا المجال حيث يكون الإقتصار على هذا الهدف ذا فائدة محدودة جداً، ولكننا نطمح من خلال كلامنا عن الموت وعما يأتي بعده إلى ما هو أكبر فائدة وأعظم نفعاً وأوسع دائرة في مجال المعرفة وهو الإعتبار بتلك الظروف التي ستحيط بكل حي منا، وإن الكلام حول حقيقة الموت وما بعده من دون الإشارة إلى ما يخفف عنا صعوبة الموقف ويجعلنا سعداء راضين لا يشكّل جملاً تامة ولا يَصيغ عبارات مفيدة.
والكلام في مجال الموت والبرزخ ويوم الحساب يجب أن يكون مشتملاً على البيانات الصحيحة والأدلة القطعية بالإضافة إلى استعمال أسلوبي الترغيب والترهيب، وهو ميزان قرآنب ثابت وفعّال في مجال الوعظ والتوجيه، وهذا ما يجب علينا اتباعه في هذه الدراسة كيلا يذهب تعبنا هدراً وكلامنا هباءاً.
قد يكون الموت غاية في السهولة والراحة، وقد يكون أصعب مما نتخيّل، وهذا التفاوت الملحوظ بين الأمرين هو رهن عمل الإنسان في دار الدنيا، فآثار العمل الصالح الأولية هي الراحة عند الموت ثم الراحة بعد الموت والأمن يوم الحساب، وآثار العمل السيء هي عكس ما ذكرناه.
وقد أشار رسول الله محمد(ص) إلى هذين الأثرين المرتهَنين لعمل الإنسان في موعظته لقيس بن عاصم حيث قال(ص): يَا قَيْسُ إِنَّ مَعَ الْعِزِّ ذُلا ، وَإِنَّ مَعَ الْحَيَاةِ مَوْتًا ، وَإِنَّ مَعَ الدُّنْيَا آخِرَةً ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ؛ وَإِنَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَابًا ، وَإِنَّ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَابًا ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابًا ، وَإِنَّهُ لا بُدَّ لَكَ يَا قَيْسُ مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ وَهُوَ حَيٌّ ، وَتُدْفَنُ مَعَهُ وَأَنْتَ مَيِّتٌ ، فَإِنْ كَانَ كَرِيمًا أَكْرَمَكَ ، وَإِنْ كَانَ لَئِيمًا أَسْلَمَكَ ، ثُمَّ لا يُحْشَرُ إِلا مَعَكَ ، وَلا تُبْعَثُ إِلا مَعَهُ ، وَلا تُسْئَلُ إِلا عَنْهُ ، فَلا تَجْعَلْهُ إِلا صَالِحًا فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَالِحًا لَمْ تَأْنَسْ إِلا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا لَمْ تَسْتَوْحِشْ إِلا مِنْهُ ، أَلا وَهُوَ فِعْلُكَ:
ونحن نؤمن بأن للمؤمن وضعاً خاصاً عند الموت وبعد الموت انطلاقاً من قول الله عز وجل(فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) وهي قاعدة عامة وحكم شامل لجميع المراحل التي يمر بها الإنسان وبالأخص تلك التي يكون فيها الإنسان بأمس الحاجة إلى لطف الله تعالى ورحمته.
وكلامنا هنا محصور حول حقيقة الموت بغض النظر عن المقدمات والآثار، فلقد شبّه النبي الأعظم(ص) الموت بالنوم حيث قال: كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تُبعثون:
قد يغرق البعض في بحر من الوهم حول هذا الحديث العام الخالي من التخصيص والإستثناء، حيث لم يكن النبي(ص) في مقام التفصيل والشرح وإنما كان في مقام بيان حقيقة الموت المشابهة للنوم من حيث السبات وإلا فهناك الكثير من الأحاديث الواردة عن النبي يكشف فيها عن تفاصيل تتعلق بمسألة الموت من حيث الأمن والخوف، وقد ذكرنا في البحث الماضي حديثاً حول ما يشعر به المؤمن من راحة عند الموت وما يشعر به غيره من شقاء عند الموت.
ويمكن أن يكون هذا الحديث ناظراً إلى ما بعد الإحتضار والنزع لأن النائم لا يشعر بشيء من آثار النزع الخاص بالمحتضَر، فيكون المعنى أن الإنسان بعد أن تفارق روحه جسده يصبح كالنائم الذي لن يستيقظ إلا في يوم القيامة، وهذا ما أشار الإمام الباقر(ع) عندما سئل عن الموت فقال: هو النوم الذي يأتيكم كل ليلة إلا أنه طويل مدته لا يُنتبه منه إلا يوم القيامة.
ولكي يظهر لنا حقيقة هذا الحديث نذكر لكم بعض وجوه المشابهة ووجوه المفارقة بين النوم والموت.
أولاً: بالموت يستمر النوم إلى يوم القيامة، وبالنوم العادي يكون بالشكل الطبيعي الذي يتكرر كل ليلة ويوم.
ثانياً: يفترق الموت عن النوم بالمقدمات والأسباب، فسبب النوم هو النعاس الذي يأتي كل حي في الأرض، ولا أقول جميع الأحياء لأن الملائكة أحياء لا تنام وهذا ما أشار إليه الإمام علي(ع) بقوله: لاَ يَغْشَاهُمْ نَوْمُ العُيُونِ، وَلاَ سَهْوُ العُقُولِ، وَلاَ فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ: فسبب النوم الطبيعي هو النعاس الذي كان مقدمة مباشرة لعملية النوم، ولا أريد أن أدخل في بحث تلك الحقيقة ولكنني أقول لكل الناس إن هذا النوم الذي يتحكم بنا جميعاً إنما هو آية كبرى من آيات الله عز وجل.
وأما سبب الموت فهو الحوادث الموجبة لخروج الروح من الجسد، حتى أولئك الذين يموتون لأسباب غامضة فهناك ما حصل لهم مما أدى إلى خروج أرواحهم.
ثالثاً: يشترك النوم مع الموت بارتفاع الحواس الخمس فإن النائم يفقدها وكذا الميت، أما النائم فتعاد إليه لحظة الإستيقاظ دون الميت في دار الدنيا، وقد حصرت المسألة في دار الدنيا لأن هذه الحواس التي رُفعت من الميت سوف تعود إليه مرة أخرى عندما يحييه الله للحساب في يوم القيامة، فمن لم يأت أجله تتكرر عنده هذه العملية حتى يأتيه الأجل أما من يموت فلن يحصل له ذلك سوى مرة واحدة فقط وذلك في يوم الحشر والنشور والنفخ في الصور، وهذا ما ذكره الله تعالى في قوله(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
رابعاً: لو نام الإنسان يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر فلن يحصل لجسده تغيرات جيولوجية، أما الميت فيحصل لجسده ذلك بعد ساعات من مفارقة روحه لجسده فطالما أن هذه الروح موجودة فلن يتأثر الجسد بتلك العوامل ولكن بعد الموت يتآكل الجسد فلا يبقى منه سوى الرفات وربما لا تبقى تلك الرفات إذا طال الأمر كثيراً لأنها سوف تتناثر هنا وهناك بفعل العوامل الطبيعية، فلو أننا نبشنا قبراً دُفن فيه إنسان منذ آلاف السنين فلربما لا نجد للرفات أثراً، يتبع

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى