قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة 45)

قِصةُ وَادِيْ التَيْه

 

 

قِصةُ وَادِيْ التَيْه

 

(قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)

بعد نجاة بني إسرائيل من ظلم فرعون وجنوده ببركة كليم الله موسى وتلك المعجزة الكبرى التي انشق بها البحر وابتلع فرعون وجنوده، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ بني إسرائيل، وكان تاريخهم مُظلِماً وما زال أظلم بسبب أهوائهم وانحرافهم القريب.

لعقودٍ من الزمن وبنوا إسرائيل يتمنون اللحظة التي ينجون فيها من ظلم فرعون الذي طال استعباده لهم، وكانوا على استعداد لفعل أي شيء في سبيل الخلاص منه، وقد منّ الله عليهم إذ أنقذهم من فرعون على يد كليمه موسى الذي لم يشكره بنوا إسرائيل على جميع ما قدّمه لهم من خدمات ومعجزات.

فبعد غرق فرعون وجنوده خرج بهم نبيّهم موسى من مصر متوجهاً إلى الشام، ولدى وصولهم إلى أرض الكنعانيين الذين يقطنون فلسطين(وكانوا قوماً جبارين) أمرهم نبي الله موسى بالجهاد، أي بدخول أرض الكنعانيين بقوة السلاح، وأخبرهم بأنّ الجهاد طريق السعادة لهم، ولا يمكن لحياتهم المتزلزلة أن تستقر إلا بالجهاد، وكان الحل الوحيد لهم آنذاك هو أن يقاتلوا الجبّارين في الأرض المقدسة حتى يدخلوها حيث لم يكن للكنعانيين التنازل عنها إلا بالقوة، وكان هذا امتحاناً لهم من الله تعالى.

وكان موسى(ع) قد اختار منهم اثني عشر نقيباً يمثّلون قبائل بني إسرائيل الإثنتي عشرة ليذهبوا إلى أرض الكنعانيين ويستطلعوا الأمر، ولعلهم ذهبوا ثم رجعوا خائفين مما رأوه من القوة والكثرة والحصانة، ولدى إخبارهم لقومهم بذلك آثروا حياة الذل على الجهاد الذي يرسم لهم طريق العزة، فرفضوا فكرة القتال من أساسها وتناسوا فضل موسى وربه عليهم، بل عصوا أمر ربهم، وتركوا موسى وحيداً متجرئين عليه وعلى الله تعالى(قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)

يريدون الحياة الكريمة دون تعبٍ ولا عناء، بل يريدون الأكل من زرع غيرهم، والشرب من الآبار الجاهزة، وهي أسوأ صفات البشر، وكأنّ لهم فضلاً على ربهم وعلى باقي الناس، مع أنهم لم يذوقوا طعن العزة والحرية إلا ببركة كليم الله، وما زالت هذه الروحية تتملكهم حتى يومنا الحاضر إذ يظنون بأنهم شعب الله المختار.

لقد فضّلهم الله على العالمين من قبلُ، وأنعم عليهم بإرسال الرسل إليهم، وأنقذهم من ظلم فرعون الذي ذبح أطفالهم وسبى نساءهم، وأراهم من المعجزات ما لم يره غيرهم، ولكنهم تناسوا كل ذلك، فعندما عصوا الله والرسول أذلهم الله في الحياة الدنيا وجعلهم عبرة لمن يعتبر عبر الزمن.

وكان من بينهم رجلان مؤمنان بالله تعالى راحا يشجعانهم على دخول الأرض المقدسة ويدعوانهم إلى تنفيذ أوامر الله ورسوله، وبيّنا لهم بأنّ الغَلَبة لهم إن هم توكلوا على الله سبحانه، ولم يكن ردُّ بني إسرائيل عليهما بأقل وقاحةً من ردّهم على كليم الله(قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

رفضوا دخول الأرض المقدسة وقتالَ الكنعانيين رغم تطمين موسى لهم لأنهم يريدون أن يحققوا المكاسب على تعب وجهد غيرهم، وطلبوا من نبيّهم أن يعيدهم من حيث أتوا، فرجع بهم إلى حيث أمره الله سبحانه، وقد عاقبهم الله على خذلانهم مدة أربعين سنة، حيث شرّدهم ولم يستطيعوا دخول أية مدينة بعد ذلك، فراحوا ينصبون الخيام في الصحراء الحارقة ويبذلون كل الجهد في البحث عن الماء والطعام، وقد مروا بظروف جوعٍ وعطش قاسية، وعندما أدركوا حجم الخطأ الذي ارتكبوه عندما لم يجاهدوا في سبيل الله قرروا العودة إلى بيت المقدس مرة أخرى (ولو وصلوا إليها ثانية فلن يقاتلوا ولن يدخلوها بل هي مجرد مراوغة من أجل كسب الوقت) ولكنهم عاشوا في متاهة وضاعوا في تلك الصحراء أذلاء مشردين، ولم يدخلوا بيت المقدس بعد ذلك، فكانوا كلما سلكوا طريقاً عادوا إليها من حيث لا يشعرون، واستمر فيهم هذا العقاب أربعين سنة، وهو قليل في حقهم، وقد علموا بأنّه عقابٌ من الله أنزله بهم، ومع ذلك كله بقيت نفوسهم مريضة لم يستقر بها الإيمان الخالص يوماً.

لم يكونوا أقوياء إلا على كليم الله موسى وأخيه هارون، فكانوا في كل مرة وعند أية مخالفة لطلباتهم التي لا تنتهي يهددونهما بالقتل.

هكذا هم اليهود، وسوف تقوم الساعة وهم على تلك الحالة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى