مؤلفات

الدنيا طريق الآخرة

الشيخ علي فقيه

الدُّنْيَا
طَرِيْقُ الآخِرَة

الدّنْيَا فِيْ القُرآنِ الكَرِيْم

قال سبحانه وتعالى:
(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ){البقرة/212}
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ){آل عمران/14}
(فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ){آل عمران/185}
(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ){الأنعام/32}
(الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ){الأعراف/51}
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ){التوبة/38}
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ){الحديد/20}

حَقِيْقَةُ الدُّنْيَا

الدنيا هي هذه الحياة التي خلقها الله وجعلها دار عمل وامتحان ليميز الخبيث من الطيب ويجزي كل واحد بمثل عمله، بالخير خيراً وبالشر شراً (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
لقد كانت الدنيا وما تزال رأس كل خطيئة، وقد حذرنا الأنبياء من الوقوع في شباكها المعقدة لأن أساليب الإغراء فيها كثيرة.
وقد وضع الله تعالى هذه الدنيا في تصرف الإنسان فهو قادر على أن يجعلها دار خير بعمله الصالح وطاعته لله ويستطيع أن يجعلها عبئاً على نفسه وذلك إذا غلبته.
وبعد أن وضعها الله في تصرف الإنسان بين له حقيقتها وحذره منها مبيناً له أنها دار عمل لا حساب فيها وأن الهدف الأساسي الذي يجب العمل له هو الدار الآخرة يجوز لأي كان أن يتجاوز تلك الحدود الإلهية.
فلا ينبغي أن نضعف أمامها ونستسلم لها وإنما يجب أن نواجهها بشتى الطرق المناسبة.
هذه الدنيا التي سعى لها الأولون الذين استعبدوا الناس وظلموهم وقتلوهم من أجل المناصب والأموال.
وإليكم بعض الآيات الحاكية عن حقيقة الدنيا:
قال تعالى(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
وقال تعالى(وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)
ولو لاحظنا كلام أهل البيت(ع) حول الدنيا لعرفنا حقيقتها على أتم وجه لأنهم فهموا الحياة كما يجب.
فعندما يخاطب أمير المؤمنين(ع) الدنيا بقوله:غري غيري: فإنه يكشف عن كونها ذات أسلوب مغري يجب الإنتباه له.
وفي بعض الآيات يبين الله عز وجل أن ما في الدنيا قليل أمام عطاءات الآخرة فيقول(فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)
وهو تعالى يريد بذلك أن يبين مدى العطاء في الآخرة ليكون ذلك من أساليب الترغيب في العمل الصالح.
فمن خلال الآيات الحاكية عن الدنيا وكلام أهل البيت(ع) عنها يظهر لنا أنها ليست شيئاً وأن العبرة بالآخرة، وهذا يعني أن على الإنسان أن يعمل للآخرة ولا يدير ظهره للدنيا كيلا يقع ويغرق.

الدُّنْيَا فِيْ نَظَرِ أَهْلِ البَيْتِ(ع)

لقد ذكر القرآن المجيد آيات كثيرة حول بيان حقيقة الدنيا ودورها في مصير الإنسان يوم القيامة ولكنه لم يشر إلى التفاصيل التي بينتها السنة المطهرة حول حقيقتها الغرارة.
لقد أوكل الله تعالى أمر بيان حقيقتها إلى النبي الأكرم(ص) الذي لا ينطق من عند نفسه، وأمرنا أن نأخذ كل ما جاء به.
نحن عندما نبين حقيقة الدنيا فإننا لا نريد بذلك أن نزرع اليأس في قلوب الناس، وإنما نبين ذلك حتى يبتعد الإنسان عن المحرمات في الدنيا، فإن لنا حقوقاً فيها يجب أن نأخذها عملاً بقوله تعالى(وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) فعلى الإنسان أن يأخذ نصيبه من الحياة بشرط أن يبتعد عن الحرام.
الدنيا للجميع، للإنسان والحيوان، للمؤمن والكافر، للكبير والصغير، فهي سجن المؤمن، ولكن ذلك لا يعني أن يحبس الإنسان نفسه، فإن العبرة بالسجن أن لا يرتكب الإنسان محرماً فيها، ولكنه لو بحث الإنسان عن حقيقة الأمر لوجد أن السجن هو حياة الحرام وذلك بالنظر إلى النتيجة من كلا الأمرين.
وقد تضمنت الأحاديث الشريفة تلك المعاني كلها بهدف أن يفهم المرء حقيقة الدنيا التي يعيش فيها.
وفي نهج البلاغة وردت مواعظ كثيرة حول حقيقة الدنيا والحذر منها وأن نجعل منها ممراً لا مقراً، فقد قال(ع):
• مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَآخِرُهَا فَنَاءٌ! فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ. مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إلَيْهَا أَعْمَتْهُ:
وقال(ع) : فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا، رَدِغٌ مَشْرَعُهَا، يُونِقُ مَنْظَرُهَا، وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا، غُرُورٌ حَائِلٌ، وَضَوْءٌ آفِلٌ، وَظِلٌّ زائِلٌ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا، وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا، وَأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ قَائِدَةً لَهُ إِلى ضَنْكَ الْمَضْجَعِ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ، ومُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ، وَثَوَابِ الْعَمَلِ، وَكَذلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ، لاَتُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً، وَلاَيَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً، يَحْتَذُون مِثَالاً، وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً، إِلَى غَايَةِ الْإِنْتِهَاءِ، وَصَيُّورِ الْفَنَاءِ:
• وقال(ع): والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرِّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لاَِهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ، وَشِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا السَّيْفُ، فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ، وَاذْكُرُوا تِيكَ الَّتي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ، وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ:

الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الآخِرَة

إذا زرع الإنسان في دنياه خيراً حصد في الآخرة خيراً منه، وإذا زرع شراً حصد شراً منه.
والسبب في ذلك هو أن عطاء الله في الآخرة أكبر من عطائه في الدنيا وكذلك عقابه، فقد يطيع المرء ربه خمسين عاماً ثم يموت فيلقى راحة أبدية لا نهاية لها، وكذلك إذا عصى الله في الدنيا يوماً ثم مات كان عقابه دائماً.
والسر في ذلك أن المطيع الحقيقي يبقى مطيعاً ولو خلد في الدنيا، والعاصي يبقى عاصياً ولو عاش فيها إلى الأبد.
فالدنيا مزرعة الآخرة والعون عليها لأن الإنسان يصل إلى الآخرة عن طريق الدنيا التي إما أن تكون باباً إلى الجنة أو باباً إلى النار.
قال الإمام الباقر(ع)”نعم العون الدنيا على الآخرة”
وقال أمير المؤمنين علي(ع) ” ولنعم دار من لم يرض بها داراً ومحل من لم يوطنها محلاً:

الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيْئَة

لو بحث الإنسان عن أسباب أخطائه كلها لوجد أن السبب هو الدنيا التي كانت مصدر كل شر وهلاك.
فمن أحب الدنيا سعى لها سعيها، ومن سعى للدنيا بعد عن الآخرة، ومن بعد عن الآخرة فقد نسي ربه، ومن نسي ربه ارتكب الأخطاء، ولو رجعنا إلى سبب ذلك لوجدنا أنه الدنيا.
ولذا قال رسول الله(ص) ” حب الدنيا أصل كل معصية وأول كل ذنب”
وقال علي(ع) ” حب الدنيا رأس الفتن وأصل المحن”
وقال(ع) ” إنك لن تلقى الله سبحانه بعمل أضر عليك من حب الدنيا”
وقال الإمام الصادق(ع) ” رأس كل خطيئة حب الدنيا”
لقد عرفنا أن حب الدنيا رأس كل خطيئة إلا أن لهذه الذنوب آثاراً في الدنيا قبل الآخرة يجب التعرف عليها حتى يكون حذرنا آكد.
وقد تحدث أهل البيت(ع) في العديد من المواضع والمناسبات عن تلك الآثار حتى اجتمع لدينا الكثير من الأحاديث الخاصة بهذا المجال.
قال رسول الله(ص) ” إن الدنيا مشغلة القلوب والأبدان، وإن الله تبارك وتعالى سائلنا عما نعمنا في حلاله فكيف بما نعمنا في حرامه”
وقال أمير المؤمنين(ع) ” من لهج قلبه بحب الدنيا التاط قلبه منها بثلاث، همّ لا يغبه وحرص لا يتركه وأمل لا يدركه”
وقال الصادق(ع) ” من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها”
وقال الكاظم(ع) ” من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه”
هذه الدنيا هي المرحلة التي يجب التركيز عليها حتى يفهما الإنسان ويحذر منها لكي يجعلها دار عمل صالح يدخل به الجنة في يوم الحساب.

كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعْ الدُّنْيَا

العاقل هو الذي يضع الأمور في مواضعها وينطلق من القاعدة القائلة :لكل مقام مقال: ويكون على حذر من الأمور التي يجب الحذر منها، وأن لا يطمئن لأي مصدر من مصادر الخداع والمكر، فإذا أدار ظهره للخطر فقد أوقع نفسه فيما لا تُحمد عاقبته وساءت تبعاته وقبُحَت آثاره، وهذه الدنيا التي نحن منها دارٌ فيها ما فيها من أنواع الخطر وألوانه فهي دار الغرور واللعب واللهو، وفي نفس الوقت هي دار العمل الصالح والتزود ليوم الحساب، ونحن قادرون على أن نتصرف بالدنيا كيف نشاء، فإما أن نملكها ونسيطر عليها ونضعها في المكان الذي نريد، وإما أن نستسلم لشهواتها فتملكنا وتأمرنا بالسوء والفحشاء، فكثير من الناس يلعنون الدنيا لأنها أغرتهم وأهلكتهم ولا ينبغي أن يلعن الدنيا بل ينبغي أن يلعن نفسه الأمارة بالسوء التي جعلته عبداً من عبيد الدنيا بدل أن يوقف نفسه للخالق القدير سبحانه وتعالى.
فالدنيا شيء مسخّر للإنسان، والمسخّر للإنسان أضعف من الإنسان، فالشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والزرع والحيوان كل ذلك مسخر للإنسان يستخدمهم فيما يشاء وساعة يشاء، ونلاحظ بأن الإنسان بنحو من الأنحاء أقوى من الشمس والبحر والحيوان وذلك بما آتاه ربه من قوى عاقلة، والدنيا هي هذه الحياة المسخّرة للإنسان، فلا ينبغي للعاقل أن يسخِّر نفسه لما سُخِّر له إذ لا يليق به أن ينزل إلى هذا المستوى الذي نزّهه الله عنه منذ البداية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة الدنيا وكيفية التعاطي معها، فقد قال تعالى في سورة آل عمران(وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) وقال تعالى في سورة الأنعام(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) وفي سورة يونس(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) وفي سورة الحديد(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)
هذه مجموعة صغيرة من الآيات التي كشفت للناس عن حقيقة الدنيا بهدف الحذر منها، وهناك العشرات من الآيات التي تحدثت عن الدنيا وحذّرت أهلها من زخارفها وخُدَعها، ولذلك نقول إن الإنسان حاكم على الدنيا بما أعطاه الله تعالى من قوى عاقلة مفكّرة تستطيع التمييز بين الصحيح والفاسد والحق والباطل.
قال علي(ع) : إن الدنيا دار صدقٍ لمن صَدَقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها:
فالذي يتعامل مع الدنيا على أساس كونها دار ممر وعمل فسوف تكون له دار صدق، وهي دار عافية لمن فهمها على حقيقتها، ودار غنى لمن جعلها داراً للتزود.
وقال(ع) : إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يُبصر مما وراءها شيئاً، والبصير يَنفُذُها بصرُه ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص والبصير منها متزود والأعمى لها متزود:

لِمَاذَا يَمْتَحِنُنَا اللهُ تَعَالى

سؤال يدور في نفوسنا وربما نطرحه على غيرنا أو يطرحه علينا بعض السائلين إما بهدف الإستفسار والإستعلاف وإما بهدف الطعن في العدالة الإلهية والرحمة الواسعة مع أن نفس إخضاعنا لهذا الإمتحان هو عين العدالة التي لا يُظلم معها أحد.
ويمكن الجواب على هذا السؤال من عدة وجوه تكوّن بمجموعها الجواب الشافي الذي يعتبر حجة على العالم به.
الوجه الأول: وهو أن الحياة كلها بجميع تفاصيلها ومعانيها لم توجد سدى ولم تُخلَق عبثاً، وإنما وجدت من أجل أن يحقق الله بنا ولنا أهدافاً سامية وكريمة ومرضية وأول تلك الأهداف نيل الرحمة في يوم الحساب بشرط أن يطيع العبد ربه كما أمره، وأن يسير في جادة الإستقامة والإخلاص ليحقق أهدافه بنفسه ويبلغ المرام الجميل والعاقبة الحسنة، ولقد أشار الله سبحانه إلى أعظم هدف من إيجاد الإنسان في هذه الحياة حيث قال(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ولا يقصد بالعبادة هنا مجرد الصوم والصلاة والحج وإنما يقصد منها ما هو أوسع دائرة من ذلك حيث تدخل المعرفة في صلب الموضوع فتكون هي المقصد من لفظ العبادة في الآية، وقد صح إطلاق لفظ العبادة على المعرفة لكونها الباب الذي ندخل منه إلى عبادة ربنا عز وجل.
ثم ينفي القرآن الكريم وجود اللغو في إنشاء الخلق فيقول(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)
ولأن جهل الإنسان في مثل هذه المسائل يحول بينه وبين فهم الحقائق الموصلة إلى الطاعة كان من الواجب عليه أن يسأل ليعلم وأن يعلم ليعمل، وهذا جزء من مكونات أصل الإمتحان الإلهي الذي فرضه علينا في هذه الدنيا.
الوجه الثاني: أن نفس طرح هذا السؤال فيه مغالطة كبرى لأنه لا مورد له في واقع الأمر حيث أن المفروض هو أن نسأل عما لو لم يكن هناك امتحان فإذا لم يكن هناك امتحان أمكن لنا أن نتساءل كيف ولماذا، بل لماذا أوجدنا الله من الأساس أرواحاً ثم نطفاً ثم سواناً خلقاً آخر.
يعني يمكن لنا أن نشعر بالنقص فيما إذا كان الهدف من إيجاد الخلق واهياً أو فيما إذا لم يكن هناك هدف من الأساس، ثم إن الجواب على هذا السؤال ظاهر بكا جلاء ووضوح لأن آيات الكتاب المنير كثرت في هذا المجال بحيث لم يبق للسائل حجة بعد تلك الأدلة والبيانات وخصوصاً أنها بيانات إلهية.
الوجه الثالث: وهو التأمل في مطلع سورة العنكبوت حيث قال تعالى:
(الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)
فهل تظن أيها الإنسان أن الله جل شأنه قد أوجدك من العدم لمجرد أن تخرج إلى الحياة لاعباً لاهياً ساهياً، وهل تدعي بأنك مؤمن بالله وأنت لم تخضع للتجربة والإمتحان ولم تترجم إيمانك عملياً على الأرض؟ ثم يزيدنا القرآن توضيحاً فيخبرنا بأن الله تعالى فتن الذين من قبلنا ليجزي المحسن على إحسانه والمسيء بإساءته، وهذا أهم جواب على السؤال المطروح.
ثم يخبرنا الله بأن الإنسان لا يسبق ربه في شيء وأن الأجل ويوم الجزاء سوف يأتي وأن النتيجة الحتمية سوف تظهر وأنه تعالى سوف يعاقب المسيء ويثيب المحسن الذي شغل نفسه في طاعة ربه.

ضَرُوْرَةُ الحَذَرِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْم

من ضرورات النجاح في امتحان الله للإنسان أن يكون متنبهاً وحذراً من حبائل الشيطان وخدعه ومكره ووسوساته التي تأتينا من فوقنا وتحتنا وعن أيماننا وشمائلنا، وإلا فمن دون انتباه لا ندري كيف نقع ومتى نهوي في متاهات الرجيم الذي أراد بنا الشر منذ أن طرده ربه من الرحمة والجنة.
والشيطان الرجيم ليس أمراً مجهولاُ لدينا فالكل يعرفه ويشعر به، والكل مسؤول عن تلك الوساوس التي يلقيها في صدورنا لنقع في المخالفة ونكون شركاءه وأقرانه في نار جهنم.
من هنا كان الحذر من سطواته واجباً وضرورياً للغاية لأنه يدخل إلى قلب الإنسان بطرق ظاهرها حسن ولكن باطنها سيء جداً فهو يصور لك الشر خيراً لتقدم عليه وترتكبه حتى تلازمك المخالفة وتبعاتها ليقضي على آخرتك كما قضى لك على دنياك، كما وأنه يخيل لك أنك تفعل أمراً يرضى به الله ولكنه في الواقع معصية تعاقب عليها، ومن هنا وردت التحذيرات الإلهية والنبوية لتلفت أنظارنا نحو هذه الوساوس وهي في نفس الوقت حجج علينا سوف يسألنا الله عنها في يوم الحساب.
فمن جملة التحذيرات القرآنية ضد الشيطان الرجيم قوله تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)
وهذا نداء واضح وصريح من قبل خالقنا جل وعلا فهو يخبرنا بأن وعده الحق وأن الدنيا غرارة يسقط أمامها أكثر الناس ويضعفون أمام شهواتها وزخارفها مع أنها في الواقع لعب ولهو وزينة وتفاخر كما يخبرنا الله عز وجل في كتابه العزيز حيث يقول(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)
ثم يأمرنا القرآن بأن نحذر الشيطان الغوي ونتعامل معه على أساس كونه أخطر أعدائنا في هذا الوجود لأنه في الحقيقة كذلك، وقد ورد في الآية الكريمة تأكيد على كونه عدواً (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) وورد أمر باتخاذه عدواً (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)
ومن التحذيرات القرآنية تجاه الشيطان قوله سبحانه(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
الشيطان يجرنا نحو الفقر والجوع والقحط المادي والمعنوي ويدفع بنا نحو الشرور بجميع مراتبها بينما يعدنا اله تعالى المغفرة والجنة والسعادة الأبدية، وهذا ما يدرك بقليل من التفكر والتأمل، والعاقل هو الذي يختار ما يبقى ويؤثره على ما يفنى، والله تعالى يخيرنا بين ذهب يبقى وخزف يفنى ونحن بطاعتنا للشيطان الرجيم نفضل خزفاً زائلاً على ذهب باق، وهنا نسأل ما الذي جعلنا نقبل بهذه القسمة مع علمنا بالخسارة الواضحة في هذا الخيار؟ لا شك بأن الذي زين لنا الخزف وجعلنا نؤثره على الذهب هو الشيطان الرجيم.
والشيطان قوي وضعيف، فهو قوي على المتزلزلة عقائدهم الذين استحبوا العصيان على الطاعة، ولكنه ضعيف أمام إرادة المؤمنين بالله عز وجل فإن كيد الشيطان أمام مثل هذه الإرادات ضعيف(إن كيد الشيطان كان ضعيفا)
ثم يزيدنا القرآن بياناً لتكون الحجة أبلغ فيحدثنا عن بعض وظائف هذا المخلوق الخطير فيقول(لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) ثم يقول تعالى(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) وبذلك بين لنا أن المأوى الأكبر والمنقذ الأفضل من كيد الشيطان هو الطاعة الصادقة لله سبحانه وتعالى.

وَظَائِفُ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْم

مهما طال الكلام حول بيان وظائف الشيطان الرجيم وضرورة الحذر منه في كل زمان ومكان تبقى الحاجة إلى مثل هذا الكلام ملحة وضرورية لأن ذكر الشيطان بشكل دائم يجعلنا حذرين منه فهو ينقض علينا عندما ننساه أو نتهاون في أمره وهو يتحيل مثل هذه الفرص لكي يصرعنا ويودي بنا بل ليلقي بنا في حفره العميقة التي يصعب الخروج منها إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، ولأجل ذلك كثر الحديث عن وساوس الشيطان ووظائفه تجاه ابن آدم، قال تعالى(لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا)
لقد أنزل الله تعالى لعنته على الشيطان الذي خالف وعصى وتكبر على خالقه فطرده ربه من الرحمة وأمهله إلى يوم الحساب ليعلم الصادقين من الكاذبين والمؤمنين من الكافرين فلم يخف هذا المخلوق من عذاب ربه وإنما راح يتوعد بأنه سوف يقضي على الإيمان في قلوب المؤمنين وأنه سوف يوسوس لهم ليخرجهم من الهدى إلى الضلال ومن الإستقامة إلى الإنحراف ومن الخير إلى الشر ليخرجوا من هذه الدنيا ووصمات العار ملازمة لهم وعلامات العذاب بادية على صفحات وجوههم.
قال إبليس اللعين متوعداً ومستخفاً بعذاب الله(لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) وهذا لم يكن مجرد تهديد فقط ولم يصدر من الشيطان كتفجير غيظ وفشة خلق، وإنما صدر ذلك منه وهو مصر على تنفيذ هذا التهديد الذي باشر به من عهد آدم(ع) سوف يتخذ الشيطان من عباد الله نصيباً مفروضاً أي أنه سوف يوسوس لهم ويأتيهم من كل مكان بصور عديدة وأساليب كثيرة ليوقع بهم في حفر عميقة وسحيقة يصعب الخروج منها والتخلص من شباكها المعقدة.
ثم يفصح القرآن الكريم عن جوهر هذا التهديد بشكل أوضح فيقول تعالى حاكياً عن إبليس(وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ) أما الإضلال وإلقاء الأماني في صدور الناس فهو أمر معلوم لأن الجميع يدركون يدركون بأن هذه الوسوسات مصدرها الشيطان الرجيم الذي واعد أيضاً بأن يوسوس للناس بتبتيك آذان الأنعام(وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ) فلقد امتثل الناس في الجاهلية لهذا الأمر الشيطاني فراحوا يشقون آذان الأنعام كالبقر والإبل والغنم ويقدمونها قرابين للآلهة ولعل المعنى أن الحيوان الذي تقطع أذنه أو تشق يصبح ملكاً للأصنام فلا يستطيع أحد أم يتصرف بها سوى القيمين على تلك المعتقدات الفاسدة وقد كان ذلك مصدر رزق وافر لهم فهم يضحكون على الناس ويحثونهم على التزام الأصنام لتستمر ثرواتهم بالزيادة.
ثم واعد الشيطان بأنه سوف يأمر (بمعنى يوسوس) للناس بأن يغيروا خلق الله، وهذا التغيير موضع كلام بين المفسرين لأن آفاق التغيير واسعة ومصاديقه كثيرة ومختلفة في أنواعها وأهدافها فهناك تغيير مباح وتغيير محرم، وهذا التغيير أو ذلك لا بد له من أهل خبرة يحددونه، فمنهم مثلاً من قال بأن التغيير المقصود هو حلق اللحية، ونحن هنا لسنا بصدد النفي أو الإثبات ولكننا نوافق على كون ما ذكر مصداقاً واحداً من مصاديق التغيير، هذا مع اعتقادنا بأن هناك موارد للتغيير أخطر من موضوع حلق اللحية كتحويل الذكر إلى أنثى والأنثى إلى ذكر، وتغيير النبات والماء والأشجار والهواء بسبب تلك الصناعات المدمرة التي كان الهدف منها حب السيطرة على الأرض التي يعملون على تدميرها وهم لا يشعرون.
ولذلك فإن تغيير خلق الله لا ينحصر في أمر أو جهة وإنما هو ينطبق على كل تغيير فيه مضرة للإنسان صغيرة كانت أم كبيرة.
والآن نرى بأن كل ما على الأرض قد تغير بدءاً من الأرض مروراً بالماء والهواء فلم يعد شيء على حاله بل عودوا الطبيعة على الهرمونات والكيميائيات وأفسدوا كل شيء وهذا من عمل الشيطان الذي كان هدفه أن يدمر كل مادي ومعنوي يتعلق بابن آدم.
ثم يحذرنا القرآن من مخاطر الشيطان ومكايده فيقول(يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا)

كَيْفَ يُوَسْوِسُ إِبْلِيْسُ لِلإِنْسَان

لو التزم الناس نهج القرآن الكريم وسلكوا طرقه المنيرة لما انحرفوا لحظة عن جادة الحق وما حولوا وجوههم عن الصواب ولكنهم استحبوا العاجلة وتناسوا الآجلة ووقفوا أسماع قلوبهم للشيطان فجعلوا من أنفسهم أدوات يستعملها الشيطان في تنفيذ مآربه وتحقيق خططه وأهدافه وهم يحسبون أنهم من أهل السعادة لأنهم يأنسون بمتاع الحياة غير أنهم لو فكروا لحظة واحدة في الثمن الذي سوف يدفعونه مقابل هذا المتاع لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق.
والله سبحانه وتعالى خلقنا في هذه الحياة وهو يريد أن يرحمنا ولكن هذه الرحمة متوقفة على الإلتزام بأوامره ونواهيه فنحن الذين نستطيع أن نحدد مصيرنا ليوم القيامة من خلال سلوكنا في هذه الدنيا على قاعدة(فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) والله تعالى رحيم بالعباد فقد خلقنا وأرشدنا للصواب مبيناً لنا الطريق والعاقبة لكل طريق فلم يتركنا في حيرة وضياع ولم يحاسبنا على ما لا علم لنا به، ومن جملة الأمور التي ركز عليها القرآن مراراً وتكراراً موضوع الشيطان الرجيم ووسوساته وخدعه ووظائفه الشريرة تجاه بني آدم فلقد أمرنا ربنا تعالى بأن نستعيذ به من كل نازلة ونائبة وشر ومن شر الشيطان الرجيم الذي يمثل جهة الخطر الفعلي في كل لحظة من لحظات أعمارنا لأنه يلازمنا ملازمة محكمة ويجري في عروقنا كما تجري فيها دماؤنا، ومن هنا وردت التحذيرات من شر الشيطان الذي يتفنن في إيقاء المرء بالخطأ.
وفي سورة الناس يحثنا الله تعالى على الإستعاذة من شر الوسواس الخناس مبيناً وظيفة هذا المخلوق وأنه يوسوس في صدور الجن والإنس في آن واحد، وقد قال بعضهم بأن الوسوسة همس في الأذن والقلب وأن الموسوس له يسمع صوتاً خفيفاً يكاد لا يحسبه صوتاً لخفته، وقال البعض بأن الوسوسة لا تسمع وإنما هي أثر في النفس لأن الشيطان مسلط على الأنفس وليس على الأبدان، وعلى كل حال فإن وظيفة الشيطان تجاه الإنسان أمر في غاية الدقة والخطورة لأن مصير الإنسان متوقف على هذه الوظيفة فإذا أدار ظهره للشيطان أوقع به في غياهب المهالك، أما إذا كان بصيراً وحذراً ومتكلاً على الله عز وجل فإن الشيطان حينئذ يعجز عن الإيقاع به مهما استعمل من وسائل الإغراء لأن المؤمن يعي تماماً بأن ما عند الله تعالى خير وأبقى وأن ما يمنيه الشيطان ما هو إلا وهم ومخادعة.
والوسواس الخناس له تجاه الإنسان وظيفتان أساسيتان،
الأولى: أنه يحاول إغراءه بشتى الوسائل وهو يأتيه بصور متنوعة فلا يستعمل مع الإنسان طريقة واحدة وإنما يأتيه كل مرة بطريقة جديدة، فإذا استطاع الشيطان أن يتغلب على الإنسان ويوقعه في الحرام استعمل معه الوظيفة الثانية، وهي أن ينسيه الإستغفار لتلازمه التبعة ويهلك بها في يوم الحساب، والشيطان يعلم بأن المذنب إذا تاب تاب الله عليه وغفر له ولأجل ذلك هو يحاول أن يرصد للإنسان الكثير من الأفخاخ حتى يبعده عن ذكر ربه ويموت على العصيان، وهذه الوظيفة المحكمة من قبل الشيطان الرجيم هي في الواقع رد ومواجهة لمعنى قوله تعالى(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ) وقد ذكر صاحب الميزان رواية حول هذا الأمر وهي أنه عندما نزلت هذه الآية الكريمة صاح الشيطان بعفاريته من لهذه الآية فقام الوسواس الخناس وقال أنا لها فقال له إبليس بماذا أنت لها فقال أغريهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإن واقعوها أنسيتهم الإستغفار.
أجارنا الله وإياكم من شر الوسواس الخناس إنه سميع مجيب.

تَسْلِيْطُ الشَّيْطَانِ عَلَى الإِنْسَان

قبل البدء بالكلام حول هذا الأمر نشير إلى كون الحديث عنا يتعلق بالشيطان الرجيم موعظة للنفس وغذاءاً للروح وتحصيناً لها من الوقوع تحت سيطرته، فقبل أن نقول لك إفعل كذا ولا تفعل كذا ينبغي أن نحذرك ممن كان السبب في فعلك للحرام، فإذا حصنت نفسك من سطواته كان صدور الحسن منك سهلاً للغاية وترك الحرام مثله.
وهنا ينبغي أن ندرك مدى قدرة الشيطان على الإنسان، فهل أن للشيطان الرجيم الصلاحية التامة والسيطرة الكلية على الإنسان بما هو روح ونفس وجسد أم أن هناك حدوداً وضعها الله سبحانه حتى لا يظلم العبادة بتحميلهم فوق طاقاتهم؟ أما بالنسبة لموضوع ظلم العباد فإن الله تعالى أجل من أن يظلم الناس مثقال ذرة فهو القائل في كتابه العزيز(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وهو القائل(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) وقال تعالى(اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) وهذه نماذج قليلة من عشرات النماذج القرآنية التي ينفي بها تعالى الظلم عن نفسه.
وأما مسألة سلطة الشيطان على الإنسان فهي محدودة ومنحصرة في موضوع الوسوسة في النفس فقط فلا سلطة للشيطان على الجسد لأنه لو كان مسلطاً على الأجساد لما أبقى جسداً سليماً لكونه العدو الأكبر للإنسان، والعدو لا يمكن أن يرحم خصمه.
وهذه مسألة دقيقة رغم وضوحها لدى أهل المعرفة، وهناك من يتوهم بقدرة الشيطان على الجسد فيظن بأن الشيطان يستطيع أن يفعل بالجسد ما يريد وهذا وهم لأنه يتعارض مع مبدأ العدالة الإلهية إذ كيف يسلّط الشيطان على الإنسان ولا يستطيع الإنسان أن يدفع مثل هذا الضرر عن نفسه.
وإلى هذا الحد من التسليط يشير القرآن الكريم بقوله(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ) وفي سورة الحجر قال سبحانه(قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)
ومن هنا فإننا ننفي وبشكل قاطع مسألة استلباس الشيطان للإنسان بالشكل المتداول بين الناس حيث يتوهم بعضهم بأن للجن قدرة على استلباس الجسد، نعم نحن نؤمن بأن كل إنسان منا يوجد بداخله شيطان حتى يستقيم الإمتحان الذي فرضه الله تعالى في هذه الدنيا لأن وجود الشيطان في النفس أحد أبرز أركان الإمتحان لأنه من دون شيطان لا يوجد امتحان من الأساس.
إن غاية قدرة الشيطان على الإنسان هي الوسوسة فقط وليس دخول الجسد والتحكم به كما يدعي بعض أصحاب الأهواء الفاسدة.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى